في بيتنا مسن

18:26 05 فبراير 2018 الكاتب :   د. سلام عمر

دمعت عيناي حينما سمعتها تقترب مني قائلة أنت صديقتي وأريد منك النصيحة. في بيتي رجل مسنّ ولا أدري كيف أتعامل معه وابنه كما تعلمين رجل مهم في المجتمع ،حيث إن زوجي تاجر كبير دائم السفر ولا يملك الوقت الكافي للتعامل مع هذه المشكلة فلقد ترك الأمر برمته لي.

صرخت من فوري هل وجود الأب المسن في بيت ابنه أصبح مشكلة؟ أين ابنه من كل هذا؟ أين البرّ الذي أوصانا به ديننا الحنيف؟ أين محبة الوالدين؟ أين احترامهما؟ هل ذهبت الرحمة من قلوبنا؟ هل أصبحت قلوبنا قاسية كالحجارة أو أشد قسوة؟ أتغيرت أفكارنا لدرجة أننا غيرنا مبادئنا؟ هل تغير أسلوب حياتنا لدرجة أننا نسينا واجباتنا نحو والدينا؟ ألهذه الدرجة أصبحت الأنانية تتحكم في نفوسنا فأنستنا من تعب وسهرالليالي في سبيل رؤيتنا شباباً ورجالاً نملك من القوة ما تجعلنا نواجه صعوبات الحياة؟ كيف ننسى هؤلاء الذين صرفوا الغالي والنفيس من أجل سعادتنا، والان وهم في حالة من العجز والوهن نعتبرهم همّ حياتنا ومشكلتنا؟

لماذا ننسى قول ربّ العزّة: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا،وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:23].

اليوم ترى نفسك شاباً قوياً تحمل بنية قوية وتقدر على مواجهة صعاب الحياة وغداً تكون أنت ذلك الكبير الطاعن في السن الذي يحتاج إلى الرعاية والرحمة والملاطفة والمساعدة فازرع اليوم بذور الرأفة والرحمة مع والديك لتحصد في الغد ثماراً طيبة مع أبنائك، فكما تدين تدان، اجعل من نفسك قدوة حسنة لأبنائك، اجعلهم يرونك تخدم أبويك وتقدم لهما الرعاية والحب والرحمة.

سعيد من كان في بيته كبير في السن، سعيد من كانت عنده بركة الآباء، سعيد من كسب رضى والديه قبل مماتهم، سعيد من دخل الجنة بأبويه.

إنّ الإسلام حث على احترام الكبير بشكل دائم، وجعله من أهم الأمور في حياة المسلم؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا" (رواه الترمذي وأبو داود).

إن طبيعة التعامل مع كبار السن تتطلب مراعاة خاصة لهم، حيث إن كبير السن في الغالب يصبح سريع الانفعال وقد تبدر منه تصرفات قد تضايق من حوله، فقد يبدو مشتت الذهن غير قادر على التركيز أو القيام بأبسط الأمور. ولكن ومع كل هذا لا ينسى فضله فلقد قدم في شبابه الشيء الكثير وآن له الأوان أن يقطف ثمار تعبه.

لقد عمل بجد واجتهاد في سبيل توفير لقمة العيش وتوفير كل متطلبات الحياة لأبنائه. لقد عاش وأفنى شبابه في سبيل تربية أبنائه وتعليمهم. ألا يستحق هذا الكبير من أبنائه المراعاة والرحمة والاحترام؟ ألا يستحق من المجتمع بأكمله كل إجلال وإكبار؟ ألا يستحق هذا الكبير أن يجالسه أبناؤه وأحفاده ويستمعوا له ويصبروا عليه خاصة إن كان مريضاً أو عاجزاً أو يشكو من أي علة كانت؟

من الملاحظ أن كبير السن قد يضعف سمعه وبصره وتصبح حركته صعبة وبطيئة، وفي هذه الحالة المطلوب من الشباب التذكر الدائم بأنه قد مرّ على كبير السن زمن كان به قوة مشابهة لقوتهم الحالية فلا شيء يدوم في هذه الدنيا الفانية فاليوم قوة وغداً ضعف ووهن، وهذه مرحلة طبيعية يمر بها كل إنسان على وجه الأرض إن قدّر له الحياة، فنحن لم نسمع يوماً عن أحد بقى شاباً طول حياته فالمرور بمراحل الحياة العمرية المختلفة هو أمر حتمي لا بد منه؟ لذا فإنه من الأهمية بمكان احترام كبار السن وتوقيرهم وتقديمهم في الطعام والشراب والحديث وكذلك مراعاة ضعفهم وحالتهم الصحية.

وأخيراً إليكم بعض التوصيات الهامة والتي أطلق عليها أساسيات أو فن التعامل مع كبير السن:

  • مراعاة احتياجات المسنّ النفسية والعاطفية والمادية والاجتماعية بحيث يحصل على الحب والاحترام والعطف والرحمة.
  • محاولة إسعاده بأي شكل من الأشكال حتى لا يصيبه الملل؛ حيث إنه من المعروف عادة أن جميع من حوله منشغلون بأعمالهم وشؤونهم الخاصة، ولا أحد يلتفت لكبير السن أو ينتبه لرتابة وروتين حياته المملة في بعض الأحيان.
  • أن لا يشعر كبير السن بأنه بات عبئاً على أحد أو أنه سبب في أي مشكلة بين أفراد الأسرة. وأن تراعى مشاعره تماماً بحيث يبقى سعيداً مبتهجاً يشعر بأهميته وقيمته لمن حوله.
  • تجنب إثارة غضبه لأن المسنّ في هذه المرحلة غير قادر على تحمل مشاعر الغضب أو أية مشاعر سيئة أخرى قد تتعبه نفسياً وجسدياً.
  • محاولة نشر الأمل في نفس كبير السن وذلك بترديد عبارات الأمل مثلاً ما زال أمامك العمر الطويل لعمل الكثير لأبنائك وأحفادك. وكذلك مساعدته على عمل بعض الأمور التي تسعده وتسرّه.
  • نثر البهجة في نفس المسن بتقديم هدية له كل فترة ولو كانت بسيطة تشعره باهتمام من حوله به.

وأخيراً أختم بقولي تذكر أيها الإنسان: "كن باراً بوالديك يبرّك أولادك"، ولا تنس ما ينتظرك من أجر عظيم لقاء برّ الوالدين.

-------

* المصدر: بصائر تربوية.

عدد المشاهدات 602

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top