الأسرة.. والهوية الإسلامية للأبناء

15:10 08 نوفمبر 2016 الكاتب :   الهيثم زعفان

عندما يتأمل المرء واقع المدارس الدينية اليهودية أو المسيحية يتألم كثيراً من حرص هؤلاء القوم على تكريس هويتهم الدينية المنحرفة في نفوس أبنائهم.

ألمٌ على تهويد وتنصير هؤلاء الأطفال ذوي الفطرة البريئة وخسرانهم لدنياهم وآخرتهم، يتعاظم الألم عند مقارنة حال تلك المدارس بأحوال مدارسنا وتعليمنا في عالمنا العربي والإسلامي من حيث الحرص على تكريس الهوية.

نقيضان محيران؛ فهناك لدى اليهود والنصارى اعتزاز بالهوية الضالة وسعي لتعزيزها وتيسير كافة السبل الميسرة لنمائها؛ وهنا حيث الإسلام والمسلمون تضييق على الهوية الصالحة؛ وسعي دؤوب لتنقيح المناهج وتفريغها من كل ما يعزز وينمي الهوية الإسلامية للأبناء.

لكن يبقى أن الهوية الإسلامية مسؤولية أمة بأكملها، وإن كنا نعيش الآن مرحلة تاريخية بها شيء من الضعف والهوان، فإن التاريخ يبين أنه متى عظمت الهوية الإسلامية في نفوس المسلمين كانت الريادة وكان التمكين.

ولما كانت الأمة الإسلامية تتكون في مجملها من مجموعة من الأسر المسلمة المتشابكة، وكانت الأسرة هي المصنع الأول المورد لمكونات جدار الأمة من فتيان وفتيات، فإن مسؤولية الأسرة المسلمة في الحفاظ على الهوية الإسلامية وغرسها في نفوس الأبناء تتعاظم كثيراً أمام باقي مسؤوليات قادة المجتمع.

من هنا أجدني أسطر لنفسي وللأسر المسلمة جملة من التساؤلات المتعلقة بغرس الهوية الإسلامية في البناء الأسري ومحيط الأبناء ودوائر تفاعلهم الاجتماعي؛ ومنها:

1- هل فكّر الشباب والفتيات قبل إقدامهما على تكوين مؤسسة الأسرة في مسألة الهوية الإسلامية؛ وفقهوا معنى الهوية الإسلامية، وطبقوها على أنفسهم، وعلموا أن عليهم دور مستقبلي في تربية أولادهم وفق هذه الهوية المميزة لهم، ومن ثم كان اختيار شريك الحياة الزوجية على أسس مبدأها ومنتهاها الهوية الإسلامية؟

2- هل فكر الزوجان في اختيار البيئة المكانية التي سيكوِّنان فيها مؤسستهما الأسرية؟ وهل هي معينة على تعزيز الهوية الإسلامية لأبناء المستقبل؟ أم أن الأمر عادي عندهما في السكن والهجرة والغربة في أحياء تغريبية، أو في بلاد تضيق الخناق على الهوية الإسلامية للأبناء بل وتحاربها في أحيان كثيرة؟

3- هل هيأ الوالدان بيت الأسرة ليكون مميزاً للهوية الإسلامية ومعظماً لها في نفوس الأبناء، من صلاة وصيام وتلاوة قرآن وملبس ومطعم؛ وغيرها من أجواء ومكونات الهوية الإسلامية؟.

4- هل يصطحب الأب أبناءه إلى المساجد في الصلوات والجمع لربط ابنه منذ صغره بالمسجد، وليكرس في نفسه أن المسجد عنوان رئيسي من عناوين هويته الإسلامية أينما حل أو ارتحل؟

5- هناك قواعد إسلامية أساسية في مراحل التربية الأولى تأتي على رأسها مسألة الطهارة وتعليم الوضوء؛ فكم من الأسر تهتم بهذا الأمر؟ وكم من الأسر راقبت الأبناء حتى تتيقن أنهم تمكنوا من الطهارة والوضوء جيداً؟ ثم جعلته ديدنا رئيسيا لها عند تربية جميع الأبناء؟.

6- هناك جملة من القيم المميزة للهوية الإسلامية تغفل كثير من الأسر عن غرسها في نفوس الأبناء، منها الصدق والحياء والكرم وحسن الخلق والمعاملة الحسنة وغيرها، وحتى لو غرست بعض منها فقد يكون المنطلق لدى بعض من الأسر بعيدا عن المكون الإسلامي، فهل حاولت تلك الأسر تدارك تلك الغفلة أو تجدد نيتها في غرسها لهذه القيم لتكون كلها لله فيجبر معها الخلل في بعضها، ويتوارثها الأبناء جيلاً بعد جيل من منطلق الهوية الإسلامية؟

7- إذا أتت مرحلة اختيار المدرسة المناسبة للأبناء يقف الأبوان حيارى كثيراً أمام اختيار نوعية التعليم المناسب لأبنائهم، ما بين اقتراب من المسكن وجودته ومناسبته للحالة الاقتصادية للأسرة، وغيرها من الاعتبارات المتعددة؛ لكن السؤال الأهم: كم من الأسر تضع اعتبار الهوية الإسلامية في سلم أولوياتها عند اختيار المدرسة المناسبة لأبنائها؟ وعلى أي درجة من درجات هذا السلم تكون الهوية الإسلامية؟

8- إذا تم اختيار المدرسة للأبناء لأي اعتبار؛ فكم من الأسر حاولت النظر في مناهج تلك المدرسة، واسترعى انتباهها مسألة الهوية الإسلامية في تلك المناهج الدراسية؟

9- في ضوء النقطة السابقة؛ هل حاولت الأسر المسلمة سد ما وجدته من عجز شرعي في المناهج التعليمية عبر إلحاق الأبناء بمراكز تحفيظ القرآن الكريم، وتعليم العلوم الشرعية، ليس في فترة الإجازة الصيفية فقط، ولكن على مدار العام؟

10- كم من أعضاء مجالس آباء الطلاب حاولوا في اجتماعات المجالس بالمدارس إثارة القضايا التي من شأنها تعظيم وتكريس الهوية الإسلامية داخل المدارس من قبيل وجود مصلى بالمدرسة، وإيقاف الدراسة إذا دخل وقت الصلاة، وتدريب الأبناء على الوضوء، وتدريب وأداء الأبناء للصلاة في جماعة، وعقد مسابقات حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية، وتنظيم الرحلات إلى المعالم الإسلامية في البلاد الحاضنة لمدارس الأبناء، وغيرها من الأمور العملية اللازمة لبناء الشخصية المسلمة السوية، وتكريس الهوية الإسلامية في نفوس الطلاب بصورة جماعية من الصغر؟

11- كثير من بلدان العالم الإسلامي الآن تهمش المواد الشرعية في مراحلها التعليمية المتعددة، ولا تجعلها مواد نجاح ورسوب مما جعل الطلاب يعزفون عن حفظ القرآن الكريم، وتعلم الأحكام والتكاليف الشرعية؛ فلماذا لا تضغط الأسر المتضررة على الحكومات كي تلزمها بإعادة الأمور لنصابها الطبيعي؟ ولعل في وسائل التواصل الاجتماعي واتساع الرقعة الإعلامية سبيلا للضغط المجتمعي على الجهات الرسمية باتجاه الإلزامية في العلوم الشرعية وحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

12- لماذا لا يكون هناك جلسة أسرية يومية قصيرة أو على الأقل أسبوعية يكون عنوانها "هوية أسرتنا الإسلامية" يكون الحوار فيها مفتوحاً داخل الأسرة الصغيرة حول قضايا الهوية الإسلامية؛ بدءاً من الزي الشرعي المميز لهوية الفتاة والمرأة المسلمة، وانتهاءً بقضايا الأمة الكبرى؟

13- عطفاً على النقطة السابقة، فإن هناك قضايا عظيمة للأمة يتعاظم حمل همها في نفوس الأبناء بتعاظم تمسكهم بهويتهم الإسلامية مثل الأقصى الأسير، وألم سوريا وبورما وغيرها من قضايا الاحتلال والظلم والطغيان في عالمنا الإسلامي.. فهل ينجح الآباء في حمل هذا الهمّ أولاً، ومن ثم تحميله لأبنائهم كي يكونوا رجالاً حاملين للواء الأمة مستقبلاً؟

14- هناك ارتباط عميق بين اكتساب المال الحلال وقوة الهوية الإسلامية؛ فكلما كان الأب متمسكاً بهويته الإسلامية كان حرصه على تحري الحلال في أعماله المتعددة، وكلما تولدت لديه نعمة التحري، كان حرصه على تكريس الهوية الإسلامية في نفوس أبنائه، فكم من الآباء يتحرى الحلال في حياته، ويسعى لغرسه في أعماق أبنائه؟ وهل من وقفة مع النفس يراجع فيها كل أب تاريخه المهني والمالي وينظر في مكتسباته من الحلال والحرام، ويحاول تصويب المسار قبل فوات الأوان؟

15- الأم يقع عليها دور كبير في تكريس الهوية الإسلامية في نفوس الأبناء، فشتان بين أم تقضي وقتها لهواً وترفاً بين التلفاز بمسلسلاته وأفلامه، والجوال والإنترنت بغيبتهما ونميمتهما ومفاسدهما، والموضات بتحررها وسفورها ومخالفتها للشريعة الإسلامية، والأعراس باختلاطها ومفاسدها، والصديقات بمشكلاتهن وتخبيبهن، وبين أم وضعت نصب عينها أبناءها كي تنشئهم وفق مراد الله سبحانه وتعالى، فعظمت الهوية الإسلامية في نفسها وكرستها وعظمتها في نفوس أبنائها، فهل من وقفة مع النفس تراجع فيها كل أم الآن حالها مع الله ثم مع أبنائها، لتسأل نفسها في هذه الوقفة: ما هي هويتي؟ وتتساءل: أين هي من الهوية الإسلامية؟ وأين هي من غرسها في أبنائها؟ ولماذا لا تبدأ نقطة من أول السطر على طريق الهوية الإسلامية، تنهل من نعيمها ما ينفعها وينفع أبناءها دنيوياً وأخروياً؟

تساؤلات أرجو أن تجلس كل أسرة جلسة مودة تناقش بقلب مفتوح ومقبل على الله القضايا التي أثارتها، وكيف لها أن تصوب مسارها، وتتدارك ما فاتها، قبل أن نعرض جميعاً على رب العباد ونسأل حينها عن حالنا وأدوارنا مع هويتنا الإسلامية.

نسأل الله أن يبصرنا وأبناءنا ويهدينا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه.

المصدر: مركز الاستقامة للدراسات الإستراتيجية.

عدد المشاهدات 430

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top