كيف تغرس القناعة والرضا لدى طفلك؟

11:36 01 أكتوبر 2019 الكاتب :   ياسر محمود

سيل هادر من المطالب التي لا تتوقف.. عدم الإحساس بما يتمتع به من نعم لا تُعد ولا تُحصى.. مد العين إلى ما متع الله به الآخرين من زهرة الحياة الدنيا.. رغبة جامحة في تملك كل شيء.. شعور دائم بالسخط وعدم الرضا.

هذه بعض المظاهر التي تشير إلى عدم اكتمال قيمة الرضا والقناعة لدى الأولاد، التي ينبغي ألا يغفل الآباء عن بذل الجهد في غرسها لديهم منذ نعومة أظفارهم؛ فالرضا والقناعة مثلها مثل غيرها من القيم لا يولد الإنسان مزوداً بها، لكنه يتعلمها ويكتسبها من خلال عملية اجتماعية تربوية، تعتمد على التفاعل بين الفرد وأسرته ومجتمعه، ويقع العبء الأكبر في غرسها على الآباء.

وفي السطور التالية، نقترح بعض الإجراءات التي نرجو أن تسهم في بناء قيمة الرضا والقناعة لدى الأولاد.

مناخ داعم:

1- بيت قانع:

احرص على توفير مناخ داخل البيت يسود فيه الرضا والقناعة وكلمات الشكر والحمد على كل صغيرة وكبيرة، وعدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين؛ فحينما يعيش الطفل في هذا المناخ؛ يتعلم منه الرضا والقناعة بشكل تلقائي.

2- قدوة عملية:

كن مثالاً حياً يتعلم منه طفلك الرضا والقناعة، فليس من المعقول أن تكون كثير الشكوى دائم السخط على حالك، وتطلب منه أن يكون قنوعاً.

3- تعزيز الثقة بالنفس:

احرص على تعزيز ثقته بنفسه؛ فكلما تمتع الطفل بمفهوم جيد نحو ذاته وقدراته؛ كان راضياً عن نفسه وعن حاله، وكلما قل هذا التقدير؛ شعر بعدم الرضا نحو ذاته وما يمتلكه.

4- تجنب التدليل أو التقتير:

تجنب التدليل الزائد في تنشئته؛ لأن الاستجابة لكل ما يريده طفلك يخلق منه شخصاً يسعى للحصول على كل شيء، ويطمح إلى ما يمتلكه الآخرون، وهذا يجعله دائم الشعور بالسخط وعدم الرضا رغم  كل ما يقدم له.

وكذلك ابتعد عن التقتير والحرمان في تلبية احتياجاته؛ لأن ذلك يولد رغبة شديدة لدى الطفل المحروم بالحصول على العديد من الأشياء، سواء كانت له حاجة بها أو لا؛ وذلك لشعوره بعدم الاكتفاء، كما أنه يظل متطلعاً لما في يد الآخرين وهو محروم منه.

واحرص على التزام التوسط والاعتدال في تلبية رغباته واحتياجاته.

5- ضبط ردود الأفعال:

تجنب بعض السلوكيات أو ردود الأفعال التي ربما تعزز عدم الرضا لدى طفلك دون أن تشعر؛ كأن تقول له، حين يخبرك أن صديقه عنده لعبة أجمل من لعبته: سأشتري لك أفضل منها، أو أن تعقد مقارنات بين أحوالك وأحوال غيرك ممن وسع الله لهم في الرزق، أو تقارن طفلك بغيره.

تشكيل الوعي:

1- فضل القناعة:

تحدث مع طفلك بين الحين والآخر عن فضل ومكانة القناعة والرضا عند الله تعالى بما يناسب عمره وقدرته على الاستيعاب، ومن هذه الفضائل أنها طريق للسعادة والفلاح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (رواه مسلم).

2- تنوع صور الرزق:

وضّح له أن الرزق ليس ما يمتلكه الإنسان من المال فقط، ولكنه قد يكون في الصحة والعافية، أو العقل والحكمة، أو العلم، أو محبة الناس، أو راحة البال، أو حسن الكلام.. إلخ.

3- عدم النظر لما في يد غيره:

علّمه عدم النظر لما في يد غيره، وأخبره أن أحداً لن يستطيع أن يمتلك كل شيء، لكن بعض الناس يمتلكون أشياء، وآخرين يمتلكون أشياء أخرى.. وهكذا.

4- الإحساس باحتياجات الآخرين:

 الفت انتباهه إلى احتياجات الآخرين، وعلّمه كيف يفكر ويهتم بهم، فمثلاً عندما يطلب نوعاً من الحلوى فقل له: «إنني أعلم أن صديقك فلاناً أو ابن الجيران أو ابن الحارس يحب هذه الحلوى أيضاً، فما رأيك أن ندعوه ليشاركنا فيها أو نعطيه جزءاً منها؟».

إجراءات عملية:

1- التأمل في نعم الله:

اجتهد في تعليم طفلك التفكر والتأمل فيما رزقه الله من نعم، ويساعدك على ذلك:

- إبراز نعم الله تعالى الكثيرة التي يتمتع بها، مثل: البصر، السمع، الكلام، الشم، التذوق، الصحة، القدرة على الحركة، العقل، النوم، السكن، الطعام والشراب، التنفس، الملابس، الإحساس بالأمن.. إلخ، وذلك بطريقة تناسب عمره وقدراته.

- اطلب منه في نهاية كل يوم أو كل أسبوع أن يكتب بعضاً من الأشياء والأمور التي شعر أنها نعمة من الله.

2- شكر النعم:

عوّد طفلك على شكر نعم الله تعالى عليه، وذلك بتشجيعه على قول «الحمد لله» بعد كل طعام أو شراب، أو عند شراء ملابس، أو لعبة جديدة، أو عند النجاح، أو غير ذلك من المواقف، وكذلك علّمه أن يشكر هذه النعم بطريقة عملية؛ فمثلاً يشكر نعمة الصحة بالبعد عن كل ما يضرها، وباستخدامها في تقديم العون لكل من حوله.. وهكذا. 

3- شكر الآخرين:

شجعه على شكر كل من قدَّم له معروفاً مهما كان بسيطاً، وذلك بأن تشكره أنت على كل فعل طيب ولو كان بسيطاً، ثم تطلب منه أن يفعل الشيء نفسه معك ومع إخوته وغيرهم.

4- زيارة أصحاب الابتلاءات:

اصطحبه في زيارة لدور الأيتام، أو مدارس المكفوفين، أو المستشفيات، أو المحتاجين؛ فهذا يعمق إحساسه بنعم الله عليه، وافتح حواراً معه حول ذلك، مع مراعاة تناسب المكان الذي تزوره مع عمر الطفل وطبيعة شخصيته.

5- إشراكه في أعمال المنزل:

أشركه في القيام ببعض الأعمال المنزلية المناسبة له (ترتيب سريره، المشاركة في تجهيز مائدة الطعام، المساعدة في غسل السجاد.. ونحوها من أعمال المنزل التي يمكنه القيام بها)؛ فهذا يساعده على تفهم الجهد والمشقة والوقت الذي تتطلبه هذه الأعمال، ويساعده على القناعة بما يُقدَّم له من جهد.

6- إطلاعه على ميزانية البيت:

أطلعه أو أشركه -بحسب عمره وإمكاناته- في وضع ميزانية الأسرة، التي تشمل المصروفات المعيشية بشكل اعتيادي، ووضّح حقيقة الوضع المالي للأسرة؛ لإشعاره بالمسؤولية وتدريبه على ترتيب الأولويات.

7- مشاركة في الخير:

أشركه -ولو بجزء بسيط من ماله أو أدواته أو ملابسه أو غير ذلك- في مساعدة المحتاجين، وفي إيصال هذه المساعدات إليهم، فهذا يساعده على تقدير ما يتمتع به من نعم.

8- تحمل الضغوط:

درّبه على تحمل بعض الضغوط البسيطة التي تتناسب مع عمره، مثل تأجيل الاستجابة لمطلب يلح عليه لتعليمه الصبر وتحمل الانتظار، أو إخباره أن عليه إنجاز عمل معين لتحقيق هذا المطلب، فهذا التدريب يغرس فيه القدرة على التحمل والمصابرة بشكل عام، وبالتالي سينمي لديه قيمة الرضا والقناعة.

9- مواقف الحياة:

استثمر مواقف الحياة التي يشاركك طفلك إياها في غرس الرضا والقناعة لديه، فإذا كنتم مثلاً في الطريق ورأيتم شخصاً فقيراً أو مريضاً أو مكفوفاً.. إلخ، فتكلم معه بطريقة مناسبة له عن فضل الله علينا وما نتمتع به من نعم ربما لا يجدها الآخرون، وأن من واجبنا -ومن باب شكر هذه النعم- أن نساعد هؤلاء وندعمهم لنخفف عنهم آلامهم.

10- القصص والحكايات:

احكِ له بعض القصص والحكايات التي تتحدث عن الرضا والقناعة، مثل: الصياد القنوع، العامل الفقير، البيضة الذهبية، السلحفاة والطيور، الأم القنوعة.. وغيرها من القصص التي يمكن الحصول عليها عبر شبكة الإنترنت.

11- ممارسة الأدوار:

مما يساعد على غرس هذه القيمة في نفسه، أن يشارك في تمثيل بعض المشاهد التمثيلية والمسرحيات القصيرة التي تدور حول القناعة، وأن يُسند إليه دور القنوع الراضي، ويمكن أن تنفذ هذه المشاهد بمشاركة أفراد الأسرة أو أقرانه، كما يمكن استخدام العرائس في ذلك.

12- مقاطع الفيديو:

شاهد معه بعض مقاطع الفيديو التي تدعم قيمة القناعة، وافتح معه نقاشاً حول ما جاء بها.

13- تعزيز إيجابي:

ترصّد أي سلوك يصدر منه -مهما كان قليلاً- يعبر عن القناعة، وامتدحه وأثنِ عليه، فهذا يعزز هذه القيمة لديه ويعمقها في نفسه.

عدد المشاهدات 2528

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top