المخلص المزعوم

11:35 11 يوليو 2018 الكاتب :   د. يحيى عثمان

  

- من خصائص زوجي أنه لا يكتفي دائماً حيث يرغب في التجديد والتعدد في كل مجالات حياته

- رغم أنه في منتصف الستينيات فإنه في قمة النشاط والعاطفة وعلاقته بي أكثر من مثالية

- كان يلمح برغبته بالزواج من وقت لآخر وكنت أعتبر ذلك على سبيل التهريج خاصة ونحن بقمة سعادتنا

- صارحني بقوله: تزوجت قبلك وبعدك 5 زيجات بعقود عرفية وكنت على علاقة بأخريات بنية الزواج

- سأستزوجها وليس لأبنائي أي حق في محاسبتي لقد أديت واجبي نحوهم على خير وجه

- هل عليَّ أن أقبل ضعفه وأبتلع نار الغيرة وأوافق على زواجه وأبرره لأبنائنا إذا ما عرفوا؟

 أستاذي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لعل قصتي، بل مأساتي، متكررة رغم ما يبدو على شكلها الخارجي من ندرة أو فاجعة تجعل الزوجة بعد 40 سنة من الزواج والشعور بأنها الملكة المتوجة على عرش حياة زوجها الذي كثيراً ما يعبر عن إخلاصه ويبدي من اهتمام وتقدير متميز، وفجأة يعترف فيها الزوج بواقعه المُدمي لقلب زوجته، وتكتشف الزوجة الخديعة الكبرى التي كانت تحياها وأنها زوجة لأكبر مخادع ممثل قدير.

تزوجته وأنا طالبة بالجامعة، مهندس، رغم أنه لم يتعدّ الثلاثين من عمره فإن لديه شركة، وسيم جذاب، متحدث لبق، مثقف كريم ذو مشاعر فياضة، وعبر رحلة زواجنا الذي كان يراه كل المحيطين بنا نموذجاً مثالياً، رزقنا الله بولدين وابنة، كان نعم الأب؛ الأولوية المطلقة لأولاده، استكملوا دراستهم الجامعية بالخارج وساعدهم على بدء حياتهم العملية وتزوجوا، وكان حريصاً على استكمال كينونته العائلية كما يحب أن يطلق عليها على خير ما تكون، وقد رزقنا بسبعة أحفاد، ونقضي عطلة الأسبوع معاً في قمة السعادة.

من خصائص زوجي أنه لا يكتفي دائماً، يرغب في التجديد والتعدد، فرغم أنه مهندس ناجح فإنه حصل على بكالوريوس محاسبة، وأصبح يراجع الميزانية التي يقدمها له المحاسب القانوني ويناقشه ويعدل عليه، أيضاً حصل على ليسانس في الحقوق، ويناقش محامي الشركة ويعدل عليه، كما أنه يشارك في المؤتمرات الإدارية بأبحاث، ويشار إليه بالبنان في هذا المجال، وحتى لا أطيل هو يتقن ست مهن بكفاءة عالية.

كما أن أصدقاءه أيضاً مجموعات متنوعة الاتجاهات والأفكار، حتى في تناول طعامه كنت أتعجب في أول زواجنا لتعدد الأصناف التي يحرص على وجودها، وقد لا يتناول بعضها.

علاقته بي أكثر من مثالية، فهو رياضي مارس عبر حياته العديد من الألعاب والهوايات، يعتني بصحته، رغم أنه في منتصف الستينيات فإنه في قمة الحيوية والنشاط، عاطفي، وهذا دفعني للعناية بذاتي، فلا أحد يصدق أنني جدة، يرعاني كزوجة ويشعرني بأنوثتي، ذو مشاعر فياضة كريم معنوياً ومادياً، يحثني بل عادة ما يصحبني سواء للارتقاء بعبادتنا أو ثقافتنا أو علاقتنا الاجتماعية.

عندما كنت أسافر للاطمئنان على الأولاد أثناء دراستهم بالخارج كانت حالته تسوء جداً ببعدي عنه، لكن رغم أنه رجل ملتزم فإنني كنت أعتب عليه تبسطه في علاقاته مع الجنس الآخر، ولكني كنت واثقة في دينه وخلقه ثقة مطلقة –للأسف- لدرجة أنه كانت تأتيه مكالمات نسائية ولا تمثل لي أي غضاضة.

كان يلمح برغبته بالزواج من وقت لآخر، وكنت أعتبر ذلك من سبيل التهريج، خاصة أننا في قمة السعادة سواء ما يبديه من مشاعر عاطفية أو إبداعاته في علاقتنا الخاصة، وكنت أبتهج وأشعر بالزهو عندما كان يؤكد لي أنه كان رجلاً بكراً عندما تزوجني! وأنه أخلص وأوفى زوج!

طبعاً أنا تحملت الكثير معه سواء في تجاوزه معي أو تجاوز أهله أو تحميلي لأعباء فوق طاقتي.

وكان حبي له يجعلني أغفر وأتسامح، بل وأنسى ذلك، وكنت أبرر ذلك بضغط العمل وطموحاته التي لا تنتهي، حقيقة أشهد له أنه كان يقدر جهودي معه عبر رحلة كفاحنا معاً، وكثيراً ما يشيد بي سواء في جلساتنا الخاصة أو العائلية أو مع أصدقائنا، وكم كان يبهرني وهو يعطي محاضرات في كيفية تحقيق النجاح في الحياة الزوجية، ويرجع الفضل لله أنه وفّق لزوجة تتحمل عنه الكثير من المسؤوليات العائلية. 

وفجأة ونحن في قمة السعادة بعد لقاء حميمي قال: «سأتزوج».

تجاهلت.

كررها بلغة حازمة.

- أتعي ما تقول؟

- سأتزوج.

- لماذا؟ هل ينقصك شيء؟ هل قصرت في حق من حقوقك أم لم أعد أشبعك؟

- لا.. إطلاقاً.. أنت أفضل زوجة وأصل معك إلى قمة المتعة.

- ألم تعد تحبني؟

- كل يوم يزداد حبي لك، وأقسم لك لو خُيرت أنت أو كل النساء لاخترتك أنت، ولكنني..

- ولكن لماذا؟

- لأنني أريد الزواج فقط.

- هل فكرت بأثر ذلك عليّ وعلى أولادنا؟ وأن الذي ستأتي وتأخذك على الجاهز ستدمر حياتنا، ومن المؤكد أنها ستنسيك بيتك و..

- حبيبتي، أرجو أن تفهمي جيداً، لن تستطيع إنسانة أن تنسيني بيتي وتحل محلك، أنت زوجتي وحبيبتي وأم أولادي، ولكن طبيعتي أنني متعدد في كل شيء، وهي حالة أعتبرها مرضية، وحتى أثبت لك أنه لن تؤثر على التزاماتي تجاه بيتي أي امرأة، أنا نفسياً متعود على ذلك!

- نعم! أتعي ما تقول؟ متعود على ماذا؟

- بكل صراحة أحب أن أطمئنك بأنني لو كنت ممن يتأثرون أو يخضعون لزوجاتهم كنت تأثرت، هل شعرت طوال حياتنا بأي تغيير؟ هل قصرت في أي حق لك أو لأولادنا أو حتى أحفادنا؟

- لا أفهم ما تقول، ماذا بعد؟ تفضل.. أيها المخلص الوفي!

- أنا تزوجت قبلك وتزوجت بعدك 5 زيجات بعقود عرفية، وكنت على علاقة بالعديد من النساء بنية الزواج ولكن لم يتم، هل حدث أي نقص معنوي أو مادي في علاقتي بك كزوجة أو علاقتي بأولادنا وأحفادنا؟

- وهنا جننت وأحسست بأنني كنت أقف على قمة عالية هوت بي إلى كهف مظلم ليس له قرار، وددت أنني في كابوس كئيب،  وسرعان ما ينقذني منه حبيبي ويوقظني، وهنا استرجعت ذكرياتنا وكم كانت تنتابني هواجس شك، ولكن ثقتي به التي لا حدود لها كانت تتغلب عليها، وكان حبي له ينسيني بل ويغلف كل زلاته.

بدأت أتلمس وجهي وأغمض عيني وأفتحها وأضغط بيدي على جسدي لعلي أستيقظ وأتلمس وجه زوجي، وقلت: لعل به مساً من الشيطان، فبادرته: حبيبي، دعنا نغتسل ونصلي وأرقيك.

وفعلاً غسلت نفسي مع الغسل وتعمدت أن أخرج بوجه طلق، معتبرة ما كان كأن لم يكن، وبادرني زوجي كعادته بعبارات الإعجاب والشوق، ورقيته وهو جالس في حضني كالطفل الوديع، وهممت بالقيام لأعد له شرابه المفضل، ولكنه صعقني:

- لم نتفق على كيفية تدبير زواجي؟

- وانهرت وخارت قواي وكدت أسقط على الأرض لولا أن ارتميت على الأريكة، وقررت الهجوم: كيف تغرر ببنات الناس وعندك بنت و4 حفيدات، ألا تخاف عليهن؟

- حبيبتي، أنا لم أخدع أياً منهن، هي كانت علاقة شرعية، وكنت واضحاً مع كل منهن، ودون أن أظلم أياً منهن، حافظت عليك وعلى عائلتي وكنت نعم الزوج المخلص.

- أي إخلاص تتحدث عنه؟

- نعم، رغم كل هذه الزيجات ظللت وفياً لك ولبيتي، كن يعلمن أن بيتي له الأولوية وتنازلن عن حقوقهن في المساواة.

- إذن، لماذا تخبرني الآن؟ لماذا لم تتزوج هذه مثل ما تزوجت الباقيات دون علمي وظللت تمثل ولم تصدمني؟

- طبعاً، فكرتُ كثيراً قبل إخبارك، لأنني أريد أن أتزوجها بعقد شرعي، بعد ما مللت الحياة المزدوجة، وقد يتسرب الأمر إلى الأولاد فأريدك معي، فهذا يسهل عليهم قبول زواجي، ولا يشعرون أنني غدرت بك، وأنت بالنسبة لهم قيمة عظيمة، وأنا ساهمت في ذلك، وأحب أن أطمئنك، سأتنازل لك عن كل ثروتي وأعفيك من أي التزامات تجاهي، وأعدك أن أكون نعم الزوج لك بل ولك الأولوية عنها شرط أن توافقي.

- ولماذا كل هذا؟

- لأنه إذا ما وصل الخبر للأولاد فأنت على علم بزواجي وموافقة عليه حتى تحافظي على صورتي بين الأولاد.

- آسفة.

وتركته مهرولة إلى حجرة أخرى وارتميت على الأريكة وانتابتني حالة من الشرود، استعرضت حياتي معه وكلماته وتصرفاته كلها كانت تؤكد لي أنه كان يحبني، وأنه كان يعيش معي أسعد لحظاته، كلماته العذبة صداها في أذني، لمساته الحانية سمو خلقه كرمه.. كل هذا كذب خداع، أهذا أخلص زوج كما يدعي ويبرر إخلاصه المزعوم أنه رغم كل ما عرف من النساء ظل وفياً لي محافظاً عليّ! أي نوع من الرجال هو؟ بل أي نوع من النساء أنا وكيف كنت من السذاجة حتى لم أكتشف كذبه؟ وحاولت أن أجد له أي تقصير تجاهي يجعلني أربط تقصيره بخيانته، لم أجد حقيقة فازددت هلعاً من خداعه وقدرته التمثيلية، وأفقت على يده الحنونة عليّ! فانفجرت باكية: أحقاً أنت أنت؟ لماذا أخبرتني بحقيقتك؟ لماذا لم تتركني على بلاهتي؟ لماذا أيقظتني من حلمي الجميل؟

- هذا لم يكن حلماً، بل حقيقة، وهو حبي وتقديري و..

- ليكن ما كان ولننسه كلية ونبدأ صفحة جديدة.

- حبيبتي، هذه حياتنا وذكرياتنا التي عشنا معاً وأعتز بما فيها.

- أي أنك غير نادم؟!

- على ماذا؟

- خداعي أيها الممثل البارع، أشهد لك أن كل نجاحاتك كمهندس ورجل أعمال ومحاسب وقانوني وإداري وأديب.. كل ذلك لا شيء، إن تفوقك الرائع أنك ممثل وجمهورك النساء.

- أنا مقدر طبعاً انفعالك، ولكنني واثق من رجاحة عقلك، وأنني أعطيتك كل شيء معنوياً ومادياً، بشرط واحد فقط هو موافقتك بل وتكونين بجانبي إذا ما عرف الأولاد، خاصة أن من اخترتها زوجة، أولادها مقررون الهجرة وستلحق بهم، ولكنها ستحاول إقناعهم أن تبقى ولا تهاجر معهم.

- وإذا رفضت؟

- سأستزوجها، وليس لأبنائي أي حق في محاسبتي، لقد أديت واجبي نحوهم على خير وجه، بل وما زلت أرعى أبناءهم، أما أنت فزوجتي الحبيبة أعدك أنني لن أقصر معك، بل سأضفي مزيداً من الحب، بل ولك الأولوية، لكن ليس من حقك أن تحجري عليّ ما دمت قد وفيتك كل حقوقك.

- سأترك لك المنزل بل وكل حياتك.

- أتمنى ألا يحدث هذا، لكن أنت حرة.

وتركني غارقة في متاهات الحيرة، هل فعلاً زوجي كما يدعي ذو طبيعة ونوعية خاصة من الرجال، بحيث يشرع له التعدد خاصة أنه متعدد في المهن التي يتقنها والرياضات التي مارسها حتى الطعام الذي يتناوله؟ وهل بتلك التبريرات التي يسوغها لنفسه مخلص؟

وهل هو حقاً كما يفهم الوفاء والإخلاص وفيّ مخلص كما يدعي لأنه تزوج عدة نساء وظل محافظاً عليّ ولم يؤثر ذلك على واجباته تجاهي كزوجة وكأب وجد؟

لم أذق طعم النوم منذ صدمني، وأنا في حيرة من أمري، نار الغيرة تعتصرني، وذكرياتي معه تؤرقني، كل كلمة حب قالها لي هي مكررة وقالها لغيري، زوجي الذي كنت أعتز به لي وحدي كان مشاعاً لزوجات أخريات، كم أدعي أن علاقته بي سبب إبداعه فيها بسبب حبه المتميز لي، ثم اكتشفت أن السبب هو خبراته المتعددة من زوجاته.

هل عليّ أن أقبل ضعفه، وأبتلع نار الغيرة وأوافق على زواجه بل وأبرره لأبنائنا إذا ما عرفوا؟

أم هل أترك له الدنيا وأعيش مع الأولاد متنقلة من بيت لآخر أو أستقل ببيت لي، خاصة أنه كان قد أعطاني هدايا مالية عدة مرات تمكنني من الاستقلال عنه.

أستاذي، معذرة لا أطلب رأيك! بل أستسمحك نشرها لأسمع فقط رأي الزوجات لأنهن فقط من سيشعرن بمعاناتي وليس الرجال ولا المطلقات ولا الأرامل واللائي لا يروق لهن إلا خطف المتزوجين من الرجال حتى يفسدن على زوجاتهم حياتهن.

عدد المشاهدات 2456

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top