كيف أتخذ قراري بشأن شريك حياتي؟ (1 - 3)

12:42 10 يوليو 2017 الكاتب :   بقلم: أ.د. يحيى عثمان

 

ـنعمة الزوج الصالح للزوجة المسلمة أكثر من نعمة الزوجة الصالحة للزوج المسلم

ـ السلوكيات الزوجية تكون واضحة خلال الخطبة بنسبة 75 ٪ وترتفع إلى 90 ٪ بعد عقد الزواج

ـ هناك سمات جوهرية تؤثر في أنماط السلوك الإنساني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة

أستاذي الكريم..

أنا فتاة تقدم لخطبتي شاب فاعتذرت رغم موافقة والديّ، وتكرر ذلك عدة مرات مع آخرين غيره، وحالياً أنا في حيرة من أمري؛ فالشاب المتقدم حالياً أقل ممن رفضتهم، وتحسرت على عدم موافقتي على أحدهم، ورغم قناعتي بأن الشاب المتقدم لي لا يناسبني فإنني أخشى ألا يأتي من هو أفضل منه.

أجدني - وتشاركني في ذلك معظم رفيقاتي - مشتتة ولا أستطيع اتخاذ قراري بشأن شريك حياتي.

الإجابة:

قرار اختيار شريك الحياة من أهم وأخطر القرارات التي يتخذها المسلم في حياته؛ لأهمية هذه العلاقة المقدسة وآثارها عليه، سواء في حياته أو آخرته، وقد وصفها الله بالميثاق الغليظ، وورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله»(1).

وقد أشار علماؤنا إلى أن هذه النعمة أيضاً تعم المرأة المسلمة، ولعل نعمة الزوج الصالح على الزوجة المسلمة أكثر من نعمة الزوجة الصالحة للزوج المسلم؛ لأنه إذا ما ابتلي الزوج المسلم بزوجة غير صالحة أو غير مناسبة فله حق الطلاق، وأن يتزوج بأخرى، أما الزوجة فهي محبوسة على زوجها، ولها حق الخلع أو طلب الطلاق للضرر رغم ما في ذلك من مشقة على المرأة، وضرر المرأة بفشل زواجها أكثر من الضرر الذي يصيب الرجل.

يجب التأكيد على أنه لا يمكن قبول الخاطب لأننا لا نتوقع أن يتقدم من هو أفضل منه، أو أن نرفضه لأننا نتوقع أن يتقدم من هو أفضل منه، إن القرار يعتمد على مدى كفاءة ومناسبة الخاطب لنا، ويعتمد ذلك على معايير سنتناولها إن شاء الله على ثلاث حلقات.

إن كثيراً من السلوكيات الزوجية تكون واضحة خلال فترة الخطبة بنسبة نحو 75%، وترتفع إلى 90% بعد عقد الزواج، ولكنها الغفلة والتغافل؛ مما يجعلنا نغض الطرف عن سلوكيات نفقد بسببها السعادة الزوجية، وقد تقودنا إلى المحاكم كي نحصل على الانفصال؛ لذا فالوعي والموضوعية مع الدعاء والله سبحانه ولي التوفيق.

سنتناول منهجية اختيار شريك الحياة من خلال ثلاثة محاور؛ هي:

أولاً: مفاهيم أساسية تساعد في ترشيد عملية الاختبار.

ثانياً: العوامل المؤثرة في الاختيار.

ثالثاً: كيفية اختيار شريك العمر.

دون الإخلال بالضوابط الشرعية يجب أن يحرص ولي الفتاة على توفير فرص التعارف بين الخطيبين، كما يجب أن يحرص كلا الخطيبين على استغلال فترات اللقاء لعرض سماته بكل شفافية دون أي قدر من التجمل، وكذلك جمع المعلومات عن الطرف الآخر، ويتم التعرف إلى ذلك من خلال الأحاديث العامة، وكذلك من خلال ما قد يظهر من اختلافات في وجهات النظر والتعرف إلى كيفية رد فعله تجاه ذلك سواء من خلال طريقة التناول من حيث الألفاظ وطبيعة الانفعال هل هي هجومية أم انسحابية أم توافقية.

أولاً: مفاهيم أساسية تساعد في ترشيد عملية الاختبار:

1- الإخلاص:

رغم قيمة وأهمية الدوافع الحيوية والنفسية للزواج، وأنها استجابة لتلبية الفطرة الإنسانية، فإن هذا لا يتعارض مطلقاً مع أن يبتغي المسلم مرضاة الله والمثوبة من الزواج، بأن ينوي إحصان نفسه وزوجه، وأن يهبه الله الذرية؛ فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «.. وفي بضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»(2).

2- الاهتمام الأكبر بالسمات الأساسية:

هناك سمات جوهرية تؤثر تأثيراً كبيراً في أنماط السلوك الإنساني، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؛ حيث إنها عادة ما تحكم الإطار العام لطريقة التفاعل مع الحياة، بل تحدد الكيفية التي يتأثر بها الإنسان بالسمات المتغيرة؛ لذا فمن المهم معرفة ماهية السمات الأساسية الجوهرية التي تؤثر في شريك حياتنا المرتقب، وإعطاؤها أهمية عالية عند تقييم قرار الاختيار:

أ- الطبقة الاجتماعية:

تؤثر بيئة السكن والأصول العرقية والموارد الثقافية في صياغة سمات عامة للطبقات الاجتماعية؛ بحيث تساهم إلى حد كبير في صياغة الأطر التي تحدد طريقة التفاعل مع متغيرات الحياة، وكلما كان الزوجان ينتميان إلى نفس الطبقة الاجتماعية؛ كان ذلك أدعى إلى التوافق بينهما؛ حيث قد يساعد المال على محاولة محاكاة طبقة اجتماعية أخرى، ولكن الذي يتغير فقط هو المظهر الاجتماعي، ولكن تظل الثقافة الاجتماعية وما تفرزه من سلوكيات اجتماعية هي المؤثرة.

ب- طريقة ومنهجية التفكير:

تعكس طريقة ومنهجية التفكير عدة سمات؛ منها على سبيل المثال:

- مدى العمق/ السطحية في تناول الموضوعات وبما يتوافق والأهمية النسبية لها.

- مدى القدرة على الإلمام بالشمولية/ التركيز الجزئي وبما يتناسب مع الحدث.

- مدى الإيجابية/ السلبية في التفاعل مع  متغيرات الحياة.

- القدرة على اتخاذ القرار وحل المشكلات ومدى كفاءته.

- مدى المنطقية في الاستدلالات وتحليل المعطيات للوصول إلى النتائج.. إلخ.

جـ- المواءمة والقدرة على التكيف والتفاعل:

رغم قيمة وأهمية وجود أكبر قدر ممكن من المساحات المشتركة بين الخطيبين والأسرتين، فإن هناك عاملاً أكثر أهمية؛ وهو المؤثر في قدرة كل طرف على بناء جسور التواصل وتدعيم مساحات التلاقي، ألا وهو التفاعل بمرونة وإيجابية مع الاختلافات، دون إفراط أو تفريط وطبقاً للضوابط الشرعية، وتطوير الخلاف للتوافق مع الآخر وإثراء تنوع الحياة الزوجية.

د- القدرة على تطوير الذات والتغيير نحو الأفضل:

يتم ذلك من تقييم مسيرة حياته المهنية والثقافية: كم كتاباً قرأ ونوعية ما يقرأ؟ وما الدورات التي حضرها؟ ما مثله الأعلى ورؤيته المستقبلية؟ كيف يرى الغد؟

ويغفل أو يتغافل كثير من المخطوبين والمخطوبات الاختلافات بينهما في مراحل التعارف الأولى أو يقللون من شأنها ثم يتذكرونها بعد الزواج، بل قد يضخمونها أكثر من حجمها رغم أنه يجب أن يحدث العكس، والأهم أنه يجب أن يتفق الخاطبان على طريقه ومنهجية التفاعل مع هذه الاختلافات.

هـ- القدرة على تحمل المسؤولية:

لكل من الزوج والزوجة مسؤولياته، ويجب أن يحرص كلُّ طرف على معرفة قدرات الطرف الآخر على تحمل المسؤولية، واتخاذ قرارته باستقلالية، وتقديره لذاته، والمبادرة والإقدام.

و- الصورة الذهنية:

الصورة الذهنية عن شريك العمر: هي الصورة التي يحلم بها المرء، وتراود خياله عن شريك حياته، وتساهم إدراكاته وطريقة تفاعله مع بيئته في صياغه النموذج التخيلي الذي يتمناه في شريك حياته، كذلك تساهم تجاربه الذاتية وتجارب الآخرين وكيفية استخلاص الدروس المستفادة من هذه التجارب في صياغة هذه الصورة الذهنية عن شريك العمر.

يجب أن يتعرف كل طرف على سمات الصورة الذهنية للزوج المأمول التي تراود أحلامه، وأن يقارن كل منهما إلى أي مدى تتوافق سماته مع سمات النموذج الذي يحلم به الطرف الآخر، ثم تأتي المرحلة المهمة وهي إلى أي مدى كل طرف مستعد أن يتغير حتى يقترب من سمات الصورة الذهنية لدى الطرف الآخر، وفي المقابل إلى أي مدى يمكن للطرف الآخر أن يتنازل ويعدل من أحلامه عن شريك عمره حتى يتوافق مع السمات الواقعية لمن يريد أن يتخذ قراراً بالزواج منه.

ورغم أهمية درجة التشابه بين الصورة الذهنية لشريك العمر المرتقب والواقع، فإن الرغبة والقدرة في التغيير هي الأهم، وكذلك المرونة في التفاعل مع المتغيرات.

3- ذاتية قرار الزواج:

 يجب التأكيد على أن هذا القرار ذاتي وخاص بالشاب أو الفتاة، وأن الأهل مستشارون يساعدون على اتخاذ القرار المناسب بالنصح والإرشاد، وهذا لا يتعارض كلية مع الأمانة الملقاة على عاتق ولي الفتاة بالعمل بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد»، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه، قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات»(3).

 فعلى الولي أن يتأكد من دين وخلق من يتقدم لوليته، فإن اطمأن له عرضه عليها، فإن وافقت فهذا حقها، وإن رفضت فهذا أيضاً حقها، وإن كان الأهل قد أهملوا تربية أبنائهم ولم يفطموهم بعد رغم بلوغهم العشرينيات من العمر فواجبهم أن يختاروا لهم من يتزوجون، وعليهم تحمل كل المسؤولية في المتابعة اليومية لفض الاشتباكات الزوجية وتحديد كيفية تصرفاتهم في كل أمورهم الزوجية.

4- الصراحة والوضوح والشفافية:

يجب الحرص كل الحرص والاهتمام بعدم التجمل ومحاولة الظهور بصورة لا تعبر عن الواقع قد تعطي انطباعاً بمثالية، أو على الأقل توحي بمستوى مختلف عن الحقيقة، وقد يصل الأمر إلى الحرمة إذا كان هناك تدليس.

إن من المهم أن يُطْلع كلُّ طرف الطرفَ الآخر على صفاته؛ سلبياتها قبل إيجابياتها، ويتناقشا في كيفية التوافق بينهما.

5- تقديم العقل أولاً ثم القلب:

إن الميل الفطري بين الجنسين والرغبة الشرعية لتلبية الاحتياجات الحيوية والنفسية من العوامل الأساسية والمهمة في قرار الزواج، ولكنها بمفردها لا تكفي؛ فالزواج يحتاج إلى عناصر أخرى أساسية معنوية ومادية، وهو ما يعرف بالكفاءة.

إن تقييم كفاءة من نختاره لأن يكون زوجاً لنا، تحتاج إلى تقييم عقلي موضوعي بعيداً عن الاندفاع العاطفي والاحتياجات الحيوية؛ لذا فمن المهم في المرحلة الأولى من التقييم تقديم العقل ومحاولة حبس القلب بعيداً عن الانبهار بالشكل الجميل والألفاظ العاطفية، والتي تطمس الحقائق فتعظم من الإيجابيات وتتضاءل أمامها السلبيات.

ولا أقصد مطلقاً إغفال الجانب العاطفي والقبول الشكلي، ولا أقلل من أهميته إطلاقاً، بل هو عنصر أساسي ومهم وشرط أساسي، ولكنه غير كافٍ.

6- الأهل:

رغم تأكيدنا أن قرار الزواج قرار شخصي يتعلق بالشاب والفتاة، وأن دور الأهل يجب ألا يتعدى النصح والاستشارة والإرشاد، ومع هذا فإن للأهل دوراً غير مباشر، ولكنَّ له أثراً كبيراً في إتمام الزواج، بل إن له أثره في مدى الوفاق بعد الزواج؛ لذا يجب عدم إهمال الاهتمام بتقييم مدى التوافق بين كل طرف وأهل الطرف الآخر بل وكذلك بين العائلتين بصفة عامة.

7- التقييم الموضوعي للسلبيات والإيجابيات عبر مراحل الزواج:

في مرحلة الخطبة يجب أن يكون قرار الزواج ما زال معلقاً ومحل دراسة؛ لذا يجب التقييم الموضوعي لسلبيات وإيجابيات كل طرف ومدى توافقه مع سلبيات وإيجابيات ذاته؛ بمعنى: كيف سيتعامل كل طرف مع سلبيات الطرف الآخر؟

ولعلك أيها القارئ الكريم تتساءل: لماذا هذا التشاؤم؟ ولماذا لم أقدم الإيجابيات على السلبيات؟

أقول: لأن الإيجابيات لن تحتاج من الزوج جهداً لتقبلها والتفاعل معها، أما السلبيات فتحتاج إلى أن يفكر بموضوعية إلى أي مدى يمكن التفاعل معها وكيفية ذلك، فقد تكون هناك سلبية واحدة تطيش أمامها كل الإيجابيات.

 

يمكنك إرسال استشارتك على أحد العنوانين البريدين التاليين:

info@mugtama.com

y3thman[email protected]hotmail.com

الهوامش:

(1) رواه ابن ماجه في سننه: كتاب النكاح، باب أفضل النساء.

(2) صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.

(3) سنن الترمذي: كتاب النكاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.

عدد المشاهدات 1180
وسم :

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top