بعد التقاعد.. كيف تعيش قوياً وشاباً؟

12:52 10 يونيو 2019 الكاتب :   نجلاء محفوظ (*)

 التقاعد عن العمل يكرهه ويخاف منه الملايين، ويرحب به القليلون، ثم يفاجَؤون بأزمات التقاعد.

في الأسطر التالية، نوضح كيف نوظف كراهية التقاعد ليفوز من ترك العمل بحياة أفضل نفسياً وصحياً، وليسترد ما فقده من قوته وشبابه لانغماسه الزائد بالعمل ومشكلاته، وليبدأ بمنح نفسه الرضا والسعادة؛ ليس كمكافأة نهاية الخدمة، ولكن كبداية لعمر جديد يتحرر فيه من قيود الوظيفة، ويستمتع فيه بإنجازات أخرى تشبعه وترضيه، ويزيل خسائر التقاعد المادية والنفسية.

التقاعد يعني ترك العمل، وليس انتهاء الحياة أو إجازة مفتوحة، ولا يعني تقدمك بالعمر؛ بل هدية لتعويض نفسك عما فاتك ولتحسين حياتك.

لا تبحث عمن يدعمك؛ فالجميع مشغولون، ولا تحتاج لدعم خارجي، فأفضل دعم ما يأتي منك بعد الاستعانة بالله تعالى، قل لنفسك: سأبدأ مرحلة أفضل، وسأهتم بنفسي، وأوسع حياتي بتدرج، وأطرد ما يعكر صفوي، وأزرع ما يسعدني.

عندما تخطط ستتحمس وستتسع حياتك، والعكس صحيح، اكتب أهدافك لحياتك المقبلة واقرأها يومياً، ضع على رأسها إرضاء ربك بحياة سعيدة، والتمتع بالصحة النفسية والجسدية، ومضاعفة قدراتك وتركيزك، والاستفادة القصوى من أوقاتك، وعدم السماح للفراغ أو للملل بالتسلل إليك، وتجنب المشاحنات والمشكلات مع الآخرين.

لا تنكر إحساسك بالحزن، وربما الضعف، بعد التقاعد، فهذا شعور طبيعي، ولا تسمح له بالإقامة بحياتك.

لا تقل أبداً ولو لنفسك: لقد ولى زماني، وأقضي ما بقي من عمري انتظاراً للموت، فما دمت على قيد الحياة، فلتسعد نفسك.

امنع الاكتئاب

اصنع روتيناً يومياً لك وغيّر فيه، ولا تسمح بتشابه الأيام فتصنع الاكتئاب، واجعل للترفيه المباح نصيباً يومياً، وحافظ على مرحك واستعِده لو فقدته، واسعد بما لديك ولم تهتم به سابقاً، ولا تقلل نشاطك فتفقد حيويتك.

اكتب لنفسك الأنشطة التي تسعدك، واحرص على فعل بعضها يومياً، ويمكنك حفظ القرآن، وتعلم لغات، ومواصلة تعليمك، أو الحصول على دورات تفيدك بالإنترنت، وتعلم مهارات جديدة تسعدك وتضاعف تركيزك وتملأ حياتك.

لا تخف من الوحدة فتلتهمك، واستفد من أوقاتك، ومارس هواياتك التي أهملتها لانشغالك بالعمل وبتربية الأولاد، ولا تخبر من تعرف أنه سيسخر منك، فالإنسان بلا هواية إنسان غير سعيد.

راقب حديثك، فإذا كنت تذكر السلبيات كثيراً وتؤكد أن الحياة بالماضي كانت أفضل فتراجع فوراً، ولا تتمادَ فتتعب نفسياً وتزرع الاكتئاب بعقلك وقلبك، وركز على النقاط المضيئة بحياتك وبما حولك، وإن قلّت، واشكر الله عليها؛ فالشكر يزيد النعم، والحسرة تورث السخط.

تجنب التواجد مع الذين يكثرون الشكاوى، ولا تحاول تغييرهم، فالأسهل أن يجذبوك للأسفل معهم، وغادرهم بأسرع وقت حتى لا تصبح مثلهم ولو بعد حين، ترديد الشكاوى يزرع بالنفس المرارة والحسرة والغضب الداخلي.

حكمة وبركة

تعامل مع انخفاض الدخل بإيجابية؛ فأنفق بحكمة أكثر، ولا تشعر بالحرمان، فهو يؤذي نفسياً، وخصّص مبلغاً شهرياً للتنزه، وهذا ليس رفاهية بل هو علاج نفسي ووقاية من الاكتئاب، ويخسر كثيراً من يتجاهله.

لا تنكر خوفك من تناقص مدخراتك، واستغل ذلك بحسن الاستفادة منها، وألّح على الله بالدعاء بالبركة وستلمس الفرق الواضح.

لا تنتظر المرض ولا تتوقعه فيأتي، فالمرض لا علاقة له بالتقاعد عن العمل، بل يرتبط بالحالة النفسية السيئة، وهي منشأ غالبية الأمراض، ولا تقضِ أوقاتك مع كبار السن فقط، واحرص على قضاء بعض الوقت مع الشباب، ليس لتجديد شبابك، فالشباب ينبع من داخل الإنسان، ولكن للاستمتاع بصحبتهم، ولا تجبرهم على الاستماع لنصائحك وخبراتك ولا تتطوع بها، واكتفِ بكبسولات مكثفة لا تتعدى الدقيقة مع تغليفها بابتسامة حب.

يبالغ بعض الرجال بمتابعة أمور أسرته، ويتدخل في كيفية صنع الطعام وأمور النظافة، ويتسامحون معه أولاً، ثم يضيقون بتبرمه، ويحس أنه أصبح ضيفاً غير مرغوب به بأسرته فيتألم.

وتملأ بعض النساء الفراغ بعد التقاعد بالمبالغة بالنصح لبناتها وأبنائها المتزوجين ومتابعة شؤون صديقاتها الأسرية وتحصد المضايقات.

ويفعل البعض ذلك مع الأقارب والجيران؛ فيصطدم بالمشكلات، ويتألم ويتعذب ويشكو عدم احترام الكبار والجحود، فلننتبه لذلك لحماية النفس وللحفاظ على حسن العلاقات لأهميتها.

ولا تتوقع عند الاتصال بأصدقاء مرت أعوام طويلة لم تتحادثوا ترحيبهم باتصالك وعودة الصداقات القديمة؛ فالجميع لديه علاقاته، والبعض لا يرحب بالجديد، اكتف بالاتصال على فترات، واسعد بمن يرحب بإعادة التواصل وإن قلّ.

حياة جميلة

يهمل الكثيرون من الجنسين الاهتمام بالمظهر خارج البيت وداخله بعد التقاعد، فالاهتمام بالمظهر يحسن الحالة النفسية، ويمنح صاحبه الرضا الجميل عن نفسه وينعشه، ونحتاج لذلك بلا مبالغة، ونسعد بشراء الملابس الجديدة.

كل دقيقة تقضيها في ممارسة الرياضة تضيف إليك صحياً ونفسياً، وتساهم بصنع مستقبل أفضل لك، فاحرص على ممارستها لتشعرك بانتعاش تحتاجه، ولو استطعت ممارستها بمركز رياضي أو بالمشي بجوار بيتك، ولا تجلس لفترات طويلة فهو ضار صحياً، واحرص على السير ولو ببيتك دقائق كل ساعتين، وبإمكانك السير وأنت تشاهد برنامجك المفضل.

تذكر أن الاستسلام للفراغ انتحار بطيء؛ ولا تهدر عمرك بمتابعة “فيسبوك” والجلوس أمام الفضائيات، فالإكثار منها يسلب الصحة النفسية ويضعف الجسدية، خصص لذلك أوقاتاً محددة، تذكر نجاحاتك وإنجازاتك، واقض أوقاتاً لطيفة مع الأحفاد وشاركهم ألعابهم، وبدلاً من انتظار مكالمة من أحد الأقارب أو زيارة بادر أنت بذلك.

لا تنكر خوفك من الموت، واجعله وسيلة لترضي ربك، ولتأخذ نصيبك من الدنيا، ولا تستدع خبرات سلبية، ولا تتوقع أن الآتي أسوأ؛ فقد خلقك الله ليسعدك لآخر لحظة بعمرك.

ابحث عن عمل ولو بدوام جزئي، ولو بعائد مادي قليل؛ لتشغل أوقاتك، أو تطوع بالعمل وستحس بالرضا لمواصلة العطاء وبأن دورك بالحياة لم ينته، اهتم بالعمل التطوعي ولو بإعطاء دروس مجانية لغير القادرين، وزيارة المرضى، ومحو الأمية، والاستفادة من خبراتك بالعمل بها، أو بإعطاء دورات ولو مجانية أو بكتابتها في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، ويمكن عمل فيديوهات صغيرة وموجزة ووضعها على “يوتيوب” لإفادة الغير بها.

لو تقاعدت قبل زوجتك فلا تتعامل بحساسية زائدة معها، ولا تحاول فرض سيطرتك عليها وعلى الأولاد، وواصل تعاملك الطبيعي معهم.

قوة وشباب

امنع أي زيادة بالوزن، ولا تسمح لها بالتراكم، فتخصم من حيويتك وتكون عدواً لصحتك النفسية والجسدية.

لا تتعامل مع المرض على أنه مقدمة للأسوأ، فالأطفال يمرضون، واتبع تعليمات الطبيب بدقة.

لا تتعامل مع موت من يقاربك بالعمر على أنه مؤشر لقرب موتك، فالشباب يموتون، وليكن شعارك “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل ولآخرتك كأنك تموت غداً”.

استرد قوتك، وضاعف شبابك، وتخلص من كل الانشغال الزائد بتفاصيل الحياة، وأتقن التسليم المطمئن، وتجاهل الصغائر التي تستنزفنا نفسياً وصحياً، واختر التركيز على النعم التي لديك، وأكثر من شكر الله عليها، ولا تتعامل مع أي مشكلة وكأنها كارثة، وازرع الهدوء بعقلك، والعصبية لا علاقة لها بالتقاعد، بل يغذيها الفراغ والمبالغة بتفسير أي رفض لرغباتنا بأنه استهانة بنا أو عدم تقدير.

اهتم بشرب الماء، وتناول الطعام الصحي، واحرص على السفر ولو في بلدك، فالسفر يجدد الحيوية ويحسن نفسيتك.

أخيراً.. ستبقى شاباً وقوياً متى فكرت بنفسك كشاب، واحتفظت بابتسامتك وحماسك للحياة وحسن ظنك بالله، وواصلت سعيك لفعل أي شيء مفيد لنفسك وللآخرين، وسعيت لإعمار الحياة ما بقيت بها.

 

_________________________

(*) كاتبة ونائبة رئيس تحرير «الأهرام».

عدد المشاهدات 6359

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top