اصنع حياتك
عصبية الأبناء.. من يصنعها؟.. خطوات علاجها

15:45 31 يناير 2019 الكاتب :   نجلاء محفوظ

 

ابني عصبي؛ جملة لم يقلها الأباء والأجداد؛ فلا يولد أحدًا عصبيًا، بل يصنع الأهل عصبية الأبناء ويزيدون رسوخها بتصرفات غير متعمدة بالطبع، ويدفع الجميع الأثمان الباهظة نفسياً وصحياً، ويخصم ذلك من النجاح والسعادة للأسرة كافة؛ فالعصبية لا تجدي وتحرق ولا تضيء، وبعض الأبناء عصبيون مع أسرهم فقط؛ لأنهم لا يردعونهم.

لن نكتفي بعرض كيف نصنع عصبية الأبناء وسنقدم خطوات عملية لعلاجها..


البداية
تبدأ صناعة عصبية الأبناء منذ الأشهر الأولى للميلاد؛ فيلعب البعض لعبة "خطف" الأشياء من الطفل "فيصرخ" لاستعادتها ويضحك الأهل ويكررون ذلك؛ ونرحب باللعب مع الطفل بشرط عدم دفعه للصراخ، وعدم تلبية أي طلب له عندما يصرخ وهو ما يقودنا لتصرف شائع؛ فيصرخ الطفل طلبا لأي شيء "فيسارع" الأهل بالاستجابة ومنحه ما يريد "ونعلمه" أن الصراخ "وسيلتك" المضمونة والسريعة لتنال ما ترغب..
ونوصي بالامتناع عن تلبية رغبته عندئذ وألا نرد على صراخه بالمثل فيشعر الطفل "بالندية" مع الأهل ويواصل الصراخ طلبا للاهتمام حتى لو لم يحصل على ما يريد.
ويجب "تمثيل" الهدوء وعدم النظر للطفل وهو يصرخ؛ لمنع انتقال عدوى العصبية، ونأمره بهدوء بالتوقف عن الصراخ ونؤكد أننا لن نستمع لأي كلمة ما لم يقلها بهدوء، ونأمره بترك المكان ولا يعود إلا بعد أن يهدأ تماما، ونكافئه بكلمة أو باحتضانه كلما تحسن ونعاقبه بحرمانه من شيء يحبه إذا تمادى بالصراخ. 

تنبه للأسباب
من مسببات العصبية؛ الإسراف بتناول الحلوى والمياه الغازية والوجبات السريعة، والجوع، والسهر؛ وحل الأخير بإشغاله بألعاب بدنية لتنتظيم نومه، وكثرة مشاهدة الفضائيات وألعاب الإنترنت والمحمول ومهم متابعة ما يشاهده الطفل وابعاده عن أفلام العنف؛ وتقليل ألعاب الآنترنت واستبدالها بالرسم والصلصال والألعاب اليدوية التي تستغرق وقتا، والتدليل الزائد أو القسوة و كثرة الأوامر بصوت عال وبعصبية وكثرة المشاكل بين الأبوين وتصديرها للأبناء.

اعتراف ولكن
أتوقف عند "اعتراف" أم عاملة أخبرتني بصراخها في أطفالها لأنها لا تملك وقتا كافيا للكلام معهم لإنشغالها وكانوا يستجيبون "خوفاً" ثم قلدوها.
احترمت اعترافها وأخبرتها أن الوقت والجهد الذي تستغرقه عندما تكلمهم بهدوء وبلا "محاضرات" وبأقل كلمات بما تريدهم فعله مع ابتسامة ووعد –تلتزم بتنفيذه- بمكافأتهم بعد فعله؛ أقل بكثيرا مما يستغرقه الصراخ والرد على "مقاومتهم" له والدخول بجدال "يضيع" هيبة الأم وهي ضرورية للنجاح بدورها.
وأكاد أسمع من يقول الأهل معذرون لكثرة المسؤوليات وتزايد الضغوط؛ وأرد بكل الود والاحترام: المسئوليات تمنحنا خبرات رائعة ولن تحل العصبية أي مشكلة لأنها كسكب الوقود على النيران، وأوصي عند التوتر أو الارهاق "بتأجيل" الحديث مع الأبناء وعدم إفراغ العصبية عليهم؛ فسنكون قدوة لهم بأن العصبي من "حقه" أن يفعل ما يشاء والأفضل للجميع اخبار الأبناء بهدوء أننا متعبون ونحتاج للراحة ولا نقول عصبيون، وهذا درس عملي بأننا نستطيع تأجيل رد الفعل ونعلمهم اللجوء للراحة وقت احتياجها "واحترام" رغبة الأخرين بالراحة.
ضعف وعيب
على الوالدين تهدئة النفس والتخلص من العصبية؛ لأنها تؤذي نفسيًا وصحيًا وتحرمهما من الاستمتاع بنعمة الأبناء ومن صداقتهم وحبهم، ونوصي باللعب والتنزه معهم ، ولو بجولة قصيرة بجوار المنزل.
ونوصي بمواجهة عصبية الأبناء بالهدوء التام، وتغيير اهتمامهم، فمثلاً إذا كان الابن يتشاجر مع أخيه، فنقول: اذهب واحضر لعبة لتلعبان بها، أو نجعل أخيه يفعل شيًا آخر.
والتجاهل مشروط بعدم التكرار ومهم "منع" تحولها لعادة، ونجعله يكره العصبية ويراها "ضعفًا" وعيبًا وليست قوة كما يتوهم، ويخسر بسببها وتهدئته عند الانفعال وتدريبه على التنفس بعمق بهدوء لطرد العصبية؛ فهي ليست قدرًا بل اختيار.
من ألوان العصبية الصراخ والبكاء الهيستيري ولطم الوجه وضرب الرأس بالأرض وتكسير الأغراض؛ وكل ذلك يفعله الابن "لإجبار" الأهل على الانصياع لرغباته؛ فيخضعون؛ خوفا من إيذاء نفسه؛ أو للتخلص من الضجيج طلبا للراحة وللهدوء "المؤقت" وستتضاعف عصبيته، والصواب منعه من الاسترسال بحزم وبهدوء؛ فهو يصرخ بكامل وعيه ويرى أن أحدا لن يوقفه.
ولا يعاقب بالضرب ولكن بالحرمان مما يحب وعدم الخضوع لصراخه، ولا يستعطف بكلمات مثل: لماذا تفعل ذلك؟ أو لا نستحق ذلك؛ منعا للتمادى، ولا نكثر من الكلام؛ فنتائجه عكسية ونؤكد أنك لن تقبل ذلك وأنه يخاصم الذكاء ويعادي نفسه بالعصبية.
حلول عملية
ولكل من يعاني من عصبية ابنه نؤكد: مهم التوقف أولا عن وصفه بالعصبي؛ حتى لا تدعم عصبيته، ويقول لنفسه أنا عصبي وسأظل ، لا تذكر أنه يشكل مشكلة لك أبدًأ، ولا تشكو منه ولا تتحدث عن تصرفاته السيئة امامه، فيتخذ ذلك وسيلة لاثبات نفسه؛ فبعض الأبناء يفعلون سعيا لفت انتباه الأسر والفوز بالاهتمام والحب..
ويجب أن تكون توقعاتك عن التربية واقعية، فلا يوجد طفل لا يخطيء ولا يوجد طفل لا يشاغب، ولا يوجد طفل مطيع دائما، ولا تعامل ابنك بندية وكما لو كنتما من عمر واحد؛ فذلك يفقدك الهيبة ا ويدفع ابنك للعصبية والصراخ أكثر، واحتفظ دائمًا بالسيطرة بيديك، وهي لا تعني الصراخ بل الحزم الهادئ، وكلما كنت هادئًا تمكنت من قيادة ابنك أفضل والعكس صحيح.
ولا تكرر معاملتك السابقة معه، وقد ثبت أنها لم تحقق نفعًا، ربما لنقص الخبرة أو لشدة حبك لابنك فكنت تلبي طلباته عندما يصرخ وأثمرت طفل عصبي لا يسمع الكلام ويشاغب، ولابد من تغييرها بالكامل، وانتهاج طريقة هادئة لا تعتمد على الصراخ وتبتعد عنه تمامًا، ولا تسبه ولاتنال منه بألفاظ جارحة، وعندما يخطئ عاقبه بهدوء وهذه طريقة مجربة وتحقق نتائج رائعة للغاية.
وأتمنى استغلال الأجازات وصنع صداقة جميلة مع ابنك، واحتوائه بذكاء وحنان وبتحريضه على اختيار الهدوء،. وعندما يتحسن شجعه واحتضنه، وكافئه معنويًا وماديًا، فبعض المكافأت معنويًأ وبعضها ماديًا، حتى لا تستبدل عادة العصبية، بأن يصبح ماديًا.

نعمة وليس أعباءً
حتى لا نصنع عصبية الأبناء فلتتسع صدور الأهل باليقين أنهم "نعمة" وليسوا أعباءًا تثقل كاهلهم والامتناع عن "تساهل" كثير من الأهل عند ارتكاب الأبناء الأخطاء لانشغالهم عندئذ أو للتدليل الزائد؛ فيكرر الابن الخطأ فينفجر الأهل غضبا؛ والأفضل للجميع المسارعة بإفهام الطفل الخطأ وقت حدوثه."وتوقع" أن يرتكبوا الأخطاء؛ فقد أخطأنا ونحن صغارًا؛ مع ملاحظة أنهم محاصرون بأسباب "تحرض" على الخطأ" كالإنترنت والفضائيات وهذا لا يعني الوقوف مكتوفي الأيدي، أمامها، ولكن بالتعامل معهم بهدوء اكثر وحزم أكثر وباعتماد مبدأ الثواب والعقاب وليس الصراخ والضرب، فمثلًا إن تصرفت بشكل مهذب سأمنحك وقتًا إضافيًا على الكمبيوتر أو سأشتري لك اللعبة التي تريدها، وأو سأخذك في النزهة التي تحبها.
وعلى الوجه الآخر إن لم تفعل ذلك فستحرم من التنزه والكمبيوتر والجلوس أمام التلفاز، وذلك بربط دائم لأخطائه بالعقاب ولأعماله الجيدة بالثواب..

  • عنوان تمهيدي: اصنع حياتك
عدد المشاهدات 4472

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top