أُمُّ أولادي مشغولة بنفسها.. فهل أستعير لهم أُماً؟

11:34 10 أبريل 2018 الكاتب :   أ.د. يحيى عثمان

 

 مر العام الأول وكل ما يربط زوجتي بي فقط كارت البنك والفراش!

رفضت رضاعة ابنها للمحافظة على صحتها وكان أول خروج لها بعد الولادة إلى «الجيم»

أنا مشغول وأعمالي تتسع وقد تمر عدة أيام لا أرى أياً من الأولاد إلا وهم نائمون

قررت أن أحضر أماً لأولادي في الثلاثينيات ومطلقة لأنها عاقر وستعوض ذلك في رعايتها لهم

التربية الوجدانية مسؤولية مشتركة على الوالدين ولا يمكن أن يعوضها أحدهما عن الآخر

من التي ستوافق على الزواج لتكون مسؤولة عن تربية أبناء زوجها لتتفرغ أمهم له؟!

عليك توليد الدوافع لدى زوجتك لتكون أماً وتشاركها قراءة كتب ومشاهدة فيديوهات وحضور ندوات

 

أستاذي الكريم، سلام الله عليكم وتقديري لكم ولمجلتكم الموقرة.

أنا رجل عصامي، نشأت في أسرة متوسطة الحال، الوالد، رحمة الله عليه، كان يجتهد لتلبية الاحتياجات الضرورية، وكل منا يعتمد على نفسه ويبذل أقصى ما يستطيع في حدود ما يرزق الله والدنا به.

أبلغ من العمر 47 عاماً، ولله الحمد مهندس ورجل أعمال ناجح، لدي مكتبي الاستشاري وشركة مقاولات، وعدة عقود لإنشاءات دولية، وتعودت أن أتابع كل صغيرة وكبيرة في أعمالي.

تزوجت منذ 15 عاماً بفتاة حديثة التخرج تصغرني بعشرة أعوام، ولكن كان الفرق بيننا أكثر من ذلك بكثير، فهي ضحلة الثقافة تتصف بالأنانية والتمحور حول الذات، تنحصر اهتماماتها في رشاقتها ومظهرها، وقد ساهمت نشأتها في ذلك، فهي البنت الصغرى والوحيدة لأربعة إخوة، وهناك فارق أكثر من 10 سنوات بينها وبين أصغر أخ لها، نالت قدراً مبالغاً فيه من الرعاية والاهتمام، وساهمت الحالة المادية الطيبة لأسرتها في ذلك، فتعودت على الأخذ فقط، فرغم تخرجها في الجامعة، فإن والدتها تتولى كل شؤونها حتى ترتيب غرفتها، بمعنى أدق فهي فقط ينقصها أن ترضعها!

للأمانة لم تخدعني الأسرة ولا حتى زوجتي، فكانت الأمور واضحة خلال فترة الخطبة التي استمرت ما يقرب من 6 أشهر، بل كنت سعيداً بها فهي جميلة وأنا محتاج زوجة فقط! كما ولله الحمد يمكنني أن أوفر لها مستوى مادياً أفضل مما تعيشه.

بدأنا حياتنا الزوجية في قمة السعادة، وخلال ما يقرب من 3 أسابيع عشناها نتنقل من بلد لآخر، كنت أجد متعة في أن أعاملها كطفلتي! عدنا ولكنني لاحظت عدم اهتمامها بي إلا في الفراش! فهي في قمة الرعاية بأنوثتها فقط، وحيث إنني متعود على الاعتماد على نفسي فلم يشكل ذلك لي مشكلة حتى إفطاري تعده الخادمة وزوجتي نائمة.

مر العام الأول وكل ما يربط زوجتي بي فقط كارت البنك والفراش، وفي إحدى سفريات عملي اتصلت لتخبرني بحملها، وتوقعت أن فطرة الأمومة ستعيد هيكلة حياتها وأن الزواج منظومة شاملة من العطاءات والمسؤوليات، لكن خابت توقعاتي! فوالدتها مقيمة لدينا أو هي مقيمة لدى عائلتها خلال فترة الحمل، وكأنها أول امرأة تحمل!

رزقنا ولله الحمد بالطفل الأول، وبه بدأت المعاناة! فقد رفضت رضاعته بحجة المحافظة على صحتها، وكان أول خروج لها بعد الولادة هو التوجه إلى “الجيم”! وتقريباً انتهت علاقتها بالطفل بمجرد ولادته بحجة أن لدي الإمكانيات أن أحضر له مربية، وتعليلها “كله من أجلك يا حبيبي”، نعم أن ترفيهي الوحيد في حياتي بعد عمل مضنٍ وإجهاد فوق الطاقة هو علاقتي الحميمية بها، لكن هناك أعباء ومسؤوليات أخرى لمفهوم الزواج، وحرصي ألا أضايقها فينعكس ذلك على علاقتنا يجعلني بكل ملاطفة أطلب منها رعاية الأولاد لكن لا تغير يذكر.

لا أنكر أن والدتها كانت تساعدنا، ولها فضل كبير بعد الله في الرعاية البدنية من مأكل ونظافة، ولكنها على الجانب الآخر هي بمثابة من ساعد زوجتي على حالة اللامبالاة بي وبأولادها والاهتمام فقط بذاتها.

ازدادت معاناتي وأولادي منذ عام بعد وفاة والدتها، وحاولت معها، وكان ردها: ماذا ينقص الأولاد؟ الطباخة تعد لهم ما يطلبون، والشغالة تنظف وترتب حجراتهم، والسائق يذهب بهم للنادي ويحضر لهم طلباتهم، والمدرسون الخصوصيون يداومون لدينا وكأننا في مدرسة، والشيخ الذي يحفظهم.. ماذا ينقص الأولاد؟ أتريد مني أن أكون طباخة وشغالة ومدرسة!

بل أريدك أن تكوني أُماً.

وأنا طبعاً من جانبي مشغول وأعمالي تتسع وقد تمر عدة أيام لا أرى أياً من الأولاد إلا وهم نائمون، وأبذل وأجتهد، لأحقق نجاحاً مهنياً متميزاً، فالمنافسة مستعرة، وما زلت أسعى لأن أبدأ المنافسة في الأسواق الأوروبية بعد أن حققت تميزاً في المنطقة العربية، كما أنني أسعى أيضاً لأوفر لأولادي مستوى معيشياً كنت أحلم به وأوفر لهم من الأموال ما يمكنهم أن يبدؤوا حياتهم العملية بعد تخرجهم في شركاتهم الخاصة، لذا فعادة ما أعود في وقت متأخر، فأمرُّ على غرفهم وأقبّلهم وأترك لهم بعض الحلوى التي يفضلونها، وفي الصباح يذهبون إلى مدارسهم قبل استيقاظي.

فقررت، نعم قررت! ولعلك تسألني: ما دمت قد قررت لماذا ترسل إليّ؟ نعم هي رسالة لكل امرأة لا تقوم بواجباتها نحو زوجها وأبنائها.

قررت أن أحضر أُماً لأولادي! مهلاً عليَّ لا تستغرب، هي اختصاصية اجتماعية بمدرسة الأولاد، كانت تتابع معي مشكلاتهم، وطبعاً تعرفت على ظروفهم العائلية، وأرجعت سبب جنوح الابن الأكبر إلى العنف مع زملائه وانطوائية البنات إلى فقدان الأولاد للإشباع الوجداني والدفء والحنان العائلي، ويحتاجون إلى دعم نفسي خاصة الابن الأكبر وأخته لأنهما على مشارف مرحلة المراهقة، كما أن تحليل التقارير المتعلقة بسلوكيات الأولاد بصفة عامة، التي تصلني من المدرسة شهرياً تشير إلى أن مشكلات الأولاد تتفاقم.

لقد كانت بناء على طلبي ترسل لي عبر البريد تقارير الأولاد، لأنني قد أكون مسافراً أو حتى عندما أكون متواجداً قد لا أرى الأولاد.

هي في الثلاثينيات مطلقة بسبب أنها عاقر، وأشعر بأنها تعوض ذلك في رعايتها ليس فقط لأولادي ولكن لي صديق أولاده بنفس المدرسة يشيد أيضاً بها، أرجأت قراري بالزواج منها تعويضاً لأولادي عن فقدانهم أمهم لحين انتهاء الأولاد من امتحانات نهاية العام وحتى أنهي بعض التزاماتي.

التحليل:

إن فترة الخطبة مرحلة مهمة؛ لأنه بناء على تفاعل الخطيبين يتم قرار الزواج من عدمه، كما أنها تعطي تصوراً عن الحياة الزوجية المرتقبة، ويجب استغلالها حتى يعرض كل طرف سماته الشخصية بكل مصداقية ودون أي تكلف، ويقرر مدى قدرته على التعامل مع الطرف الآخر على مدار 24 ساعة مدى عمره، ولا يقيمه تقييماً آنياً وهو محروم عاطفياً وجنسياً، فيتعمد الغفلة وتزيين تصرفاته بالورود، ولكن يجب أن يقيمه بقدرته على بناء حياة زوجية متكاملة.

لقد كانت سمات زوجتك واضحة وقبلتها من منظور واحد فقط وهو قدرتها على تلبية احتياجاتك الخاصة، ثم شجعتها على أن تنحصر علاقتكما الزوجية فقط في الإشباع الحميمي والإنفاق من جانبك والصرف من جانبها، بل ولم تعترض ولم تحاول أن تحثها ولا أن تساهم في تطوير مفهومها عن متطلبات ومسؤوليات الحياة الزوجية.

رغم قيمة وأهمية العلاقة الحميمية بين الزوجين وأنها بالنسبة للشاب -خاصة الملتزم- هي الدافع من الزواج، ولكنها تصبح بعد الزواج وسيلة للتواصل بين الزوجين والتقريب بينهما بل وامتزاجهما بهدف سامٍ وهو بناء بيت الزوجية بكل أبعادها وبحيث يتمكنان من التعاون معاً لتربية أبناء أسوياء.

وهنا يجب التركيز على نقطة مهمة جداً، وهي أنه كما يحتاج الابن إلى تغذية روحية تحفظ له دينه وتستقيم بها دنياه، وتغذية عقلية تمكنه من الأخذ بأسباب السعي في الأرض، وتربية بدنية تحفظ له بقاءه صحيحاً معافى؛ فإنه يحتاج إلى تربية وجدانية، وهي التربية الوحيدة التي لا يمكن بل يستحيل توكيل غيرنا للقيام بها لأولادنا نيابة عنا.

إن فقدان الأبناء للتربية الوجدانية يؤثر سلباً على كل منظومة حياته، بل ويصعب الوفاء بباقي أنواع التربية ويصيبها الاضطراب ما لم يتم الإشباع الوجداني لدى الأبناء.

إن التربية الوجدانية مسؤولية مشتركة على الوالدين، ولا يمكن أن يعوضها أحدهما عن الآخر، فلكل دوره الرئيس والمهم الذي يفعّل ويضعّف من دور الآخر.

فأنت، وأنت فقط، المسؤول عن قصور زوجتك، فأنت لم تختر زوجة، بل اخترت أنثى يربطك بها عقد شرعي ومن ثم لم تختر أُماً لأولادك، ثم بعد أن اكتشفت أن مفهومها عن الزوجية هو فقط تلبية إشباعك الجنسي -وهذا حقكما- أقررتها على ذلك ولم تبذل لتطوير مفهومها ومعالجة القصور في نشأتها.

كما أنك لم تحاول تعويض قصور أمهم بتواجدك معهم، بل كل همك نجاحك وتميزك المهني وتحقيق طموحاتك في الأسواق الأوروبية، وأصبح حال أولادك كما وصف أحمد شوقي:

ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً

إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً

كذلك رؤيتك لعلاج ما اقترفت يداك، يعكس مدى أنانيتك؛ المحافظة على زوجتك دون أدنى مسؤولية تعكر صفو مزاجها لإشباعك الجنسي، تفرغك لتحقيق طموحاتك المهنية، تتزوج بأخرى لتربية أولادك، وزيادة الاستمتاع بأخرى!

الآثار:

إنك تتصور أن زوجتك ستطير فرحاً بمن ستقوم كأم بمهامها التي لا تؤديها، لتتفرغ هي لزوجها! وأن الأولاد سيهيمون فرحاً بمن يعوضهم عن أمهم المفقودة، ومن ثم سترتاح من العبء النفسي بإحساسك أنك مقصر في حق أولادك لتشبع نهمك بتفوقك المهني! ولم تخطر ببالك أسئلة أساسية أو لعلك هربت من الإجابة عنها إن كنت قد ناقشتها مع نفسك أصلاً.

من هذه التي ستتزوج وتعلم أنها مسؤولة عن تربية أبناء زوجها لتتفرغ أمهم لزوجها؟! وأليس لها هي الأخرى كل حقوق الزوجة الأولى؟ وما رد فعل الزوجة الأولى؟ وكيف ستسمح لها بالإقامة في بيتها وتشاركها في زوجها وعلاقتها به هي كل مهامها في الدنيا؟

نعم هي لا تقوم بمسؤولياتها كأُمّ، لكن هذا ليس معناه أن تسمح للزوجة الثانية بالقيام بدلاً عنها دور الأمومة، ومن قال: إن الأولاد سيقبلون هذا الإحلال؟ فطلاب الفصل عادة ما يبدون اعتراضهم على تغيير مدرسهم بآخر، فما بالنا بالأم! بالعكس قد يثير وجود زوجة أبيهم مشاعرهم السلبية وتتدهور حالتهم النفسية أكثر.

لذا فإن استمرار الوضع الحالي من المؤكد أنه سيؤدي إلى زيادة تدهور الحالة النفسية للأولاد، كما أن قرارك بالأم البديلة سيزيد الأمر تعقيداً، وفي كلتا الحالتين سيؤدي ذلك عادة للأسف إلى آثار سلبية عدة خاصة على من هم في بدايات مرحلة المراهقة.

لذا أقترح ما يلي:

رغم قيمة وأهمية التميز المهني ومشروعيته، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للمرء الصالح»، «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول»؛ لذا، فإن تربية الأولاد فرض عين على الوالدين، وفقه الأولويات يقتضي إعلاء تربية الأولاد على التفوق المهني، ودائماً أكرر: «استثمر في أولادك قبل أن تستثمر لهم».

بالنسبة لعملك ابحث عن مساعدين وأسند إليهم كل المسؤوليات التي يمكن لغيرك القيام بها، وحتى لو حفزتهم بنسبة من الأرباح فولدك الصالح خير لك في الدنيا والآخرة، يجب أن ينتهي عملك عصراً، يجب أن تجد الوقت المناسب لصحبة الأولاد وتعوضهم عما افتقدوه، وأن تقرأ كيف تربيهم وتتعرف على أنماط شخصياتهم، وأن تبني معهم مع كل منهم علاقة على أساس الحب والثقة.

على الجانب الآخر، توليد الدوافع لدى زوجتك لتكون أُماً، وأن تشاركها قراءة كتب ومشاهدة فيديوهات وحضور الندوات والدورات والمحاضرات، وقبل كل ذلك فرضية القيام بمسؤولياتها كأُمّ ومدى الإثم الذي تقترفه بالتهاون في أداء هذه الأمانة، ومعاونتها على ذلك.

عدد المشاهدات 2488

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top