طباعة

    كيف تصنعين خيال صغيرك؟

13:39 06 مايو 2017 الكاتب :   أ. منى مصطفى

"إني أكره ربنا!".. كلمةٌ مفزعةٌ واللهِ، خفَقَ لها قلبي عند سماعها، واستحوذ عليَّ الصمتُ والعجبُ، بل خِفتُ من الاسترسال في الحديث خشيةَ أن نُصعق بها! ولكنني تابعتُ حوارهم في صمت، فعلِمت سرَّ هذه الكارثة التي ترسَّخت في الذهن منذ الصغر، ثم أخذت جهدًا جهيدًا لإحلال الحبِّ في نفس قائلها مكانَ الكُره؛ سرُّ هذه الكلمة أن الأم كانت تعمد للترهيب فقط دون الترغيب، وكلما أتى صغيرُها بسلوك لا يعجبها قالت: "لا تفعل؛ لأن ربَّنا سيُحرقك بالنار!"، أيُّ تألهٍ على الله هذا؟! لا أعلم! فتربَّى في خيال الطفل ووجدانه صورةٌ قاسية لله، جلَّ وتعالى عما يصفون.

نجد الأم هنا صنَعت خيالًا مشوهًا لدى الطفل، فكلما ذُكر الله سبحانه استدعى ذهنُه النارَ، وبقي الأمرانِ متلازمينِ حتى تخلَّص من رقِّ هذا الخيال الفاسد، وعَلِم أن رحمتَه سبقتْ عذابَه، وأن رحمته وَسِعَتْ كلَّ شيء.

أنا شخصيًّا بقيتُ فترةً طويلةً أخافُ بشدة من السُّحبِ الضخمة حين الرعد، وربطتُ بينها وبين ما سمعتُه من تفسيرٍ لسبب الرعد وقتَها، حيث كانت جدتي تقول لنا عن الرعد: "إنه صُراخ أهل النار"، فأنظرُ للسماء لأبحثَ عن دليل ملموس على هذا الصوت، فلا أجدُ غيرَ السحب، فأتخيل كبيرَها جُثثَهم، وصغيرَها لحومَهم تتساقط!

فالطفلُ إدراكه محدود، ويؤمِن بالمحسوسات أكثرَ من المعنويات، فاحرصي على صنع الخيال الإيجابيِّ الذي ييسر عليه فهم الأمور لاحقًا على حقِّيَّتِها، وتجنَّبي صنع الخيال السلبي لديه؛ لأنه يُولِّدُ عنفًا لا إراديًّا في سلوكه ليواجِه به الخوفَ الذي يتولد بداخله، واربطي دومًا بين العنف غير المبرَّر لدى الطفلِ وبين خيالِه كيف تكوَّن وما مصدره!

اسردي قصصًا له بنفسك، دون صور ولا مرئيات؛ حتى ينمو خياله، ويصنع صورًا جديدة تقرِّب إليه المعانيَ والمشاعر لاحقًا، وغَيِّرِي مجرَى القصة بحسب الهدف المراد منها، واهتمِّي بالموازنة دومًا بين مشاعر الخوف ومشاعر الرضا والسعادة، واجعلي للأخيرة النصيبَ الأكبر؛ لأن المرئياتِ وحدَها هي خيالُ المُخرِج والكاتب، فتحصر خيال الطفل وتقلِّل نموَّه.

اربطيه بالطبيعة قدر المستطاع كما خلَقها الله، لا كما رسمها مهندس أفلام الكرتون، وإن تعثَّر ذلك في الواقع، فليكن من خلال أفلام الغابات والصحاري وغيرها؛ حتى يرسمَ خياله ما يستمع إليه منك كما خلقه الله، وأثناء السرد اهتمِّي بالتفاصيل كالأصوات مثلًا، والبراعم والأوراق المتساقطة، والمطر، ولون الحيوان، والرمال والجبال...!

واتَّخذِي ذلك كلَّه مدخلًا لترسيخ العقيدة، ففي كل قصة اجعلي لها عنوانًا يرمي لهدفها؛ مثلًا (حبات الرمال أو قطرات المطر...)؛ لأن الله يعلم كلَّ شيء حتى عدد حبات الرمال وقطرات المطر، تربطين له بين الحبَّة التي سقَطت في غابة أو صحراء ولم ينتبه لها أحدٌ: كيف أرسل الله لها قطرةً أنبتتها، وورقة تحلَّلت وسمدت تربتها، ثم كيف جاء الكائن الحيُّ المتعب فوجدها نضجَتْ فأكَلَها؛ لأنها رزقُه المضروب له قبل ميلاده... وهكذا، حديثُك محدَّدٌ بغايات ووسائلَ، واحرصِي على المَرح، المرح وحدَه ما سيجعل الطفلَ يشتاق للقصة مرات ومرات، واسمحِي بالأسئلة والمقاطعات، ولا مانعَ من الاستعانة بورقةٍ وقلم لتسجيل ما سيقوله طفلُك، ومراجعته، ووضع استفساراته في محاورَ قصصية لاحقة، واجعلي لجلسة القصص هذه هَيْبَةً وحضورًا؛ كأنْ تربطيها بحلوى معيَّنة؛ تمييزًا لها وترغيبًا فيها، ثم اجعلي الجلسة نفسها مكافأة لهم بعد سلوك طيِّب قاموا به، وهكذا.

يَحسُن كذلك أن تجعلي لخياله قدوةً منذ الصغر، كما ستجعلين لعقله قدوة لاحقًا في مرحلة المراهقة؛ لأن في الصغر يكون الخيال خصبٌ لم تتراكم فيه الصور بعد، فمثلًا كان مؤدِّبُ محمدٍ الفاتح يقف به على الشاطئ؛ ليرى أضواء القُسطنطينية من بعيد، ثم يقول له:

"لقد بشَّر رسولُنا بأنَّ فاتحَ هذه المدينة اسمه "محمد" على اسمِك، وجيشه سيكون خيرَ الجيوشِ في زمانه، وإني لأرجو أن تكون أنت هذا الفاتحَ!".

فَنَمَا في خيالِ محمدٍ الفاتح رضي الله عنه أنه هو ذاك المقصود بالبشارة، برع في الفروسية، وحفِظ القرآن والحديث في زمن قياسي، وترك له والده السلطان مراد زعامةَ الدولة وهو في الرابعة عشرة من عمره، وحياته معروفة!

ويجدر بالوالدين منذ البداية عند اختيار اسمِ مولودهما أن يكونَ الاسمُ نفسه حاملًا معنى مرجوًّا أو قدوةً، ومع بداية إدراكِه للمعاني والسرد يقصَّانِ عليه قصةَ اسمِه وسبب اختياره، بما يربِّي لديه الاعتزازَ بنفسه، الذي سيولِّد فيه القدرةَ لاحقًا على فعل الأشياء قدوةً بشبيهه، ويغرس في نفسه هدفًا يمكن تحقيقُه أو تطويره.

اعلما أنكما وُكِّلْتُما من الله بالنقش في هذا العقل، والرسم على جدران هذه النفس، فلا تخُطَّا إلا ما يسرُّكما رؤيةُ آثاره في الدنيا والآخرة!

وليكن شعاركما معه كما قال هارون الرشيد لمؤدِّب ابنه: "ولا تَمُرَّنَّ بك ساعةٌ إلا وأنت مغتنمٌ فائدةً تفيده إياها، من غير أن تحزنَه فتُمِيتَ ذهنَه، ولا تُمْعِنْ في مسامحته، فيستحلي الفراغ ويألفَه، وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإنْ أباهما فعليك بالشدة والغلظة".

بالطبع لا يخفى عليكم أنَّ اللينَ والغلظةَ لا بد من أن يتناسبا مع المرحلة العمرية، وليس شرطًا أن تكون الغلظة عقابًا بدنيًّا، فهو آخِرُ ما يمكن استخدامه، وفيما بعد العاشرة، ليس قبلها بأي حال من الأحوال كما نبَّه لذلك سيدنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "علِّموهم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

ملاحظة

ردًّا على بعض الأمهات اللائي شَكَوْنَ من أنهنَّ لا يَجدْن وقتًا لأولادهن لتنفيذ هذا الجهد الذهنيِّ والبدنيِّ، أقول: الْزَمِي هذا المنهجَ (أنت أم ومربية، لا خادمة)، حاولي التوفيق، وإن تعارَض، فعملُ البيت يؤجَّل منه غيرُ الضروري، وتُقدَّم أمور التربية عليه، ثم خَصِّصِي يومًا كاملًا لجبرِ كلِّ المؤجَّلِ، فأنْ تُهملي أمورَ التربية يومًا لا بأس، أما أن تُهملي العقلَ لأجل البطنِ، فليس في ذلك عقلٌ!

والأمر لا يحتاج منك أكثر من الإصرار وتنظيم الوقت لا غير، وتحديد مهام الأبوين في عملية التربية، فالقادر يتصدر، هو غرسكم؛ ابذُلا فيه جهدَكم بشكل موجه صحيح، تَجِدا ثمرةً ناضجة إن شاء الله!

حفظ الله أبناء المسلمين، وجعلهم ممن يستعملهم ولا يستبدل بهم.

المصدر: "الألوكة".

عدد المشاهدات 1045

موضوعات ذات صلة