10 أعراض طبية لا تسأل عنها "جوجل"

19:47 04 نوفمبر 2019 الكاتب :   محمد صلاح قاسم (*)

يشعر بوخزة شديدة مُفاجئة في صدره، إنها المرة الأولى في حياته التي يصادفه فيها مثل هذا الشعور المريب، يبدأ في أخذ أنفاسه ببطء لكي يُهدّئ من روع نفسه، يمر أمام عينه بشكلٍ خاطف شريطٌ من الذكريات عن السنوات الأخيرة لوالده، الذي توفاه الله بسكتةٍ قلبية، بعد جولاتٍ عديدة بين المشافي والعيادات الطبية وغرف القسطرة القلبية، شعر بوخزة صدره تتحول إلى قبضةٍ هرقلية تعتصر أنفاسه وروحه.

بلا تردد، التقط هاتفه الذكي، ليس لطلب رقم الطوارئ والإسعاف، ولا حتى لاستشارة أحد أصدقائه الأطباء –وهُم كثر– إنما ليتوجه إلى حلال المشكلات الأقرب إليه دائمًا من حبل الوريد، أو هكذا يظن، فتح تطبيق "جوجل"، وكتب: «وخزة بالصدر»، وأخذ يتجول بين فضول وفزع محموميْن في عشرات النتائج التي ظهرت.. التهابٌ بعضلات الصدر، ضيق نفسي، التهاب بالغشاء البللوري للرئة، جلطة بشريان القلب، احتشاء بعضلة القلب.. إلخ، قصفته المصطلحات الطبية بوابل كثيفٍ من القلق، خاصة ما يتحدث منها عن القلب، وأعاد إلى ذهنه ذكريات أبيه المنتظرة دائمًا خلف باب الذكريات، قبل أن ينتزعه منها ألم الصدر الذي تضاعفت شدته فجأة.

أخذ يركز البحث أكثر، عن القلب، لفت نظره مقطعٌ بعنوان: «لن تحتاج للطبيب والمستشفى بعد الآن، كيف تذيب جلطة القلب فورًا». أخذ يشاهد الفيديو، ثم بدأ بتطبيق ما يراه، و..

كالمستيقظ من حُلمٍ عميق من ذلك النوع الذي يهتك الستار بين الواقع والخيال، فلا تعرف هل الحلم ما فات، أم ما هو آت، وجد نفسه فجأة على سرير متحرك، وحوله بضعة أشخاص يرتدون معاطف بيضاء لا تُخطئها العين أبدًا، إنه في المستشفى! تذكر فجأة أنه كان للتو يأخذ أنفاسًا عميقة ومتسارعة، كما نصح المتحدث في مقطع الفيديو الذي كان يشاهده، ولا يدري ما الذي حدث بعد ذلك.

قبل أن يسأل من حوله عما أتى به إلى هنا، أجابته اللوحة على باب الغرفة التي يأخذونها إليها.. «وحدة القسطرة القلبية»، في تلك اللحظة شعر مجددًا بألمٍ شرس يلتهم صدره.

جوجل.. طبيب العصر

"لكنني قرأتُ كذا على الإنترنت يا دكتور".. يكاد كلُ طبيب أن يسمع مثل تلك العبارة يوميًا على لسان أحد مرضاه، أو مرافقي المريض، لا يجادل أحد في حق وأهمية معرفة المريض لحالته جيدًا، أو في مراكمة قدرٍ من العلم الطبي، والوعي الصحي، فهذا واجبٌ وليس مجرد حق، وبدونه يصبح التواصل بين المريض والطبيب كحوار الطرشان.

في وجود الهواتف الذكية المتصلة بالإنترنت ومعارفه التي لا يحدها الخيال، لم يعُد البشرُ بحاجة لمتابعة برنامج طبيٍّ أسبوعي على هذه القناة أو تلك، أو جمع أعداد مجلة طبية شهرية، أو استجواب أول طبيب تقوده المصادفة إلى طريقهم في المواصلات أو الأفراح أو دور العبادة.. إلخ. وهكذا أصبح الغالبية العظمى من البشر يولّون وجوهَهم شطر محرك البحث العملاق "جوجل"، الذي يأتيهم بكل ما يريدون وما لا يريدون قراءتَه أو مشاهدتَه أو الاستماع إليه، لكن هل يصلح "جوجل" كمصدر للمعرفة الطبية العامة؟ الإجابة نعم، ولا.

نعم، لأن "جوجل"، عبر خوارزمياته التي تزداد تطورًا وذكاءً وتشعُّبًا، وتقييمه المعقد للمواقع المختلفة على الإنترنت، يمكن أن يجلب لك الكثير من نتائج البحث المفيدة فعلًا، والأكثر رواجًا وانتشارًا، والمتصلة بكلمات البحث التي قُمتَ بإدخالِها.

ولا، لأنه ببساطة كيف لشخصٍ عادي، غير ذي صلة بالعلوم الطبية، أن يعرف أي المواقع الطبية أكثر دقة، والتزامًا بأحدث الأدلة العلمية المتوافرة في القضية، ليجعله المصدر الأول لمعلوماته؟ وأيضًا أنَّى له أن يفصل في القضايا الطبية التي تختلف فيها الآراء، وتتباين توصيات المدارس الطبية الكبرى؟

الأسلم أن يكون المصدر الأول للمعرفة الطبية هو عبر التفاعل السليم بين المريض وطبيبه، وأن يخصص الأطباء وقتًا كافيًا لشرح الحالة وأبعادها للمرضى، وإرشادهم إلى المواقع الطبية التي تقدم معلوماتٍ مبسَّطة موثوقة تُكمّل الصورة، لا مشكلة بعدئذٍ من استخدام المريض للإنترنت في توسيع المدارك، واستكمال ما بدأه مع الطبيب، أما التجول العشوائي على مواقع الإنترنت، وضم معلومة من هنا، مع "هبدةٍ" من هناك، مع رأي شخصي من هنالك، فهذا سيشوش الشخص، ويخيفه مما لا داعي للخوف منه، ويدفعه للتهور حين كان التحفظ أولى، ويعطيه قدرًا من العلم الزائف الذي يكون الجهل التام أهون منه.

إذن فبعد ما سبق ذكره، هل يصح اعتبار "جوجل" طبيبًا من قبَل الكثيرين؟ الإجابة المنطقية الوحيدة: لا وألف لا.

من أين حصل «جوجل» على الخبرة الإكلينيكية؟

يظن البعض أن الطبيب ما هو إلا وعاءٌ بشري لتخزين المعلومات الطبية، والتي يُراكمها عبر سني دراساته، لكن هذا منظور قاصر، فالكثير من الأطباء لم يعودوا مضطرين لحفظ كل كبيرة وصغيرة متعلقة بعملهم، فعلى هواتفهم الذكية عشرات التطبيقات الطبية الفعّالة، التي يمكن الرجوع إليها في تذكر هذه التفصيلة أو تلك، أو حساب الجرعة الفلانية، أو التعرف على التوصيات الأوروبية أو الأمريكية في كذا وكذا؛ أما كلمة السر الأبرز في كون الطبيب طبيبًا، فهي الخبرة العملية أو الإكلينيكية.

بعد جمع المعلومات الطبية والعلمية في سنوات الكلية، يصقلُ الطبيب مهاراته، وقدراته على التشخيص ثم العلاج، من خلال احتكاكه على مدار سنواتٍ طويلة، بمئات، فآلاف المرضى، وسماع شكاواهم الطبية، وملاحظة ردود فعل أجسامهم على هذا الدواء أو ذاك، واستجابتهم لهذه التدخلات الطبية أو تلك، هذا الكم الهائل من البيانات، يتم معالجته فورًا وببطءٍ –كلاهما– على مدار الشهور والسنين، داخل عقل الطبيب ووجدانه، كيف يمكن لـ"جوجل" أن يحل محل كل هذا؟

إننا ننتقد قيام بعض الأطباء بتقديم التشخيص والعلاج لبعض المرضى عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو عبر سماعة الهاتف، ترسيخًا لأهمية أن يرى الطبيبُ المريضَ بناظريْه، ويسمع منه الشكوى الطبية عيانًا، ثم يقوم بالكشف الطبي عليه، حتى يتسنى له الحكم على الحالة على أرضية صلبة، فكيف يمكن أن نضرب عرض الحائط بأبجديات الممارسة الطبية وأخلاقياتها، ونتهاون في اتخاذ الكثيرين لـ"جوجل" كطبيب شخصي موثوق؟

سنفترض جدلًا أن المريض قد نجح عبر "جوجل" في الوصول إلى نتيجة بحث من موقعٍ طبيٍ ثريٍّ وموثوق، كيف له دون خبرة طبية عملية أن يعرف أن الكلام المكتوب ينطبق على حالته الطبية؟

في زمن التخصص الشديد الذي نحن فيه، يجد الأطباء الاستشاريون صعوبةً في فهم جزئياتٍ وتفاصيل في التخصصات الأخرى، وقد يلجأ أحدهم لطبيب متخصص صغير لكي يشرحها له، فما بالُنا بأناسٍ لا علاقة لهم بالطب من قريبٍ أو بعيد يريدون أن يعالجوا أنفسهم بضغطة زر؟

عندما تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى حد مطابقة مهارات البشر، ومحاكاة عواطفهم، ودقائق وجدانهم، حينها قد يمكن الاستعاضة عن الطبيب، وآنذاك سيكون البشر بالفعل قد استُبدلوا في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ في كافة المجالات، هذا الافتراض السابق من باب الربط بالمستحيل لإثبات الاستحالة، لا تعبيرًا عن قناعة بإمكان حدوث هذا وقتًا ما.

10 حالات طارئة لا تسأل عنها "جوجل"

أما أمُّ الكوارث، فهي اللجوء لـ"جوجل" وأمثاله في الحالات الطارئة، في الكثير من الطوارئ الطبية تساوي الدقيقة عمرًا وحياة، إننا نعاتب المرضى بشدة عندما يتوجهون إلى العيادات الطبية في حالات الشعور بأعراض تنبئ بالطوارئ، لأن هذا يضيع وقتًا ثمينًا، ويعرض الحالة للمزيد من التدهور، فكيف نرضى بلجوء البعض للبحث عبر الإنترنت في ذلك الوقت العصيب؟ والقصة التي صدرت بها التقرير هي قصة حقيقية تمامًا مع بعض التصرف، ويتكرر أمثالها، وأشد كارثيةً منها كلَّ يوم.

وتلك الحالات الطارئة التي سأذكرها هي مجرد نموذج، وبعض من كل:

1- آلام شديدة بالصدر، فقد تكون جلطة حادة بشريان القلب، أو الشريان الرئوي، أو انشقاقاً بالشريان الأورطي.. إلخ.

2- صداعٌ شديد، خاصة إذا كان مصحوبًا بقيء أو بعد إصابة بالرأس، فقد يكون نزيفًا بالمخ.

3- نوبة صرعية، حتى إذا حدثت لثوانٍ معدودة، وتوقفت ذاتيًا.

4- فقدان الوعي، سواء كان مفاجئًا أو تدريجيًا، لوقتٍ طال أو قصُر.

5- ما بعد الحوادث الكبيرة، كحوادث الطرق، أو السقوط من أعلى، أو التعرض لاعتداءٍ بدني إلخ، حتى لو بدا للشخص أنه بحالة جيدة، وألا مشكلة، فقد يكون هناك نزيف داخلي في بدايته.

6- نزيف من أي فتحة بالجسم (الأنف – الشرج..)، خاصةً إذا زاد حجم الدم فيه عن نصف كوبٍ صغير.

7- تسارع مفاجئ في ضربات القلب، دون مؤثر خارجي (انفعال شديد.. إلخ)، خاصة إذا استمرّ لأكثر من 10 دقائق.

8- تغير ملحوظ في لون البول أو البراز، كأن يصبح الأخير شديد السمرة كلون الأسفلت، فهذا قد يعني نزيفًا بالجهاز الهضمي العلوي.

9- اختلال مفاجئ في الرؤية، حتى ولو لم يصل إلى حدّ العمى.

10- ارتفاع درجة الحرارة لأكثر من أسبوع دون سبب واضح، لا سيّما إن لم تكن تستجيب جيدًا لخوافض الحرارة.

ماذا نفعل في مثل الحالات السابقة؟

لا بديل عن اللجوء لأقرب مشفى به قسم طوارئ، حيث يُقيّم الطبيب الحالة، ويوجهها إلى القسم المختص للتعامل معها، قد يكون هناك الكثير من أوجه القصور في أغلب مشافينا، لكن بالتأكيد البقاء في المنزل أقل فائدة بكثير من التوجه إلى المستشفى.

أحضر بحوزتِك آخر أوراقك الطبية والتحاليل والأشعات، وليصطحبك عزيز لديك، فأقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، بدون الحاجة إلى التوجه أولًا إلى خوادم "جوجل" في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

________________

(*) المصدر: "إضاءات".

عدد المشاهدات 2156

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top