خريف العمر.. وتفتُّح الزهور الذابلة

12:45 17 مايو 2017 الكاتب :   أ.د. يحيى عثمان(*)

 

- بعد أن أضحت النهاية على مرمى البصر فجأة تدب الحياة بالسفينة ويصبح الغروب شروقاً

- بسبب خلاف والدي مع عمي صديق عمره سرعان ما تلبدت الغيوم واكفهرت العلاقة

- للأسف تحت سطوة والدي واستجداء أمي قررتُ ألا أصدم أبي وأعرّضه للخطر ووجدتني أهرب

- فاجأتني بسؤالها: ألم يكفِ زوجتك أنها استقطعت من عمرنا كل هذه السنين؟

- عليك محاولة إقناع زوجتك وإن أصرت فعليك الاعتذار مرة أخرى لمحبوبتك والصبر على ذلك

 

بعد أن دنت السفينة من المرفأ وقد أنهكتها الأمواج، وأضحت النهاية على مرمى البصر، وبدت ملامح الميناء الوحيد الذي تأوي إليه كل السفن صغيرها وكبيرها، رمى القبطان المقلاع وخلد مستلقياً يراقب غروب شمس النهاية، ويرى الثواني الباقية تجري به مسرعة منهية رحلته، وهيأ نفسه ورتب أموره على المغادرة وحركة المد والجزر تقربه وتبعده ولا يعلم متى تلقي به، ويدعو الله ألا تتهالك السفينة حتى توصله إلى الشاطئ، وقد بدا شاحباً منهك القوى بعد الصراع مع باقي السفن على الأسماك، وها قد ملأ الثلاجات وأدرك أنه سيتركها فرداً ويأمل أن البحارة يحسنون تجارتها ولا يتنازعونها.

ينظر إلى السماء وقد تلبدت بالغيوم القاتمة، وهو يتأرجح بين الأمل أن يجد ما حلم به في إقامة مستديمة تعوضه معاناته، وخوفه من أنه قد ضل الطريق وتقذفه الأمواج على صخور مهلكة.

وفجأة إذ برياح تطير به ويستيقظ من غفوته وفي لمح البصر يجد السفينة وقد دبت بها حياة جديدة وأضحى الغروب شروقاً، وتباعد المرفأ الموعود، وبعد أن كان قاب قوسين أو أدنى أصبح احتمالاً بعيداً! فالسفينة يمكنها أن تخوض عباب البحار وقد أشرقت الشمس، والرياح مواتية طيبة وعبق الحياة ونسيم الأمل يشيع البهجة في كيان القبطان.. ثم! ثم ماذا؟ دوامة وأعاصير وصراع في رأس القبطان، أيعود للمرفأ ويقنع بنهاية هادئة ويركن إلى حالة الاستقرار الأسري كما تراها زوجته وتحمد الله عليها، أو التيبس الوجداني كما يحب هو أن يصف حالته عند مزحه مع أصدقائه؟

أخي الكريم، أنا أستاذ جامعي في نهاية العقد السادس من عمري، متزوج من سيدة فاضلة، ووهبنا الله أربعة من الأبناء، وفقنا الله وتزوج ثلاثة منهم، والرابعة ما زالت طالبة في نهائي طب، ووهبنا الله بثلاثة أحفاد، ولله الحمد حياتنا مستقرة، عادة زوجتي مشغولة بأمور الأبناء والأحفاد، وأنا مشغول بأبحاثي، ونتعايش مع المرحلة العمرية بكل الرضا والإعذار، تبذل زوجتي وتستغل المناسبات والذكريات الجميلة بيننا لإشاعة جو من التجديد وأقدر لها ذلك، وأنا أيضاً من جانبي رغم مسؤولياتي العلمية خاصة تجاه طلاب الدراسات العليا عادة ما أبذل في دفع مسيرة علاقتنا.. إلا أن للزمن آثاره.

اللحظة الفارقة

منذ ثلاثة أشهر تقريباً اتفقنا على أن نقضي عطلة الأسبوع في أحد المنتجعات، وفي الصباح كانت زوجتي مجهدة وفضلتْ أن ترتاح بالغرفة، ونزلت بمفردي لتناول الإفطار، وفجأة سمعت صوتها! وسكن كل شيء وأطرقت السمع لعلي أعي ما سمعت، نعم إنه صوتها! ورفعت عيني متجهاً لمصدر الصوت ورأيتها، لا يمكن أن تكذب أذني وعيني.. نعم إنها دانة! ونظرت إليَّ وتوقف الزمن دهراً، كانت بجانب شاب وفتاة في منتصف العشرينيات، ثم سرعان ما تداركت الموقف واستمرت في حديثها معهما، وأنا لا أصدق وقد رجع الزمن بي أكثر من أربعة عقود مرت عليَّ قروناً بل دهوراً، ورأيتني وأنا في المرحلة الثانوية، وكانت دانة في المتوسطة، وكم كنت أختلس النظر إليها ونحن نخرج صباح كل يوم مع الفريج للمدرسة، وفاتحت أمي وقد تعلق قلبي بها، ووعدتني إن تفوقت ستكلم والدتها، وفعلاً تفوقت ولم تحنث أمي، وفاتحت والدي أولاً ولم يمانع من أن تتحدث مع والدتها، ونظراً لأن والدينا شريكان في عدة شركات وتجمعهما أواصر الصداقة منذ الصبا، فقد رحبت والدتها ووعدت خيراً، وفعلاً تم في حفل اقتصر على العائلتين قراءة «الفاتحة»، بعد أن اشترط والدها عدم الإعلان الرسمي قبل حصولها على الثانوية، وأكون أنا في نهائي المرحلة الجامعية.

عشنا أجمل الأحلام، ووافق الأهل على أن أساعدها في دراستها، وتوطدت علاقتنا معاً، وحفزني ذلك في دراستي، وحصلت دانة على الثانوية، وتخرجت أنا بامتياز، وأعلنت الخطبة، وعمت الفرحة حياتنا.

وكانت الصدمة! خلاف والدي مع عمي صديق عمره، وسرعان ما تلبدت الغيوم واكفهرت العلاقة بينهما، دخل عمي على إثر ذلك المستشفى، وظل عدة أيام بالعناية المركزة، وطبعاً كنت أزوره يومياً، وكانت من أوائل كلماته بعد أن استقرت حالته هو سؤاله عن والدي، وكيف لم يعاوده؟ وكان واضحاً أن والدي كان قد قرر القطيعة ولجأ إلى القضاء، وطمأنني عمي قائلاً: خلافي مع والدك بسيط وسيحل بمشيئة الله، ولن يؤثر على علاقتك بدانة، ولكن والدي صعقني بأن قرر أن أنهي علاقتي بدانة، وأن عليَّ أن أغادر الديرة لاستكمال دراستي في الخارج ولا أنتظر منحة الجامعة، والدي رحمة الله عليه كان شديداً صارماً، من جيل يرى مناقشة الابن عقوقاً، هرعت إلى أمي ووجدتها قد تخلت عني، وكان جوابها والدك أدرى بمصلحتك، وكيف ترتبط بمن هو على خلاف معه؟ وحذرتني من مجرد محاولة إقناعه حتى لا يؤثر ذلك على صحته.

للأسف وجدتني تحت سطوة والدي واستجداء أمي ألا أصدم أبي وأعرضه للخطر، وجدتني أهرب - أو هكذا أوهمت نفسي – إلى أمريكا لأستكمل دراستي العليا، ظل حب دانة معي وانطويت على نفسي وكنت أهرب منها إلى دراستي، وفعلاً حصلت على درجة الماجستير والدكتوراه بتفوق في وقت قياسي، ورغم انقطاع أخبار حبيبتي منذ هروبي منها، فإنها ظلت تعيش داخلي، عدت وعُينت مدرساً بالجامعة، وعلمت أن والد دانة قد باع بيته وغادر بعد تصاعد القضايا مع والدي.

مع إلحاح والدتي تزوجت وسارت بي السنون، مرت بي قصتي ودانة وكأنني أحياها مجدداً، استيقظت من غفوتي على صوت  الشاب: «سلام ماما»، وأخذ بيد الفتاة وغادر المطعم، وكان اللقاء، ظللنا فترة من الوقت، لا نعلم، فقط ننظر في عيوننا منها العتاب ومني الاعتذار، حكت وبكت كم تألمت وكم انتظرت وكم وكم.. ثم تزوجت وأنجبت ابنها الوحيد، ثم لم تستطع الاستمرار وانفصلت، وها هي تزوّج ابنها، وأتت لتطمئن عليه وعلى عروسه، تعيش وحيدة مع والدتها المسنة.

تواعدنا على اللقاء بل على الحياة! نعم أجدني وقد تلاشت العقود الأربعة التي سرقت من عمري بعيداً عنها، أليس من حقها عليَّ أن أعوضها وأكفّر عن خذلاني لها وهروبي وعدم الوفاء بعهدي لها؟ وقبل كل ذلك أنا، نعم أنا، قد أبدو أنا الجاني وقد جنيت على نفسي أولاً أن هذا القلب الذي كنت أتهيأ لأشيعه إلى مثواه الأخير إذا به ينتفض ينبض بالحياة، وجسدي الذي كنت أحرص على الرفق به، إذ به يمتلئ بالطاقة أريد أن أركض لا.. لا.. أريد بل أنا فعلاً أطير! كم أنت أيها الحب سحر، لا تحزني يا محبوبتي سأعوضك عن كل ثانية تألمتها من أجلي! ياه كم كانت هذه السنون متعبة مرهقة ثقيلة، لا بل لم تكن وفعلاً كدت أصدق حقاً!

تقابلنا عدة مرات، وحلقنا واختزلنا السنين، ونسينا وتناسينا آثارها، وعدنا نفكر كيف نستعيد ما ضاع منا، وتغيرت كل حياتي فلم أعد بحاجة إلى الدواء حقاً، تركته وانتظمت في الجيم، وانطلق شاب العشرين من داخلي، ولكن وعلى حين غرة مساء أحد الأيام وأنا أتهيأ لمقابلة محبوبتي رأيتني في المرآة، وكانت المفاجأة.. من هذا؟ أهو حقاً أنا؟! ما هذا؟ شيب وتجاعيد بالوجه، وما هي إلا لحظات ودخلت زوجتي.. من هذه؟ نعم إني أعرفها وبادرتني وكأنها تتعمد إيقاظي من حلمي الجميل: «حبيبي، هل أطمأننت على محمود كان سخناً؟»، وجلست وأنا لا أعلم حقاً من أنا؟ هرعت بالهروب وتقابلنا، ولكن كنت أحمل فوق رأسي هم العقود الأربعة، وأدركت أن المشكلة ليست فيما فعلته السنون من شيب أو تجاعيد ووهن، بل فيما فعلته أنا.

لقد بنيت بفضل الله صرحاً عائلياً جميلاً، ومكانة اجتماعية مرموقة، كيف أواجه كل ذلك؟ وأدركت دانة تغيري، وفاجأتني بسؤالها: ألم تكتفِ زوجتك؟ إنها استقطعت من عمرنا كل هذه السنين، أنا لن أشترط طلاقها، ولكنني سأكون كريمة وأقبل أن تشاركني فيك، ولكن عليها أن تعلم جيداً أنني أنا صاحبة الحق بك، لقد انتظرتك كثيراً، ثم خضعت لضغوط أبي وتزوجت وفشلت بإرادتي ولم ينل زوجي مني غير جسد فارغ من الروح، وحتى يطلق سراحي تنازلت له عن كل شيء، وعشت على ذكراك، وحاولت الاهتمام بابني، وهو والحمد لله أصبح رجلاً وتزوج، وفاتحته في موضوع زواجنا ورغم اعتراضه النفسي فإنه وافق، كل ذلك وتأتيني اليوم..

رددت متلعثماً: أتيتك بماذا؟ قامت قائلة: لن أجبرك على شيء، لقد فاجأتني، كنت منتظرة منك أن تكلمني في الإسراع بتحديد موعد زفافنا معتذراً عن تخليك عني ولكن! ولكن ماذا؟ لا شيء تليفوني معك، ولكن لن أنتظر هذه المرة كثيراً، وانطلقت.

قررت أن أفاتح زوجتي، ولكنها بادرتني كالصاعقة: واضح أن الحب القديم قد عاد! لقد أخبرتني إحدى صديقاتي في بداية زواجنا وهي صديقة أيضاً لمحبوبتك بقصتكما وتجاهلتُ ذلك، واعتبرته عبث مراهقة، ولكنني أدركت مدى غبائي عندما شاء الله أن أفقد تليفوني واضطررت أن أبحث عن أرقام بعض الأقارب في تليفونك، وكم صُدمت في الأستاذ مربي الأجيال وقد راح يلملم بقايا ماض وشعث مراهقة وينسى قصة كفاحي معه حتى أصبح هذا الأستاذ والعالم الكبير، انسَ أنك زوج؛ لأنك حقاً نسيت، ولكن كيف تنسى أنك أب وجد، ماذا ستقول لهم؟ ماذا سيقول طلابك؟ أستاذنا الهرم اشتعل رأسه شيباً أم حباً، كم كنت فرحة بجو التفاؤل والانطلاق الذي رأيت وأحسسته منك حتى في علاقتنا، ولكنني أدركت بأنه محاولة تعويض أو إلهائي.

بادرتها، زوجتي وحبيبتي وأم أولادي وجدة أحفادي، ولكن هل لك أن تتفهمي مشاعري وتدركي إحساسي بشيء من العقل؟ لقد أحببتها ووعدتها ثم تخليت عنها، ثم شاء الله ونلتقي، هل لك أن تسعدي قلب مسلمة؟ هل لك أن تتصدقي عليها؟ عندما يكون لديّ فضل، وفيما يمكنني أن أجود به، حبيبتي ماذا يضيرك؟ أقسم لك أنه لن يحدث أي تغير في حياتنا، بل سأزداد شوقاً بك ولأعوضك أي ألم نفسي قد تشعرين به؟ هي متفهمة ولن تطلبني بالعدل فهي تنازلت عن حق المبيت، وهي قد ورثت من والدها الكثير فليس لها أي أطماع مالية، ومستعد أن أكتب لك كل ثروتي! انهارت باكية وانتابتها موجة من الصراخ الهستيري: إلى هذا الحد تحبها؟ أأحببتني حقاً أم كنت تمثل عليّ، للأسف أنا أحبك ولن أستطيع أن تشاركني فيك، عليك أن تختار والآن، قلت لها: صدقيني لو سأختار بينكما فلن أفكر طبعاً أنت، ولكنني أستسمحك ونحن لدينا بنتان، وأخاف أن ينكسر قلب إحداهما، بادرت: إن ما تفكر فيه هو الذي سيكسر قلب البنتين والأولاد بل والأحفاد، أنهت الحديث محذرة أنها ستبلغ الأولاد إن لم أنهِ الموضوع.

هل لي أن أتزوجها عرفياً دون علم زوجتي؟

(الأستاذ المحتار)

التحليل:

في البداية لا يمكن إغفال أثر التراكم السلبي الموروث حول الزواج الثاني، والذي للأسف يراه عدم وفاء للزوجة الأولى أو تقليلاً من شأنها، حيث عادة ما يبرر الرجل زواجه الثاني بالتقليل من أنوثة زوجته أو سوء عشرتها، ناهيك عن الميل عادة للزوجة الثانية والظلم على الأقل المعنوي للأولى وعادة ما يلحقه حيف مادي، كل ذلك أثر على تقييم الزواج الثاني ومن ثم كيفية التعامل معه.

كذلك، من المهم تفهم وجهة نظر ومشاعر كل طرف:

الزوجة: ليس فقط من منطلق الحب، بل ولكن أيضاً المنظومة العائلية الناجحة التي شاركت في بنائها، فمن حقها بل ومن واجبها أن تحافظ عليها وعلى مشاعر كل طرف فيها وصورتها الذهنية لدى الآخر، ويزداد الأمر تعقيداً أنه ليس للزوج أي مبرر غير تأجيج حب فات ومات وانتهى، وكانت الأمور على خير ما يرام.. إذن لماذا البطر؟

وفي المقابل، فإن الحبيبة التي فقدت حبيبها دون إرادتها رغم كل محاولاتها، ها هي تبتسم لها الدنيا بعد عبوسها وتجمعها مع حبيبها فكيف يضيع منها؟ إنها لا تريد شيئاً غير حبه، وتتنازل عن كل حقوقها، فقط إحساسها به كزوج.

الزوج: واضح حجم الحب الذي نشأ عليه ونما معه فترة بلوغه حتى تخرجه في الجامعة ثم خضوعه - غير المبرر – لتسلط والده، وإحساسه أنه هو الذي حنث بوعده، وظل إحساسه بحبه دفيناً، إلى أن شاء الله ولقيه واستعاد معه مشاعره القديمة، فهو ليس فقط مجرد إصلاح خطأ ارتكبه، ولكن هو إعادة الحياة لحب وأده والده، وهو لن يكلفه هدم بيته أو ظلم زوجه، فقط استقطاع بعض الوقت، وهو كثيراً ما يمكث بالجامعة أو في صومعته العلمية بين كتبه وأبحاثه وقد لا يرى زوجه إلا على الطعام، وعادة هي تنام بعد صلاة العشاء وهو مستمر في قراءاته حتى منتصف الليل، فلن تفقد حقيقة، ولكنها الغيرة العمياء وأثرة النفس وحب التملك والسيطرة، هو يحب زوجته ويقدرها، كما يحب أبناءه وأزواجهم وأحفاده، ولكنه أيضاً يعشق دانة، والتي ملأت فعلاً حياته في أولها وها هي تبعث فيها الحياة بعد أن شاخت وتيبست.

الحل:

بداية؛ أحذّر الأخ الكريم من الزواج بهذه الطريقة، فهو ليس نكرة، فسرعان ما ستعرف زوجته، ولا يليق به ولا عائلته أن يضع نفسه في هذا الموقف غير المناسب كلية.

رغم كل تقديري لمشاعر الجميع، فإنني أرى أن عليه أن يحاول أن يقنع زوجته، وإن أصرت فعليه الاعتذار مرة أخرى لمحبوبته والصبر عسى أن يفرج الله كربته.

 

(*) يمكنك إرسال استشارتك على أحد العنوانين البريدين التاليين:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عدد المشاهدات 718

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top