هل نتحاور مع أولادنا؟

13:16 14 ديسمبر 2019 الكاتب :   د. سعد الله المحمدي (شبكة الألوكة)

هل نتواصل مع أولادنا ونتحاور معهم بشكل مناسب وأسلوب هادئ؟

وما هي نبرة صوتنا عند الحوار والمناقشة معهم؟ هل هي نبرة التفاهم والتفاعل والانسجام، أو نبرة الزجر والتوبيخ والعصبية؟

هل نشارك أولادنا في اتخاذ القرارات الأسرية، ونجتمع بهم في اجتماعات توجيهية وجلسات مفتوحة، ونعترف بحقهم في إبداء الرأي ووجهة النظر بأَرْيَحيَّةٍ وأدب، أو لا يزال الأمر كما كان قبل عقود؛ حيث كانت الكثير من الحوارات الأسرية من طرف واحد، وربما كان الأب أو الأخ الأكبر يتحدث دون إتاحة المجال لمناقشة أو رأي أو توجيه سؤال؟

هل نستطيع أن نقولَ إن روابطنا الأسرية وعلاقاتنا العائلية لم تتأثر بالتقدم التقني السريع، الذي فرض نفسه على الجيل الجديد، حتى كاد يشكل حاجزًا بيننا وبينهم، ويجعل علاقتنا بهم سطحية وجافة؟

إن المتأمل في الدراسات الحديثة التي تناولت تعلق الجيل الجديد بالأجهزة الإلكترونية والتقنية الرقمية، يجد العَجب العُجاب؛ ففي الولايات المتحدة يقضي الطفل قرابة خمس ساعات يوميًّا أمام التلفاز، على حين أنه لا يُتاح له الاجتماع مع والده سوى خمس دقائق في اليوم.

كما أشارت دراسة نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 24 سنة هم الفئة العمرية الأكثر وصولًا للإنترنت على مستوى العالم؛ بمعنى: أنهم يجدون بديلًا أو مهربًا عن الحوار مع الأهل.

وتكشف الدراسة التي تحمل عنوان "الأطفال في عالم رقمي" عن الجانب المظلم للثروة المعلوماتية والتقنية الحديثة، وأثرها السلبي على الأطفال، وأنها يمكن أن تجعل الأطفال أكثرَ عرضةً للأذى الصحي والجسدي إن لم تُقيَّد بضوابط وأصول.

وهذا يعني أننا نعيش في عصر كثُرت فيه التحديات وازدادت المخاطر، وتنوعت العراقيل والحواجز أمام التربية السليمة ورسم الشخصية المتوازنة للطفل؛ ومن ثَمَّ تتعاظم مسؤولية الوالدين بحماية أولادهم عن الملهيات والإغراءات التي تسبب الحَيرة والتردد والبَلْبَلةَ وضعف الشخصية، وذلك باحتوائهم وحبِّهم، ومحاورتهم ومناصحتهم، وتوجيههم وتوعيتهم، وغرس المعاني الجميلة والأخلاق النبيلة فيهم.

إن كثيرين في مجتمعاتنا لا يحاولون التدرب على ثقافة الحوار وفهم أساليبه وتوظيفه بالشكل الصحيح، كما لا يحاولون فهمَ سلوك الأطفال ومشاعرهم، والتعرفَ إلى مشاكلهم، والإجابةَ على أسئلتهم، وإعطاءهم الوقت الكافي والتحاور معهم في أمور تخصهم، كما لا يهتمون كثيرًا بتعزيز التواصل مع الأولاد، والجلوس بجانبهم في جلسات عائلية والاستماع إليهم، ومشاركتهم همومهم وآمالهم وطموحاتهم وتطلعاتهم.

إن الطفل في عصرنا هذا يا أحبتي الكرام لا يحتاج إلى التَّربيتِ على الكَتِفِ أو المدح والثناء فقط؛ كقولنا: مبدع، مبادر، متميز، عبقري، فهذه الكلمات وإن كانت لها آثارها النفسية الطيبة على الطفل، إلا أن أطفالَ اليوم يحتاجون الثقة المتبادلة وذلك بأن نتحاور معهم دائمًا ولا نتجاهلهم، ونقربهم ولا نهملهم، وأن نجعل الحب والحوار أساس التربية، فنغرس فيهم القيم والسلوكيات الإيمانية ومبادئ العقيدة الصحيحة عن طريق ذلك، ونفتح لهم القلوب والعقول، ونعوِّدهم على التعبير عن النفس وعن مشاعرهم وأفكارهم، وإبداء رأيهم بصراحة وجرأة وضمن حدود اللياقة والاحترام، من غير خوف أو وَجَل.

والحوار مع الأولاد من أهم الوسائل التربوية، وأنفع السبل وأقربها لتقوية العلاقة بهم وإبراز مواهبهم الكامنة، وكلما ازداد الحوار داخل الأسرة، أصبحت مترابطة متماسكة متعاونة، وكلما قلَّ الحوار والاحترام والقبول، زادت المشاكل والخلافات واتسعت الفجوة بين أفرادها.

وتزداد أهمية التربية بالحوار مع الشباب في العصر الحاضر؛ حيث كثرت مخاطر الغزو الفكري والثقافي، وتنوعت سلبيات التقنية والاتصالات، حتى أصبحت وسائل الإفساد قوية وجذابة ومؤثرة، وانتشرت الدعوات الباطلة، والأفكار الضالة، والانحرافات الفكرية والسلوكية.

ومن فوائد الحوار مع الأبناء: زرع الثقة في نفوسهم، وتنمية علاقة الألفة والمحبة بينهم وبين والديهم، وتعزيز الاستقلالية لديهم، وتعليمهم أسلوب الحوار والإقناع والإنصات، وترتيب الأفكار، وكسب مهارات التواصل والتعامل مع الآخرين، وكسر حاجز الرهبة والخوف والخجل والتَّلعْثُمِ والخمول والإحباط، واكتشاف قدراتهم على التعامل مع المشاكل، وتعزيز الشعور بالمسؤولية والانتماء إلى أسرة مشتركة، وتعويدهم على تنظيم الاجتماعات وتوصيل الرسالة إلى الآخرين بإيجابية واحترام.

شمعة أخيرة:

من الخطوات المهمة في الحوارات العائلية مراعاة ما يلي:

1- تحديد الغاية من الحوار: هل هو لتوصيل معلومة، أو تصحيح خطأ، أو استشارة في أمر من الأمور، أو غير ذلك؟

2- مراعاة آداب الحوار مع الأبناء؛ ومن أهمها: حسن الاستماع، وعدم مقاطعة المتحدث والإنصات له باحترام؛ حتى يتعودوا على احترام الآخرين خلال الحوار.

3- أن يكون الحوار واضحًا وملائمًا لكل فئة عمرية، وأن تُراعى فيه الفروق الفردية.

4- اختيار الوقت والمكان المناسب للحوار، فلا يكون الحوار في فترة انشغال الأبناء؛ كفترة الاختبارات والمراجعة، أو وقت اللعب مثلًا.

5- أن يحافظ فيه على الخصوصية؛ فبعض الأمور لا تُناقَش في حوارات عامة.

6- أن يكون الأب مستعدًّا للتنازل وتغيير رأيه إذا عرف خطأ رأيه.

7- ألَّا ننسى جانب التشويق والإثارة والإطراء والتفاعل خلال الحوار.

8- أن يلخص النقاط التي تمت مناقشتها في نهاية الجلسة، ويُفضَّل أن يكون التلخيص من قِبَلِ المشاركين في الحوار، بحيث يذكر كل واحد نقطة نقطة.

9- أن يشكر الجميع على حسن الاستماع، ويشجعهم على المشاركة في الحوارات الأسرية القادمة.

عدد المشاهدات 4834

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top