تجربتي في تنمية مهارات طفلتي المتأخرة لغوياً

20:23 12 يونيو 2019 الكاتب :   إلهام فرج سليمان (*)

لم أكن أتخيل أبدًا أن أسرد يومًا ما تجربتي الخاصة في مسيرة تربية وتعليم أطفالي؛ فقد كنت أرى أن تنشئة الطفل ليست بالأمر العسير، ولكن عندما وُضعتُ قيد التجربة وجدت أن تنشئة الطفل عملية تستدعي التأمل والتركيز والتحلي بالتوعية ولو بالقليل في سبيل متابعة تطور الطفل أثناء رحلة تطوره بدايةً من الشهور الأولى مرورًا بسنوات النمو.

في البداية لم أدرك أن اكتساب الطفل للمهارات والكلام أمر يحتاج إلى الصبر والتكرار والتدريب والعناء، فلم أكن أفكر أبدًا في عملية اكتساب الطفل للغة وتعلمه لمهارة جديدة بهذه الطريقة إلا حينما اكتشفت مشكلة طفلتي في اكتساب اللغة وهي «التأخر العام» بحسب ما يصنفها الأطباء المختصون.

رحلتي ما بين اليأس والرجاء

كنت أعتقد أن الطريقة التي يندمج فيها الطفل أثناء اللعب تتم بصورة عشوائية من وجهة نظري المغلوطة، بل إن محاولة الطفل لوضع إصبع قدميه في فمه كانت محاولة حمقاء بالنسبة لي، فكنت أتساءل: ما هي المتعة من فعل ذلك؟ لم أكن أعلم أنها بتلك التعقيدات، بل إن محاولته الحمقاء تلك هي مهارة تنمي التآزر بين عينيه وعضلات يديه، وقد لا تتم من مرة واحدة بشكل صحيح بل يحتاج الطفل إلى التكرار والجهد لإتقانها، وأن كل محاولاته لوضع شيء دقيق في فمه، ومحاولة لمس الشمعة المشتعلة، وتذوق الأحذية، التي كانت من وجهة نظري محاولات لإيذاء نفسه، بينما هي في الحقيقة محاولات منه لاكتشاف البيئة من حوله، والكثير والكثير من المهارات التي لم أركز في اكتساب الطفل لها إلا حينما تأخرت طفلتي في اكتسابها؛ فأدركت حينها أن اللعب هو بوابة الطفل للتعرف على العالم من حوله، وأنه يمكن استغلال اللعب في التعلم.

مرحلة تخطي عبارات ونظرات أحدّ من السيف

مشاعر الحزن والحيرة تملكتني كثيرًا، وكان فقدان الأمل هو صديقي لفترات طويلة، لكنني تجاوزت كل ذلك، وتوقفت عن كل ما يزعجني؛ بداية من مقارنة طفلتي بالأطفال الآخرين من نفس عمرها، وتعليقات الآخرين التي كادت أن تتسبب في عزلي في المنزل والتفكير مرارًا وتكرارًا قبل الخروج أو الذهاب إلى عيادة طبيب الأطفال وتجمعات الأصدقاء، لكنني تجاهلت ذلك وتغافلت عن كل شيء إلا شيئًا واحدًا وهو طفلتي، وما تحرزه من تقدم حتى ولو كان بسيطًا. وبدأت أنشغل بتطور طفلتي البطيء وأحتفل بكل تطور وكأنه انتصار يستحق الاحتفال، فكلما تعلمت مهارة جديدة أو أصدرت صوتًا جديدًا كنت أشعر بفرحة تجعلني أنسى كل ما مضى من ألم، على الرغم من أن تلك المهارة البسيطة يجيدها الأطفال الأصغر منها عمرًا!

تخطي الحواجز والخروج إلى النور

لم أكن أعلم كيف أبدأ؟ ومن أين أبدأ؟ ومن يجب أن أستشير؟ تعثرت وتخبطت كثيرًا وتجولت حائرة بين مواقع التواصل الاجتماعي واستشارات الأصدقاء وذوي الخبرة في تنمية المهارات إلى أن أدركت أنه لا بد من التوجه إلى أخصائي تخاطب لمساعدتي في تخطي الأمر.

وبدأت رحلتنا في جلسات تنمية المهارات والتخاطب، لكنها لم تكن كافية بالنسبة لي، ولم ترضيني؛ فأنا أحاول جاهدة سد كل الثغرات التي تحول بينها وبين من هم في نفس عمرها. فاتبعت منهج منتسوري في تنمية مهاراتها بجانب جلسات التخاطب وتنمية المهارات، واخترت هذا المنهج لأنه يحترم الفروق الفردية بين الأطفال. فبدأت بأنشطة أصغر من عمرها، وكنت أسلط كامل تركيزي على الأنشطة التي تناسب قدراتها ومستواها حتى نصل فيما بعد إلى الأنشطة التي تناسب عمرها الحقيقي.

الأنشطة والمهارات التي اتبعتها في مسيرة تطور طفلتي

ومن خلال البحث الدؤوب والاطلاع المستمر على كافة المدونات والبرامج التي تساعد في علاج حالة «التأخر العام» بدأت التركيز على تلك المهارات لمساعدة طفلتي على التطور وتخطي المرحلة، والتي تنقسم إلى:

1- المهارات الحركية الكبرى والدقيقة.

2- مهارات الانتباه والتركيز.

3- المهارات اللغوية.

4- المهارات العقلية والمعرفية.

5- المهارات الاجتماعية.

6- المهارات الحسية.

7- مهارات الحياة اليومية والاعتماد على النفس .

8- التعلم من خلال اللعب.

أولًا: المهارات الحركية

لأن طفلتي بدأت في المشي متأخرًا بعد تجاوزها عمر عام ونصف، بدأت أعلمها المهارات الحركية الأخرى وبدأت تدريبها على بعض التمارين الحركية البسيطة مثل:

1- صعود وهبوط السلم يوميًا بمساعدة.

2- القفز من أعلى الكرسي بمساعدة.

3- المشي في خط مستقيم لتنمية التركيز لديها حتى تتمكن من المشي بثبات بمفردها.

4- استخدام الكرة المطاط في أنشطة التوازن وتقوية العضلات.

مهارات اليد الدقيقة

كانت طفلتي تحتاج إلى تدريب عضلاتها الدقيقة حتى تصبح أكثر تحكمًا في مسك الأشياء مما سيسهل عليها فيما بعد العديد من الأشياء؛ كحمل الملعقة جيدًا ومسك القلم واعتمادها على نفسها. وكان اللعب بالصلصال خيارًا جيدًا لتنمية تلك المهارة، بجانب الرسم في الرمال والدقيق الأبيض والرسم الحر بالفرشاة والألوان وغيرها من الأنشطة. لذا بدأت معها التمارين التالية لتقوية عضلات يديها الدقيقة وزيادة الانتباه والتركيز معًا:

1- نشاط وضع الأقراص الدائرية في العصا الخشبية. هذا النشاط يساعد على التركيز والتحكم في عضلات اليد والتآزر ما بين حركة العين وحركة اليد.

2- نشاط وضع الأشكال الهندسية في أماكنها الصحيحة ومطابقة الشكل بالشكل.

3- أنشطة نقل الحبوب من وعاء لآخر باستخدام اليد ثم التدرج باستخدام الملعقة.

4- تركيب مشابك في إناء لتقوية عضلات اليد.

5- أنشطة صب محتويات سائلة من إناء لآخر باستخدام إبريق.

6- نقل محتويات سائلة باستخدام إسفنجة وعصرها.

وغيرها من الأنشطة الأخرى مثل: استخدام المقص الورقي، والتدريب على استخدام الملعقة، واللعب بالصلصال الآمن، ولَضْم الخرز.

ثانيًا: أنشطة الاعتماد على النفس ورعاية الذات

نصيحة: لا تتردد أبدًا في مشاركة طفلك لك في الحياة اليومية، بداية من مساعدتك في تلميع الأثاث وإعداد المائدة ونقل الأطباق إلى المطبخ ووضع ألعابه في أماكنها الصحيحة بعد الانتهاء من اللعب، وغيرها من الألعاب البسيطة التي تتناسب مع عمره حتى يشعر أن له دورًا فعالاً في الأسرة وعليه مسؤوليات وواجبات.

بعض الأنشطة على رعاية الذات (في هذا الجانب من جوانب تنمية المهارات كان هدفي هو اعتماد طفلتي على نفسها):

1- تدريبها على استخدام الكوب والملعقة والشوكة بمساعدة ثم بدون مساعدة.

2- تدريبها على استخدام فرشاة الأسنان والمعجون.

3- تدريبها على استخدام المشط وتمشيط شعرها.

4- تدريبها على ارتداء الحذاء ووضعه في مكانه الصحيح.

ثالثًا: المهارات الاجتماعية والتعرف على البيئة

لأن الطفل يتطور لغويًا واجتماعيًا باختلاطه مع الآخرين، ولا بد أن يعيش في بيئة تشجعه على التواصل وتتقبله كما هو، لذا فمن الضروري أن يتعرض الطفل لتجارب اجتماعية مختلفة كزيارة الأهل والأقارب واللعب مع الأطفال الآخرين، وتكوين صداقات في النادي وممارسة الألعاب المناسبة للطفل خارج المنزل. فالطفل يحتاج إلى الاستكشاف الحر والتعرف على الطبيعة والبيئة من حوله كالشمس والهواء والسماء ومشاهدة النباتات ولمسها ومشاهدة الحيوانات على الطبيعة وسماع أصواتها.

رابعًا: المهارات الحسية

كان تركيزي في هذا الجزء من المهارات على تنمية حواس طفلتي الخمسة: اللمس والسمع والشم والبصر والتذوق، بالإضافة إلى التآزر بين العين وحركة اليد. ويركز كل نشاط على حاسة من الحواس أو أكثر.

بعض الأمثلة على أنشطة تنمية المهارات الحسية:

1- قراءة بعض القصص المصورة والكتب التفاعلية.

2- نشاط سلة الكنز.

3- تصنيف الألوان.

4- الأسطوانات ذات المقبض.

5- لوحة تمييز الملمس.

6- الزجاجات الصوتية.

خامسًا: المهارات اللغوية.

بجانب تمارين النفخ والشفط وتمارين الشفاه واللسان لتهيئة جهاز النطق، كانت نصائح أخصائية التخاطب لنا هي إغلاق كل شاشات التكنولوجيا (التابلت والموبايل والتلفاز) والتحدث مع الطفل طوال اليوم، ووصف الأشياء له من حوله ومسمياتها، وتدريبه على إصدار بعض الأصوات البسيطة. فأنت وسيلة طفلك الوحيدة للتعرف على العالم من حوله، فهو يتعلم من خلالك ومن خلال الحياة اليومية، بداية من استيقاظ طفلك وحتى خلوده إلى النوم قم بتعريفه على مسميات الأشياء من حوله ووظائفها، وقراءة القصص له، وعرفه على أسماء الخضروات والفواكه والحيوانات، وربط أصوات الحيوانات بمجسماتها.

سادسًا: المهارات العقلية المعرفية.

كل المهارات التي يقوم بها الطفل تنمي مهاراته العقلية وتطورها، فوضع أشياء في وعاء ثم تفريغها يزيد من النمو العقلي للطفل، ومحاولته لإيجاد شيء مخبأ تحت وعاء أيضًا يزيد من قدراته العقلية.

بعض الأمثلة على تنمية المهارات العقلية والمعرفية:

1- تركيب بازل من قطعة واحدة ثم التدرج إلى قطعتين وثلاثة وهكذا.

2- محاكاة أشكال من المكعبات (بحيث يتم عمل شكل بسيط من المكعبات وعلى الطفل محاكاة الشكل).

3- التدريب على فرز المتشابهات ومطابقة مجسم بمجسم ثم التدرج إلى مطابقة مجسم بصورة من المجموعات الضمنية كالفواكه والخضراوات والحيوانات.

4- التعرف على الأشكال الهندسية والمجموعات الضمنية.

5- التدريب على بعض المفاهيم البسيطة من خلال التعامل اليومي، على سبيل المثال: سخن/ بارد، وكبير/ صغير، وطويل/ قصير.

6- تنمية التفكير المنطقي البسيط من خلال اكتشاف العلاقة بين الأشياء، مثل: الحذاء والشراب، الفرشاة والمعجون وهكذا.

سابعًا: التعلم من خلال اللعب

ولا ننسى تنمية اللعب التخيلي وتبادل الأدوار كتمثيل اللعب بدور طبيب أو معلم وهكذا، يمكننا فعل ذلك من خلال أنشطة رعاية الآخرين كالاهتمام بالدمية وإطعامها، أيضًا في هذا الجانب ركزت على تدريب طفلتي على انتظار الدور، وتبادل اللعب بالكرة معًا واللعب بالمشاركة حتى تتمكن من اللعب مع الأطفال فيما بعد.

ثامنًا: المهارات الاجتماعية

1- خصصت يومًا أسبوعيًا لزيارة طويلة للأهل واللعب مع أطفال العائلة.

2- حاولت قدر المستطاع توفير وقت للعب مع أطفال الأصدقاء في النادي.

3- كما حاولت اصطحاب طفلتي إلى الأماكن العامة والسوبر ماركت.

وفي النهاية وبعد رحلة طويلة من متابعة جلسات التخاطب واتباع مناهج تنمية المهارات والتدريب المستمر بالمنزل، بدأت طفلتي بالاستجابة الحقيقية، ودبت في نفسي شعلة الأمل بعدما كادت أن تنطفئ. فالتجربة حقًا تستحق المثابرة والعناء في سبيل سماع كلمة «ماما»، وفي سبيل تطور طفلتي بشكل ملحوظ. وما زالت رحلتنا قيد الاستمرار والجهد، وأسأل الله أن لا ينطفئ شعاع الأمل بداخلي والشغف لمساعدة طفلتي على تجاوز تلك الثغرة التي تحول بينها وبين من هم في مثل عمرها.

 

_______________

(*) المصدر: إضاءات.

عدد المشاهدات 6610

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top