“خصائص المرحلة العمرية”.. بوصلة النجاح في تربية الأولاد

11:56 13 يوليو 2019 الكاتب :   ياسر محمود (*)

- من أهم الموجهات التي تضعنا بالاتجاه الصحيح في تربية أولادنا معرفة خصائص المرحلة العمرية لهم

- إذا تكرر عدم الاستجابة لبكاء الرضيع فإن ذلك يشعره بعدم الأمان ويفقده الثقة فيمن حوله

- عدم إدراك الآباء لطبيعة حركة الطفل ومطالبته الدائمة بالجلوس هادئاً ربما يؤثر على النمو الحركي للطفل

- حين يغيب إدراك طبيعة المراهق ويتعامل الآباء مع أولادهم بطريقة لا تراعي طبيعتهم تزداد فجوة التواصل بينهم

 

تعطلت إحدى السفن ذات مرة؛ فاستعان أصحابها بكثير من الخبراء المتاحين، لكن لم يستطع أحد منهم أن يصلح المحرك، ثم أحضروا رجلاً عجوزاً خبيراً يعمل في إصلاح السفن مند أن كان شاباً، فحص الرجل المحرك بشكل دقيق، وبعد الانتهاء من الفحص الذي استغرق وقتاً كبيراً، ذهب إلى حقيبته وأخرج مطرقة صغيرة، وبهدوء طرق على جزء من المحرك، فعاد المحرك للحياة مرة أخرى.

واستلم أصحاب السفينة فاتورة الإصلاح، وكانت عشرة آلاف دولار! فاندهشوا من هذا الرقم الكبير مقارنة بما قام به العجوز من جهد، فطلبوا منه أن يرسل فاتورة مفصلة، فأرسلها كالتالي: الطرق بالمطرقة 1 دولار، ومعرفة مكان الطرق 9999 دولاراً.

إن معرفة «مكان الطرق» هو ما نحتاجه بالضبط مع أولادنا، فكثير منا قد يبذل جهداً كبيراً في تربية أولاده، لكن في الاتجاه الخاطئ، بينما يبذل آخرون جهداً أقل، لكنه في الاتجاه الصحيح، فتكون النتيجة أكثر إثماراً مع أولادهم.

ومن أهم الموجهات التي تضعنا في الاتجاه الصحيح في تربية أولادنا أن نتعرف على خصائص المرحلة العمرية التي يمر بها كل منهم.

فحين نتعرف على طبيعة أولادنا وخصائصهم في المراحل العمرية المختلفة، نكون قادرين على تفهم ما يصدر منهم من سلوكيات وتصرفات؛ وبالتالي نكون أقدر على التعامل مع هذه السلوكيات بشكل هادئ يساعد على تنمية شخصياتهم بشكل سوي.

ولكن حين يغيب عنا طبيعة أولادنا؛ فإننا نقع في العديد من الأخطاء التربوية التي ربما ينبني عليها العديد من المشكلات في تواصلنا معهم، بل وقد تؤثر أيضاً على بناء شخصياتهم بشكل سلبي.

بكاء الرضيع والأمان النفسي

وعلى سبيل المثال، فإن من خصائص الشهور الأولى في مرحلة المهد والرضاعة (من الميلاد إلى عامين) كثرة بكاء الرضيع.

وعدم إدراك الأم لطبيعة الرضيع في هذه المرحلة، وعدم تفهمها أن البكاء هو وسيلته الوحيدة التي يمتلكها للتعبير عن حاجاته المادية أو المعنوية؛ ربما يؤدي إلى شعورها بالضيق الشديد منه، وقد يتبع ذلك عدم الاستجابة لبكائه.

وإذا ما تكرر سلوك عدم الاستجابة لبكاء الرضيع، فإن ذلك يشعره بعدم الأمان، ويفقده الثقة فيمن حوله، وربما يكون لذلك انعكاس سلبي على صحته النفسية وعلى تكوين شخصيته، بل ربما يؤثر ذلك بالسلب على جهازه العصبي، خاصة إذا تُرك يبكي لفترات طويلة حتى يصل إلى مرحلة الإجهاد الشديد.

وعلى النقيض من ذلك، فإن استجابة الأم لبكاء رضيعها، وتلبيتها لحاجاته بسرعة وبكفاءة؛ يمنحه شعوراً عميقاً بالأمان والحماية، وهذا بدوره يرفع حالة السلام النفسي له، ويؤثر بشكل إيجابي في بنائه النفسي وفي تكوين شخصيته.

وفي مرحلة الطفولة المبكرة (2 - 6 سنوات) يكون خيال الطفل واسعاً وخصباً، فإذا رأى سيارة كادت أن تصدم شخصاً يعبر الطريق، لكنها توقفت قبل أن تصل إليه ولم يحدث شيء، فإنه حين يقص هذه الواقعة على الآخرين ربما يخبرهم أنه رأى سيارة تصدم شخصاً، فإذا به يطير في الهواء إلى أعلى ليسقط فوق إحدى الأشجار، ثم يسقط من فوق الشجرة على الأرض.. وهكذا.

وفي هذا الوصف فإنه لا يتعمد الكذب، ولكن خياله الخصب يفرض عليه هذه الإضافات، فهو ينطلق من واقع حقيقي ولكن خياله يضيف إليه الكثير.

وإذا لم يكن الأهل مدركين لطبيعة الخيال في هذه المرحلة العمرية، فإنهم يتعاملون مع الطفل على أنه كاذب، وربما يصل الأمر مع بعض الآباء إلى إيذاء الطفل بدنياً ليتوقف عن هذا الكذب؛ والطفل لا يدرك لماذا يقع عليه هذا الإيذاء؛ لأنه يقول ما يدركه بخياله، وهذا بالتأكيد ينعكس على شخصية الطفل بصورة سلبية.

حركة لا تتوقف

وفي مرحلة الطفولة المبكرة أيضاً (2 - 6 سنوات) يستمر النمو الحركي للطفل في التقدم، ويحقق قفزات هائلة في هذا الجانب، حتى إنه يمكن وصف الطفل في هذه المرحلة بأنه كائن متحرك، ويصعب أن نجد طفلاً سوياً لا يشكو من علة أو مرض يجلس ساكناً هادئاً.

وإدراك الآباء لهذه الخاصية من خصائص هذه المرحلة سيساعدهم على تفهم الحركة الواسعة التي لا تتوقف لطفلهم، كما يساعدهم على التحلي بالصبر وسعة الصدر تجاه حركته التي تتميز بالشدة والسرعة والتنوع.

أما عدم إدراك الآباء لطبيعة حركة الطفل، ومطالبته الدائمة بالجلوس هادئاً وربما معاقبته لحركته المستمرة، ربما يؤثر على النمو الحركي للطفل، وقد يؤثر أيضاً على بنائه النفسي.

وكذلك في بداية مرحلة الطفولة المبكرة يكون التآزر العضلي لدى الطفل غير مكتمل، وتحوز العضلات الكبيرة على نصيب الأسد من النمو، وذلك على حساب العضلات الصغيرة المسؤولة عن إمساك الطفل بالقلم، فلا يستطيع الطفل رسم بعض الأشكال أو كتابة الحروف بدقة؛ فيكون ضغط بعض الآباء غير المدركين لطبيعة النمو العضلي في هذه المرحلة محبطاً للطفل، ويؤثر على البناء النفسي لشخصيته.

كثرة الأسئلة وحب الاستطلاع

يتسم الطفل في مرحلة الطفولة المتوسطة (6 - 9 سنوات) بحبه للاستطلاع، ويبدو ذلك في مبالغته في السؤال عن كل شيء يقابله، حتى يبدو الطفل وكأنه علامة استفهام متحركة.

وإذا ما تفهّم الآباء هذه الخاصية من خصائص المرحلة، وتقبلوا أسئلة الطفل بصدر واسع، واعتبروها شيئاً محموداً، وفرصة للتطور المعرفي لديه؛ فإن ذلك يحقق العديد من الفوائد التربوية لدى الطفل، منها: إشباع حاجة الطفل للاستطلاع، مما يساعد على تطوير قدراته بشكل عام، وخاصة قدراته العقلية، وقد سُئل أحد علماء الفيزياء بعد حصوله على جائزة «نوبل»: لماذا اختار أن يكون فيزيائياً؟ وكان رده بالقول: «إن أمي هي التي صنعت مني عالماً فيزيائياً دون أن تقصد، فالسؤال الذي كانت تسأله لي عقب عودتي من المدرسة كل يوم ليس السؤال المعتاد الذي تسأله كل أم لطفلها، وهو: ماذا تعلمت في المدرسة اليوم؟ ولكنها كانت تسألني: ما الأسئلة الجيدة التي سأَلتَها لمعلمك اليوم في المدرسة؟».

كما تنمي حسن الاستجابة لأسئلة الطفل القدرات اللغوية لديه، وتعلمه حسن الاستماع؛ فعندما يسأل عن سؤال ويستمع للإجابة يكون هذا تدريباً له على حسن الإنصات، كما تمثل فرصة للتواصل والمشاركة الوجدانية بين الآباء والأولاد، وكذلك تنمي ثقة الطفل بنفسه وبوالديه.

بينما الانزعاج والتبرم من كثرة أسئلته وإهمال الإجابة عنها، أو التهرب منها، أو الإجابة عنها إجابة غير صادقة أو ناقصة يحرم الطفل من هذه الفوائد، كما يدفعه للبحث عن إجابة لهذه الأسئلة من الأصدقاء والقرناء، فيكونون هم مصدر معرفته، وفي ذلك خطورة تربوية كبيرة.

المراهق وتقدير الذات

ومن أبرز المراحل التي يحدث فيها الصدام بين الآباء وأولادهم هي مرحلة المراهقة، وحين نحلل هذا الصدام نجد أن معظم أسبابه تعود لعدم إدراك الآباء لطبيعة هذه المرحلة وما يحتاجه المراهق فيها من تقدير لذاته، وما يتمتع به من حساسية مفرطة تجاه نقده، وسعيه للتخلص من أشكال السلطة التي تُمارس عليه، وما يمر به من أزمات انفعالية عديدة خلال هذه المرحلة.

فحين يغيب هذا الإدراك لطبيعة المراهق، ويتعامل الآباء مع أولادهم بطريقة لا تراعي طبيعتهم، فإن الفجوة تزداد في التواصل بينهم، وقد يؤدي هذا إلى ما لا يحمد عقباه في سلوكيات الأولاد وأخلاقهم.

وهكذا في جميع المراحل العمرية، يحتاج الآباء لإدراك وفهم طبيعة المرحلة العمرية كي يبنوا عليها الطريقة المناسبة للتعامل مع أولادهم.

وهذه دعوة للآباء أن يبذلوا جهداً في التعرف على طبيعة أولادهم في مراحلهم العمرية المختلفة، من خلال قراءة بعض كتب علم نفس النمو، أو من خلال مطالعة بعض مواقع الإنترنت المهتمة بذلك؛ حتى يكون جهدهم في الاتجاه الصحيح مع أولادهم.

 

_____________________________

(*) متخصص في الشؤون الأسرية والتربوية.

عدد المشاهدات 4354

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top