طباعة

    استنساخ أساليب التربية.. هل يجدي مع عناد ابني؟

11:19 10 أبريل 2017 الكاتب :   أ.د. يحيى عثمان

صحبة السوء تجذب ابني ويفضلهم علينا وفشل أسلوب والده الصارم لإصلاحه بل زاده عناداً

لكل عصر أدواته ومنهجياته التربوية ولكل بيئة خصائصها ولكل ولد احتياجاته الخاصة

هناك فرق بين الصرامة والحزم وبين الحب والميوعة وبين المتابعة والمراقبة

أستاذي الفاضل، أكتب إليك بعد أن فقدت الأمل وضاقت بي السبل، وتحولت حياتنا حقاً إلى مأساة، وكيف لا ونحن نفقد ابننا وثمرة فؤادنا وهو ولله الحمد حي يرزق، فقد تبخرت أحلامنا بدخوله كلية مرموقة وتحول إلى زائر في فندق لا يربطه بنا غير الاسم.

لقد تزوجت منذ عقدين من الزمان، برجل عصامي طموحه لا حد له، يصل الليل بالنهار في العمل من أجل بناء مستقبل للأولاد، ولا يجد عادة الوقت الكافي لتربيتهم غير سلسلة من الأوامر الصباحية والتي عادة ما تنتهي بثورة عارمة منه، يبرر ذلك بأنه يوفر لهم مدرسة متميزة ومدرسين خصوصيين، فماذا ينقصهم؟ كما يستشهد بتربيته التي كانت صارمة، وقد شاء الله أن يتغرب بعيداً عن أسرته منذ المرحلة الثانوية، وواجه كثيراً من التحديات ودواعي الانحراف، ولكنه بفضل الله شقّ طريقه ويرجع ذلك لتربيته الصارمة التي صنعت منه رجلاً!

واستنسخ نفس الأسلوب مع أبنائه، فيردد لهم حكايته المأثورة التي حفظها الأولاد؛ «أنا لم أكن أستطيع أن أفكر فيما تطلبه أمي، فقط أنفذ ما تشير به، آكل ما يوضع لي، وإلا حرمت اليوم كله من الأكل».. طبعاً هو لا يمل كل صباح من تكرار الأوامر.. نعم الأوامر، فهناك قائمة من التعليمات على كل الأولاد تنفيذها وإلا تحول البيت إلى (....)؛ مما يضطرني للتدخل في محاولة يائسة مني ليهرب الابن المخطئ من الموقف المرعب الذي يواجهه، وأنهي الصراع المتكرر؛ لأن أحد الأبناء مثلاً لا يستطيع أن يكمل وجبته! أو أن غرفته غير مرتبه، وهو يصرخ عليه وكأنه في عراك مع رجل مثله بالشارع، وقد تحول الموقف إلى تحدّ بينه وبين ابنه الطفل وهو يقف أمامه مرعوباً مرتعشاً.

نما أولادنا في هذه البيئة التي يحاول فيها زوجي أن يستنسخ الأسلوب الذي تربى به، فأحدث ذلك فجوة نفسية بيننا وبينهم خاصة الابن الأكبر، الذي استغل انشغال والده بتأمين مستقبلهم في قضاء معظم وقته خارج المنزل، وقد يأتي المدرس وتضيع الحصة.. من جانبي لا أخطر والده بإهماله، فكفى وجبة صباح كل يوم من الصراخ والتهديد والوعيد التي يتندر بها الجيران بما نسببه لهم من إزعاج.

إن صحبة السوء تجذبه ويفضلهم عنا، فشل الأسلوب الصارم من والده لإصلاحه بل أجد أنه يزيده عناداً، كما فشلت أيضاً نصائحي له بالمذاكرة والكف عن اللامبالاة والإهمال في دراسته، وأعدد له ما نبذله من أجله وإخوته، وكيف كانت حياتنا وكيف نوفر لهم!

أستاذي الفاضل، هل من أمل، أم أن أحلامنا قد تبخرت بأن يدخل ابني كلية مرموقة؟!

الأم المكلومة.

التحليل:

هناك العديد من المفاهيم التربوية المغلوطة تضمنتها رسالة ابنتنا الأم المكلومة، وهي للأسف مفاهيم شائعة ويتناولها الأكثرية وكأنها حقائق علمية مادية وليست وجهة نظر تحتمل المناقشة:

1- الهدف من التربية:

لماذا نربي أبناءنا؟ ليكونوا عباداً صالحين؛ لأن العبودية الصالحة لله ستجعلهم يتقنون عملهم، ويبذلون جهدهم في المجال الذي يتوافق وإمكاناتهم، ويكونون قيمة مضافة سواء أكانوا فنيين في أي مهنة أو يحملون أعلى الشهادات، فكم ممن يحملون أعلى الشهادات في أدق التخصصات كانوا وبالاً على أهلهم لبعدهم عن الله، كما أن العبودية الصالحة لله ستجعلهم يحسنون إلى والديهم فلا يهجرونهم.

طريقة التربية:

لكل عصر أدواته ومنهجياته التربوية، كذلك لكل بيئة خصائصها التربوية، فما صلح للتربية بفضل الله في عصر وبيئة ما، من المؤكد أنه لا يصلح على الإطلاق في بيئة أخرى، كما أن ما يصلح في تربية أحد الأبناء لا يعني بالضرورة صلاحيته مع أخيه، بل والأهم أن ما يصلح مع الابن في مرحلة ما يجب تطويره ليتناسب مع المتغيرات التي تحدث مع نموه، إن التربية تفاعل بين المربي والمربَّى، ونجاحها يتوقف على حسن كفاءة استخدام الأدوات التربوية المناسبة للموقف التربوي؛ لذا فإن الموروث التربوي مهما حقق من نجاح يجب عدم الالتزام به على الإطلاق، ومقولة: إن هذا الأسلوب التربوي نجح معنا وأصبحنا كذا وكذا، الرد أنه نجح معك أنت، فليس بالضرورة أن ينجح مع ابنك، أيضاً وما يدريك أنه لو لم يتبع لكنت أفضل؟

2- التربية الصارمة:

هناك فرق بين الصرامة والحزم، وبين الحب والميوعة، إن من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن الصراخ أو القسوة تؤدب! هي تخوّف وترعب، بل وتطمس شخصية الطفل وتولد فيه الجبن وعدم المواجهة، قد تنجح في منع الطفل من فعل الممنوع وفعل المأمور به، خوفاً من القسوة التي يُعامل بها، ولكن بمجرد ما يختلي بنفسه ينفذ عكس كل ما أمر به، بل ويبالغ فيه، ناهيك عندما يكبر ويستطيع أن يعارض، من المشكلات التي عرضت عليَّ وكلها تدور حول أنه كان الابن ملتزماً يصلي ويحفظ من القرآن، ثم عندما كبر تفلت حتى من الصلاة، ويكون ردي: إنه كان يفعل خوفاً، وعندما زال الخوف فعل ما هو مقتنع به، أو على الأقل حتى ولو كان مقتنعاً فأراد أن يثبت لذاته أنه يملك أمر نفسه ويستطيع ألا يصلي.

3- الانشغال بعمل مستقبل للأولاد:

من المهم الحرص على أن نسعى على الرزق، وأن نوفر لأولدنا المستوى المناسب من المعيشة، والأفضل أن نتمكن من الادخار لهم، لكن من الخطأ الفادح أن يكون حرصنا على التكوين المالي لهم فقط، وأن يشغلنا ذلك عنهم وعن تربيتهم، وأؤكد دائماً «استثمر في أولادك قبل أن تستثمر لأولادك».

4- قناتا التربية الحب والثقة:

يعتمد المربي الناجح على فتح قنوات التلقي لدى المربى؛ بحيث يمكنه من خلال أهم قناتين؛ الحب والثقة، أن يبث قيمه التربوية، فلا بد أن يشعر الأبناء بحب والديهم، قد يُطرح تساؤل: من منّا لا يحب أبناءه؟

والرد: هل يشعر ابنك بحبك له وقيمته لديك من التقدير والاهتمام والتعبير الوجداني؟

هل نحن حريصون مهما كانت مشاغلنا ومهما كانت أخطاء أبنائنا أن نعبر لهم عن حبنا ونبث لهم فيضاً من مشاعرنا نحوهم، ونبين لهم قيمتهم في حياتنا، أم أن صورتهم الذهنية عن أنفسهم لدينا أنهم سبب ما نعانيه من تعب ونصب من أجل أن نوفر لهم ما هم فيه من مستوى معيشة، وأن تربيتنا لهم مصدر إزعاج وشكوى دائمة لنا؟

دون أن يشعر الابن بحب وتقدير والديه وأنهما سعداء به، فلا يمكن أن يتلقى منهما؛ لأن شعور وإحساس الابن بوشائج حب والديه وأنهما يحيطانه ببوتقة من التقدير، وأنه قيمة في حياتهما؛ هو الذي يجعل قناة الحب بالتفاعل مع قناة الثقة تتفتح لتلقي القيمة التربوية التي يريد والداه أن تتعمق في وجدانه، وأؤكد أن القيمة التربوية يجب أن تنساب فترسخ في وجدان الابن، فيجب الحرص على حب الابن لممارسة القيمة في حياته، فيرتبط بها.

والجناح الآخر للتربية هو قناة الثقة، كيف يمكن للابن أن يتلقى من والديه وهو لا يثق فيهما؟

إن قناة الثقة تُبنى وتنمو من خلال التفاعل اليومي للوالدين مع ابنهما، فيجب أن يحرصا على ألا يساعداه على أن يثق فيهما فقط، بل أن يثق في نفسه أيضاً من خلال ثقتهما فيه.

هناك فرق بين المتابعة والمراقبة، إن إحساس الابن بأنه مُراقب، وأن والديه يتجسسان عليه، بأن يدخلا عليه غرفته دون استئذان، وأن يتفحصا الأوراق التي يدارسها للتأكد من أنه فعلاً يدرس! يؤكد لديه أنه ليس محل ثقة والديه، ويفقده ثقته في نفسه؛ فثقة الابن في والديه لا تعني فقط ثقته فيما يصدر عنهما، بل الأهم أنه عندما يُخطئ وهو بعيد عنهما يأتي يرتمي في أحضانهما يعترف بخطئه طالباً عونهما كيف يعالج خطأه، لا أن يسعى لإخفاء الخطأ بخطأ أفدح، خوفاً من عقابهما.

 لذا لا بد من الحذر فيما يصدر عن الوالدين أمام الأبناء، ولا حرج البتة أن يقول الأب إذا ما سُئل: لا أعرف، دعني أبحث، أما أن يعتبر نفسه «مستر جوجل»! ثم يكتشف الابن جهله أو كذبه فهذه كارثة.

5- المصاحبة:

من خلال المصاحبة بالكيفية التي تتناسب وإدراكات الأبناء سواء أكانت من خلال المشاركة باللعب أم بحوار حول كتاب، يتم بث مشاعر الحب والتقدير وبناء جسور الثقة، أما الانشغال فيولد فجوة وجدانية حيث تكون الصورة الذهنية عن الوالدين مجرد إلقاء الأوامر والتعليمات والعقاب على مخالفتها.

6- الأوامر والعقاب:

إن مجرد إلقاء الأوامر وربطها بالعقاب لا يربي، هو فقط قد يضبط سلوك الأبناء، إن التربية تقوم على بناء القناعات بمنظومة القيم التي تتراكم من خلال تناسق المواقف التربوية، على الوالدين ليس فقط أن يتفهما نفسية أبنائهما، وما القناعة المناسبة للقيمة المراد غرسها في وجدان كل منهم، يجب أن يحسنا توظيف «سيمفونية» القناعات التي تتضمن الدينية والعقلية والوجدانية والمصلحية والبيئية والجماعة (الانتماء)، فمثلاً الدراسة تنبع من قيمة الاعتزاز بالذات:

القناعة الدينية: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعُكَ، واستِعِن باللَّهِ ولا تعجِزْ».

القناعة العقلية: استنطاق الابن وليس تلقينه عن العوائد التي تعود عليه من الدراسة في الحال والمآل، مع عرض أمثلة من العائلة لمن اجتهد ومن كسل في دراسته كيف أصبحوا.

القناعة الوجدانية: من الخطأ الحب المشروط عندما نقول: أحبك إذا ذاكرت، ولكن يجب القول: إننا نحبك ولأننا نحبك نرجو أن تكون... وكذلك نقول: ألست تحبنا؟ وتريد إسعادنا بأن نرى ابننا الحبيب يستلم شهادة تفوقه.

القناعة المصلحية: نعتمد هنا على تحفيز الأبناء بما يحبون، أو حرمانهم مما يفضلون.

القناعة البيئية: عندما يجد الأبناء أن البيئة ليست فقط نموذجاً لتطبيق وممارسة القيمة التربوية المراد التزامهم بها، بل يجدونها بيئة مشجعة ومعاونة أيضاً، فإنها تولد لديهم قناعة الاتساق معها.

كما يجب التركيز على توظيف كل القناعات؛ لأنها تتكامل فيما بينها لتكوين قوة دافعة نحو تحقيق القيمة التربوية المرادة، أيضاً يجب التنويه على أنه رغم قيمة وأهمية القناعة الدينية وأهمية المراقبة الذاتية لدى الأبناء، فإن حسن استغلال وتوجيه القناعة الوجدانية قد يكون أكثر استجابة خاصة لدى الصغار؛ (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {31}) (آل عمران).

الآثار:

إن لم يتم فوراً تعديل شامل لطريقة التعامل مع المجني عليه ابنك من الجناة والده في المقام الأول وأنت! فنسأل الله العفو والعافية له وأبناء المسلمين أجمعين، فالأخطار تتعدى مسألة نجاحه أو رسوبه، بناء على الفجوة النفسية التي حفرتموها بينكما وابنكما التي أدت إلى الانكفاء على ذاته ومحاولة تعويض فقدانه في بيئة حاضنة تغذي وجدانه ويجد فيها الأمان النفسي الذي يحتاجه كل منا، فكان الشارع بكل ما به! لذا فالآتي أخطر بل كارثي، مهلاً لا تصرخي، فالوقت وقت الجد، وبمشيئة الله يمكنكما إصلاح ما أفسدتماه.

الحل:

أولاً: يجب القناعة أنكما الجانيان والابن مجني عليه.

ثانياً: تناسي موضوع الدراسة حالياً.

ثالثاً: أخطاء أكثر من عقد ونصف عقد من الزمان لا يتم علاجها بجلسة نصائح، بل بتغيير منهجية حياة، وهذا يتطلب صبراً ومثابرة وإصراراً بعد الإخلاص لله، وهذا يتطلب وقتاً.

تنقسم خطة العلاج إلى ثلاث مراحل:

مرحلة استعادة الابن:

التوقف كلية عن النصح والأوامر، وبيان أن طريقة المعاملة معه لم تكن مناسبة، والتودد إليه والتعبير عن حبكما له وقيمته هو ذاته وليس لحصوله على شهادة، وقد يتم ذلك من خلال:

الخروج عدة مرات بصحبة الوالد فقط، والحرص على الاستماع منه، والحديث عن شيء يفضله وليكن الكرة مثلاً، وكذلك محاولة الوالدة التقرب منه والحديث معه، منحه هدية محببة له، ترتيب رحلة عمرة لو أمكن، عدم منعه من الخروج لأصحابه لكن عرض البديل عنهم مثل نزهة عائلية أو متابعة عائلية لفيلم أو مسرحية هادفة أو مباراة شطرنج مع الوالد.. تنتهي هذه المرحلة عندما يفضل الابن صحبة العائلة على أصدقائه، ويشعر بالأنس في رحاب والديه.

مرحلة استشراف الغد:

بعد تمكن الوالدين من استعادة الابن وشعوره بالدفء العائلي - بفضل الله - يمكن مناقشة الغد، وهنا يجب التأكيد على استنطاقه وعدم تلقينه، بمعنى الكلام عن الغد وماذا يرى نفسه؟ وهل هذا ما يتمناه؟ ثم كيف تحقيق أمنياته وتحولها إلى حقيقة تسعدك وتسعدنا؟ وكيف يمكننا أن نساعدك لتحقيق آمالك؟ لا يتم ذلك من خلال جلسة واحدة، ولكن عبر عدة جلسات تبدو وكأنها عفوية وليست جلسات استماع وتقييم، ولكن لقاءات ينطلق فيها الابن بما يجيش في نفسه.

مرحلة البناء:

بعد هذه الجلسات الحوارية، سيتساءل الابن: ماذا بعد؟ هنا تأتي ثمرة هذه الرحلة المضنية للوالدين حيث يتم استخلاص نتائج الجلسات الحوارية، ويتم مساعدة الابن على صياغة مستقبله ورسم طريقه بكل ثقة، وهو الذي يحدد ماذا يريد وكيف يحدده بناء على قناعته بقيمة نفسه وكيف يحقق ذاته، بمشيئة الله سينكب على دراسته معوضاً ما فاته، حتى ولو كان الثمن عاماً دراسياً لا يهم، المهم بناء الإنسان الذي بفضل الله يحقق النجاح.

 

يمكنك إرسال استشارتك على أحد العنوانين البريدين التاليين:

info@mugtama.com

y3thman1@hotmail.com

عدد المشاهدات 2321