الإثنين, 27 نوفمبر 2017 15:25

أفكار يجب أن تتغير

يحيا كل إنسان في بيئة مشحونة بالأفكار والعقائد والتقاليد والرموز والمعلومات، ومن مجموع تلك الأمور تتكون ثقافته العامة، ومن تلك الثقافة تتولد رؤيته لأمور كثيرة، كما تتشكل لديه الصور الذهنية التي يرى من خلالها نفسه والعالم من حوله، وإن كل صورة ذهنية تبدأ بالتشكل نتيجة الخواطر التي يتكرر ورودها على الواحد منها، وكثيراً ما تأتي الأحداث اليومية لتؤكد صحة تلك الخواطر، ومن هنا فإن الواحد منا مطالب بأن يعي الصور الذهنية الخاطئة حتى يتمكن من مجابهة الخواطر التي تؤدي إلى تشكيل تلك الصور وقطع الطريق عليها.

تؤكد الكثير من البحوث التي أجريت في علم النفس المعرفي على أن تغيير الأفكار هو المدخل الصحيح لتغيير الاستجابات الشعورية والسلوكية لدى الإنسان، والحقيقة أن الصور الذهنية التي تحتاج إلى التغيير، أو نحتاج إلى التخلص منها على نحو نهائي كثيرة جداً، لكن أكثرها حيوية وتأثيراً في مسار حياتنا الشخصية هي تلك الصور التي كوّناها عن أنفسنا وذواتنا؛ إذ إنها تؤثر على نحو جوهري في أسلوب رؤيتنا للحياة وفي نوعية مبادراتنا ونوعية ردود أفعالنا.

ولعلّي أشير هنا إلى بعض تلك الصور والمفاهيم في الآتي:

1- مشاعر الإحباط وعدم الأهلية:

كثيرون أولئك الذين تسيطر عليهم مشاعر الإحباط، ومشاعر عدم الأهلية للقيام بالأعمال التي يقوم بها نظراؤهم من الناس ولذا فإنهم بالتالي يشعرون أنهم لا يستحقون النجاح والتفوق، وينعكس هذا الشعور بالضآلة على نفسياتهم وسلوكياتهم، حيث إنك تجد الواحد منهم فاقداً للحيوية، فهو يؤدي أعماله بتثاقل وتباطؤ ومن غير أي حماس أو اندفاع، وإذا بدأ بإنجاز عمل أو مشروع فإنه قلَّما ينهيه، وإذا أنهاه لم ينجزه على الوجه المطلوب، وحين يفكر الواحد منهم، فإن تفكيره يفقد المسحة الإبداعية، ويتسم بالرتابة والتكرار إذ لا حافز يدعو إلى التجديد، وهذا الصنف من الناس كثيراً ما يحدثك عن العقبات التي تعترض سبيله، وكثيراً ما يزعم أنها عقبات طارئة وغير متوقعة.

وأخيراً فإن الذين يفقدون الشعور بالأهلية للقيام بالأعمال الجيدة يحملون في نفوسهم الكثير من مشاعر اللوم للآخرين والعتب عليهم؛ لأنهم في توهمهم يخذلونهم ويحجبون عنهم العون الذي كان ينبغي أن يقدموه إليهم، وهذا يؤدي إلى عزلتهم، وابتعاد الناس عنهم مما يضاعف في مشكلاتهم، ويشعرهم بالاغتراب.

أنا لا أشك أن مواهب الناس وإمكانياتهم وظروفهم متفاوتة، لكن أعتقد مع هذا أن هناك دائماً أكثر من طريقة ووسيلة لإدخال تحسينات على كل ذلك، لكن السلبية التي ورثها الكثيرون منا من بيئاتهم تمنعهم من رؤية الآفاق الممتدة التي أمامهم، وأظن أن تخفيض الطموحات سوف يقرب المسافة بين الأهداف وبين الإمكانيات المتوافرة، مما يحفز الإنسان على العمل والدأب، كما أن توضيح ما يريده الإنسان على نحو جيد يساعد هو الآخر على إزالة الأوهام التي تعشش في أذهان الناس، وتصبح مصدراً لتوليد الإحساس بصعوبات غير موجودة، ومن المؤسف في هذا السياق أن معظمنا يفكرون غالباً في الأشياء التي لا يريدونها، مما يجعلهم يشعرون بالمشكلات أكثر من شعورهم بالنتائج الجيدة.

أخيراً فإن العزيمة على إنجاز أشياء محددة في زمان محدد، تجعل المرء يضع قدمه على بداية طريق النجاح، وبمجرد أن يشعر بأنه بدأ يتقدم تتولد لديه طاقات جديدة، تساعده على المضي نحو الأمام باطمئنان وثبات.

2- الكفاءة الشخصية والإنجاز العالي:

بعض الناس يحملون صوراً ذهنية مبالغاً فيها حول الكفاءة الشخصية والإنجاز العالي، ويعتقدون أن الإنسان إذا لم يحقق نجاحات كبرى، فإنه لن تكون له قيمة بين الناس، وهذا غير صحيح، فالمرء لا يحترم لإنجازاته فحسب بل إن هناك الكثير من السمات التي ترفع من قدر الواحد منا في عيون إخوانه أكثر مما يرفع النجاح، وذلك مثل: الطيبة والتعفف وحب الخير للناس وبذل المعروف والاستقامة على أمر الله - تعالى - وما شابه ذلك.

3- سير الرياح بما لا نشتهي:

يغلب على كثير من الناس مفهوم يقضي بأن تسير الأمور على ما يشتهون ويرغبون، وإذا لم يحدث ذلك فإن الحياة تصبح شيئاً لا يطاق، وهذا وهم كبير، فنحن لا نملك زمام الأحداث، ولسنا نحن الذين نحرك الأشياء، ولذا فإن علينا أن نتوقع دائماً أن يحدث ما ليس في الحسبان.

ومن وجه آخر فمن الذي يزعم أن عدم حدوث ما نرغب فيه يشكل كارثة أو انتكاسة؟

إن الله - جل وعلا - وحده هو الذي يعلم خواتيم الأمور وعواقب الأحداث والأوضاع، ولذا فإننا طالما خشينا من وقوع الكثير من الأحداث، لكن بعد أن تقع نلمس فيها من لطف الله - تعالى - ورحمته وخيره، ونرتاح لذلك ونسرّ به، وإذا تأملت حياة الناس وجدت أعداداً لا تحصى منهم استاؤوا مثلاً عند فصلهم من وظائفهم، وعدٌّوا ذلك مصيبة كبرى، لكن بعد أن انطلقوا في الأعمال الحرة عدوا وقت فصلهم بداية رائعة لمرحلة مثمرة وعظيمة.

يقول الله - جل وعلا - معلماً لنا هذه الحقيقة الناصعة: {وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيرٌ لَكُم وَعَسَى أَن تُحِبٌّوا شَيئاً وَهُوَ شَرُّ لَكُم وَاللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمُونَ} (البقرة: 216).

ثم إن الله - تعالى - أعطانا قدرة هائلة على التكيف مع الأمور الصعبة، وحين يقع ما لا نحبه أو نتوقعه، فإننا إذا استطعنا امتصاص الصدمة الأولى، سنجد أنفسنا متوافقين مع الأشياء الجديدة، وسنجد إذا استخدمنا البصيرة أنها لا تخلو من إيجابيات وحسنات.

4-  المبالغة في البحث عن الحل المثالي:

 الحضارة الحديثة مكّنت الإنسان من السيطرة على الكثير الكثير من مظاهر الطبيعة، ورسخت في عقله ومشاعره أن هناك دائماً العديد من الخيارات، كما أن من حقه أن يتطلع إلى ما هو أكثر وأمتع وأرفه وأجود... وهذا كله جعلنا كلما واجهنا مشكلة طلبنا لها حلاً مثالياً كاملاً، وإذا لم نجد ذلك الحل، فإننا نشعر بالكثير من الأسى والفجيعة!

لا ريب أن التطلع إلى ما هو أحسن وأكثر، شيء ليس خاطئاً من حيث المبدأ لكن يجب علينا أن ندرك أن ذلك لا يخلو في كثير من الأحيان من المثالية والمبالغة، ولذا فإن الإصرار على الحصول على الأفضل دائماً يجب أن يصحب بالاعتقاد أن لله - تعالى - الكلمة العليا والنهائية في هذا الوجود، وأنه لن يحدث إلا ما أراده وقدَّره، وهذا الذي أراده قد يوافق رغباتنا، وقد لا يوافقها، ثم إن الوصول إلى أي حل عاجل أو آجل لمشكلة صغيرة أو كبيرة، لا يمكن إلا أن يظل خاضعاً للبيئة والمعطيات السائدة، وبما أن شروط حياتنا الشخصية وشروط الحياة العامة تظل دائماً دون طموحاتنا وتطلعاتنا، فإننا سنظل نشعر أن الوسط الذي نعيش فيه هو أقل مما نريد، وأقل مما ينبغي أن يكون وهذا يعني أننا لن نصل أبداً إلى حلول كاملة ومثالية لأن الحل الكامل يتطلب وسطاً كاملاً، ولذا فإن علينا دائماً أن نتوقع حلولاً منقوصة ونتائج محدودة، والناس الذين لا يعرفون هذا المعنى سيظلون يشعرون بالخيبة والسخط!

5- الاضطلاع بالمسؤوليات الجسام:

لو تساءلنا لماذا يعيش أشخاص في مركز الضوء وفي لُجَّة الأحداث، على حين يظل آخرون على هامش الحياة أخذاً وعطاءً وتأثراً وتأثيراً، لوجدنا أن لذلك العديد من الأسباب، لكن قد يكون من أهمها أن كثيرين منا يختارون تجنب المشكلات والتحديات، والابتعاد عن دائرة الضوء قدر الإمكان، ولهم في ذلك فلسفتهم الخاصة، وأعتقد أن هذا المفهوم يحتاج إلى تغيير، حيث إن مواجهة الصعوبات والقيام بالمهمات والمسؤوليات، كثيراً ما يكون السبيل الوحيد لتنمية الشخصية وبلورة الإمكانيات والقدرات، وفتح مجالات جديدة للعطاء والنفع العام.

تصور معي ماذا كان يحدث لو أن رجلاً مثل أبي بكر أو عمر - رضي الله عنهما - رفض إمرة المؤمنين، ولو أن رجلاً مثل خالد بن الوليد رفض قيادة جيوش المسلمين، ولو أن رجلاً مثل الشافعي أو أحمد أو أبي حنيفة اشتغل بالزراعة، ولم يدخل المجال العلمي؟ إن المتوقع آنذاك أن يكون كل واحد من هؤلاء العظماء في وضعية أقل أهمية وأقل ملاءمة للعطاء الكبير الذي قدموه.

إن التاريخ يُصنع من وراء التصدي للمهمات الجليلة، ومن وراء التغييرات الكبيرة التي نُدخلها على حياتنا الشخصية من أجل الاضطلاع بالأعمال العظيمة. لا ريب أن البعد عن تحمٌّل المسؤوليات والإعراض عما يسبب الصعوبات، يجلب لنا الكثير من الراحة والهدوء، ويجعلنا أقل احتياجاً لاستنفار الإمكانات وتحرير الطاقات، كما أنه لا يتطلب منا كثيراً من التعديل في برامجنا الخاصة.. لكن علينا أن نتذكر أن البعد عن مركز النشاط الحضاري والرضا بالعيش الهادئ الهانئ، كثيراً ما يتسبب في الضمور والترهل، وفقدان البيئة التي تمكِّن الإنسان من النمو والعطاء، وعلينا ألا ننسى أيضاً أن تواري الصالحين والأكفاء عن محاور الحركة في الحياة، يتيح للآخرين التقدم إليها وملء الفراغ الذي تركه الأخيار بالأمور السيئة والضارة.

6- تعليق الفشل على الغير:

لو سألنا الناس الذين لم يحققوا إنجازات جيدة عن الأسباب التي حالت دون ذلك، لوجدنا أن السواد الأعظم منهم يُحيل ذلك إلى عوامل وأسباب خارجية لا يستطيع الإنسان السيطرة عليها، وتلك الأسباب قد تكون مادية أو اجتماعية أو أسرية... وقليلون جداً أولئك الذين يقولون: إنهم لم يحققوا تقدماً أو تفوقاً على أقرانهم بسبب عدم امتلاكهم الاهتمام أو التنظيم الذاتي أو العادات الجيدة أو الآفاق الرحبة... وهذا يعود على ما يبدو إلى أن إدراك العوامل الحسية أسهل من إدراك العوامل المعنوية، ثم إن لدينا ميلاً غريزياً إلى جعل أسباب قصورنا أو إخفاقنا تتعلق بالآخرين، أو بأشياء خارجة عن سيطرتنا أو مسؤوليتنا، وهذه الفكرة تحتاج إلى تعديل، فنحن مع أننا لا نتجاهل تأثير العوامل البيئية والظرفية إلا أنا نعتقد أن المشكلة الأساسية تكمُن في عقولنا ونفوسنا وسلوكاتنا، وحين يحدث تحسن جيد على هذه الأصعدة، فإن تأثير العوامل الخارجية يتضاءل، بل إن الظروف المعاكسة تتحول من معوقات للتقدم إلى محفزات ومحرضات عليه، وكثيرون أولئك الذين صنعت منهم الأوضاع الصعبة رجالاً عصاميين من الطراز الرفيع.

7- الوقوع في أسر الماضي:

نحن على نحو ما جزء من الماضي، وكثير مما نحمله من أفكار ومشاعر وعادات موروثة من أزمنة الطفولة والمراهقة والشباب، ونحن نتمسك بذلك الموروث لأننا نرى فيه استمرارية وجودنا ورسوخ ذواتنا، وهذا يجعلنا نعتقد أن الماضي بكل أحداثه ومؤثراته ومعطياته هو الذي يصوغ سلوكنا في الحاضر، وربما في المستقبل، والحقيقة أن معظم الناس يخضعون لتأثير أحداث الماضي وما أبقته في النفوس من مشاعر وصور وانطباعات، وربما تعاملوا معها على أنها نوع من الخبرة العزيزة التي يجب الاستفادة منها والسير على هديها.

ويمكن القول: إنه كلما امتدت المساحات التي أفلتت من قبضة الوعي، فصار التعامل معها عن طريق (اللاشعور)، وجدنا أنفسنا في أَسر المشاعر والأفكار القديمة، المشكلة تتمثل في أن تلك المشاعر والانطباعات كثيراً ما تكون غير صحيحة، أو غير ناضجة، أو تكون قد تكونت في ظروف مغايرة كثيراً لما نحن فيه اليوم، وتؤدي الأمثال والمقولات الشعبية المأثورة عن السابقين دوراً سيئاً في هذا المقام لأن كثيراً منها كان عبارة عن إطلاقات بَدَهية لا تستند إلى خبرة عريقة، ولم تتعرض لأي دراسة أو تمحيص جيد.

إن انطباعي عن زيد من الناس بأنه مهمل أو حقود أو كذاب أو سريع الغضب، قد يكون تولد من موقف واحد معه أو نتيجة إخبار بعض الناس لي، ويكون ذلك الموقف استثنائياً، لا يمثل وضعيته العامة، أو يكون الذي أخبرني غير صادق أو غير دقيق فيما يقول، وقد يكون الرجل أقلع عما كان عليه، وحسن حاله، وحينئذ فإن انطباعاتي وأحاسيسي عنه قد تكون متخلفة وظالمة!

بعض الأفكار الموروثة نشأ بسبب وجود الأمية، أو بسبب أسلوب متصلب في التربية، أو بسبب عرف اجتماعي غير صحيح.. وعلى سبيل المثال فإن قول العامة: "أكبر منك بشهر أعرف منك بدهر" نشأ نتيجة انتشار الأمية، حيث يكون لكبر السن أثر كبير في حصيلة الإنسان العلمية، أما اليوم فإن العلم الغزير ليس مرتبطاً بالأعمار على نحو مطرد... إلخ.

نحن في حاجة ماسة إلى غربلة ما ورثناه من مفاهيم ومقولات ومشاعر وانطباعات عن طريق النقد الدقيق والتأمل العميق والتحاكم إلى الخبرات الجديدة، وأعتقد أننا إذا فعلنا ذلك فإننا سنكتشف زيف الكثير من ذلك، كما أننا سنكتشف أن خضوعنا له قد غمرنا بالكثير من الأوهام!

إن جوهر التقدم العقلي يرتكز إلى حدٍّ, بعيد على مدى قدرتنا على امتحان الأفكار والمفاهيم والمشاعر الموروثة، والتأكد من الوضعية المناسبة لها في منظوماتنا الثقافية والقيمية الجديدة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.

 

المصدر: "إسلام ويب".

نشر في مستشارك
الأحد, 09 يوليو 2017 15:05

كي لا تندم على حياتك

هل تظن الكلام الشبيه بمصطلحات التنمية البشرية؛ غير حقيقي؟

إذا كانت إجابتك بـ نعم.. فعليك التفكير مرة أخرى. لن أنكر أن هناك بعض البشر استغلوا التنمية البشرية كـ «سبوبة» أو مصدر للرزق، دون أن يكون بداخلهم رغبة ملحة لمساعدة الناس، ولكن هذا لا يمنع أن هناك بعض النصائح التي تتداول بينهم والتي حولوها إلى "أكليشيهات" ليس لها طعم؛ وهي في الأصل حقيقة يجب أن تعيد النظر إليها، حتى لا تندم على ما يمر من عمرك.

لست وحدك: إذا أصر من حولك أن يلقوا الاتهامات في وجهك؛ بسبب أخطائك الصغيرة التي ترتكبها، معللين غضبهم بإصابتك ببعض العقد النفسية، والتي ليس لديهم ذنب فيها، عليك وقتها أن تذكر نفسك، أنك لست وحدك الذي تعاني من اضطرابات نفسية، كل شخص على وجه الأرض حصل على نصيبه من الصدمات والتجارب السيئة التي تؤهله لأن يكون مريضاً نفسياً، فلا تسمح لأي شخص أن يلوح لك بهذا الكارت في وجهك.

هل تتذكر كل الأفعال التي كنت تقوم بها لتدليل من حولك، من أجل الحصول على رضاهم، حتى تشعر بالرضا عن نفسك؟ لا تدر في تلك الدائرة المغلقة، كل ما عليك فعله؛ هو تدليل نفسك، حتى ترضى عن نفسك.

تحديد الاتجاه.. والجهد الكافي: لا يوجد أي شخص في حياتك مسؤول عن تحقيق أحلامك؛ سواك أنت. لا يوجد شخص قادر على منعك من السير في هذا الطريق، أو إعطائك دفعة أنت لست على استعداد كاف لها، عليك أن تقف مع نفسك وقفة، وتسأل نفسك هل أنت الآن تسير في الطريق الذي تختبر فيه السعادة والأمل في تحقيق هدفك، إذا كانت الإجابة بـ لا، عليك أن تبدأ في وضع خطة جديدة، دون أن تعتمد على أحد، أو توهم نفسك أن هناك شخص قادر على منعك أو تحطيم تلك الخطة، وبعد أن تحدد طريقك الجديد، ابدأ بالتنفيذ فورًا دون تردد، وابذل أقصى ما تملك من طاقة ومجهود.

لا تبحث عن تبريرات: أكبر ذنب يمكن أن ترتكبه في حق نفسك، هو البحث عن تبرير لشخص أذاك نفسيًا، ولم يبذل عناء التبرير لك بنفسه، لأن هناك فرق كبير بين حبك للآخرين، وبين التدليل الزائد لهم، لا تبحث عن تبرير لشخص فعل شيئا ليؤذيك به، بل عليك أن تواجهه وتنتظر منه التبرير المقنع، ولا ترضى بتبرير غير مقنع.

دلل نفسك: هل تتذكر كل الأفعال التي كنت تقوم بها لتدليل من حولك، من أجل الحصول على رضاهم، حتى تشعر بالرضا عن نفسك؟ لا تدر في تلك الدائرة المغلقة، كل ما عليك فعله؛ هو تدليل نفسك، حتى ترضى عن نفسك، وتشعر أنك لا تحتاج لأي شخص حتى تكون سعيدا، ولست في حاجة لرضا الناس عنك، مهما فعلت لن تستطيع أن ترضي كل الناس، الأسهل هو أن ترضي نفسك، ولن يتبقى في حياتك في ذاك الوقت، سوى الناس الذين يحبونك بصدق، وليس من أجل مصلحتهم.

ما حدث قد حدث: لا تحمل نفسك ما يفوق طاقتها، نعم بالطبع أخطأت في أشياء كثيرة، ولكن من لا يكون لديه القدرة على مسامحتك، فاجئه أنت بقدرتك على مسامحة نفسك، وسامح الآخرين أيضا، من لا تقدر على مسامحته، أخرجه من حياتك تمامًا، حتى لا يتحول إلى سم ينهش في روحك وأعصابك، سامح نفسك والآخرين وستجد أن حياتك قد تغيرت للأفضل.

جسدك وعقلك: الغذاء الصحي والتمارين الرياضية ليست رفاهية كما يتصور البعض، عندما يتقدم بك العمر، ستجد أن كل ما أكلته من طعام غير صحي ينقلب عليك، وجسدك الذي تركته يتخشب دون عناية رياضية حتى لو بالمشي، سينقلب عليك أيضًا، وتظهر عليك الأمراض في سن صغيرة وأنت في غنى عن كل هذا، وإذا انتظمت على نظام غذائي يناسب جسدك واحتياجاته، ومارست أي نوع من الرياضة تجده مريحا لك، بداية من المشي؛ ستشعر أن عقلك يشعر بهذا التغيير، وستكون أفكارك أكثر ترتيبًا ودقة.

المصدر: "مدونات الجزيرة".

نشر في مستشارك
الأحد, 12 فبراير 2017 12:52

الأقطاب والأبعاد الثلاثة

 

ـ المدرسة لها دور خطير لأنها تستولي على الطفولة أصعب وأخطر سنوات الإنسان

ـ مشكلات الأسر في البيوت ليست وليدة يوم وليلة أو تصرفاً خاطئاً ولكن مكونات تراكمية وترسبات فكرية وذهنية

 

قالت: لنا عليك حق يا دكتورة كمستشارة لمدارسنا أن تعطينا من وقتك لقاء خاصاً لنا كزملاء.

قالت زميلة أخرى: نعم.. نعم.

وقال زميل: حقاً نحن نحتاج إلى استشارات لحياتنا الخاصة وبيوتنا.

قلت: فلنجعله يوم الحفل النهائي.

قالوا: موافقون.

قالت أخرى: فلنعدّ من الآن ليس للحفل فقط إنما أسئلتنا كلها.

قلت: كما تريدون، فللأصدقاء حقوق أيضاً.

وفي الحفل اجتمع الجميع حول بعضهم، تاركين للطلبة فترة راحة وترفيه، ثم بدأت إحدى الزميلات فقالت: جميعنا يتساءل: لماذا ساءت علاقتنا كآباء بالأولاد مع العلم أننا نحاول دائماً أن نوفر لهم حياة كريمة بكل الوسائل؟

أكّد أحدهم كلامها: فكما ترين يا دكتورة؛ أب لا يرجع البيت إلا وقد أنهكه العمل، وزوجة تساعد وتسد ما نقص من الآباء في تربية أولادهم، إلا أننا دائماً ملومون من المتخصصين والتربويين حتى من الأولاد أنفسهم.

قلت: لأنك لا تربي وحدك، فهناك ثلاثة أقطاب تشاركك في تربية الأولاد؛ الإعلام والمدرسة والمجتمع.

فالإعلام بمستواه الهابط من جهة، والخيالي من جهة أخرى، والذي يدعو للتخلف من جهة ثالثة.

ثم ثانياً المدرسة تأتي لتدعم ذلك بمناهجها المتخلفة التي لا تساعد على مهارات أو تنمية ذات أو بناء عقول.

فتدخل أحد الحضور قائلاً: وأكيد المجتمع كقطب ثالث لن يختلف كثيراً عن سابقيه الأول والثاني في وأد العقول والأفهام.

تداخل من بجواره في الرد قائلاً: نعم، وهذا بالفعل ملموس جداً في طبيعة المناهج التي ندرّسها للطلبة.

قالت زميلة: نعم ولا تطوير للمدرسين والمعلمين وأصحاب المهنة ليمنحوا طلابهم من عقولهم وثقافاتهم.

قلت: إن دور المدرسة خطير جداً؛ لأنه يستولي على أصعب وأخطر سنوات الإنسان ألا وهي الطفولة، فهي مرحلة تكوين قناعاته ومبادئه وقيمه وفهمه لدينه، وكذلك لرعاية موهبته وعقله، وذلك الذي لا يحدث ولا يتم.

قال: مهما حاول المعلم أن يؤدي دوراً مختلفاً مع طلابه ومؤثراً لن يستطيع تغيير منظومة ممنهجة لتخريج عقول فارغة ونفوس لاهية.

قاطعتهم زميلة أخرى قائلة: سيظل يلاحقنا الطلاب بمشكلاتهم حتى في هذا اللقاء الخاص بنا وللسؤال عما نريد ونجعله لقاء وجلسة خاصة بنا وأسرنا.

تدخل أحد الحضور: يا عزيزتي، ها نحن جميعاً نعمل في جميع المراحل هنا، فكما نحن معلمون فنحن آباء لهؤلاء الطلاب أيضاً، وما يجري عليهم يجري على أولادنا.

قلت: نعم، إن مشكلات الأسر في البيوت والآباء مع أولادهم ليست وليدة يوم وليلة، أو تصرفاً خاطئاً من هذا أو ذاك فقط، ولكنها مكونات تراكمية وترسبات فكرية وذهنية.

قال: وكيف غفلنا عن ذلك؟

قلت: الملهيات كثيرة، واللهث وراء مجريات الحياة العصرية لا ينتهي.

قالت: وماذا عن القطب الثالث، بعد الإعلام والمدرسة؟

قلت: المجتمع والبيئة المحيطة بتربية هذا النشء سواء الشاب أو الفتاة القطب الثالث، سواء كانت بيئة محلية؛ أي الأسرة والعائلة، أو خارجية مثل الشارع والعمل وغيره، ففي بعض المجتمعات اختفى الدور المقوّم لهذا الاعوجاج في الشخص من جهات خيرية ودور المسجد الواعظ وغيره، ليحتل الإعلام ذلك كله ويوجهه.

قال: لماذا تحملين الإعلام كل هذه النتيجة؟

وافق بعض الحضور على قوله ورد آخرون: ألا تدري ما خطورة فيديو واحد على طفل صغير مكثت تؤسس وتكوّن في قيمه سنوات ثم يأتي الإعلام يهز هذه القيم تدريجياً بما يقدم؟

رد قائلاً: الإعلام منذ أن خرج علينا وهو هكذا، ولم تكن النتائج سلبية كالآن.

قلت: بالفعل لسببين؛ الأول: انشغال الأهالي عن أولادهم بشكل كبير بسبب العمل الشاق والمتواصل لتوفير الحياة الملائمة التي قد ألزموا أنفسهم بمستواها باختيارهم أحياناً، أو الإهمال والكسل والإلقاء بهم أمام الشاشات لتتخلص منهم الأمهات أو لتريحكم كآباء من صداع رؤوسهم وكثرة طلباتهم وفرط حركتهم.

هذا بالإضافة إلى زيادة الانفتاح العصري والتكنولوجي وسهولة التواصل مع العالم الآخر بضغطة زر، وضعف الاهتمام من البيت، ثم ضعف الوازع الديني؛ برز الإعلام في توجيه فكر الأولاد بتقديم مواد هابطة وسيئة الخلق ومتدنية لأقصى درجة ممكنة في القيم والأخلاق العامة المتعارف عليها، وصار الشباب والأطفال والفتيات يقلدونهم، متخلين عن قيم سوّل لهم الإعلام أنها رجعية وتخلف.

قالت: معك حق، أبعد كل هذا ماذا سنجني غير المشكلات والصدامات؟

قالت زميلة: نعم، لقد صعبت علينا التربية في هذا الزمان.

رد بعض الزملاء ضاحكين: لا تتخذن هذا ذريعة للإهمال أو التقصير في حق الأولاد.

قلت: السفينة لها قائد ومعاونون، لا المعاونون ينجحون من غير القائد، ولا القائد يسايرها من غير معاونين، هكذا هي الأسرة والبيت.

ضحكت بعض السيدات في القاعة قائلات: أنصفتينا يا دكتورة.

ولنسألك سؤالاً آخر تتسع له صدور الجميع بعد السؤال عن الأولاد، دعينا نسأل: لماذا كثرت المشكلات بين الأزواج أنفسهم؟

قلت: لأسباب عدة؛ منها إيماني، وهذا هو الأساس، ثم فكري ثقافي، ثم سلوكي.

قال: كل هذا يا دكتورة؟ لماذا تزداد الحياة تعقيداً هكذا.

قلت: نعم، وكذلك أيضاً ثقتنا في بعض قلّت، فلا الزوجات يثقن في أزواجهن، ولا الآباء يثقون في أولادهم.

هاج بعض الزملاء قائلين: ولماذا لم تقولي: والأزواج لا يثقون في زوجاتهم؟

ردت إحداهن قائلة: لأن من الصعوبة بمكان أن تنجرف أو تنحرف الزوجة سلوكياً وأخلاقياً ولديها زوج وأولاد مهما كانت الحياة بينهما، قد تفكر في الطلاق والانفصال، ثم ضحكت وقالت: أو حتى الانتقام بالقتل مثلاً! لكن خيانة شبه مستحيل.

ردت أخرى: إلا في حالات نادرة كوسيلة انتقام أو العكس هي منحرفة من يومها لخلل سلوكي لديها من الأساس.

أيَّدت كلامها ثالثة: قد يضعف إيمان المرأة المتزوجة كأي إنسان، لكن تفكر في الخيانة فهذه الخطوة تعمل لها ألف حساب، أما الرجل من السهل عليه أن ينشئ علاقة وهو يسوّل لنفسه أحياناً أنه سيخطب تارة، وضعف إيمان تارة أخرى، أو سلوكه وأخلاقه هكذا تارة ثالثة.

استسلم الحضور لكلامها حتى عاود السؤال أحد الحضور: نعم صرنا فريسة سهلة للتقنية الحديثة والتكنولوجيا التي أسأنا استخدامها.

قلت: وهذا هو مربط الفرس في الأبعاد الثلاثة التي ذكرتها، فالإيماني مثلاً ومع الانفتاح هذا جعل مقاومة النفس لمراقبة بارئها تحتاج إلى مشقة وجهد وصراع مع النفس، سواء كانوا أزواجاً أو أولاداً أو بشكل عام؛ لأنها تحيط بنا من كل جانب.

أما البعد الفكري الثقافي؛ فلقد تناقلت الثقافات سيئها بحسنها، ولكننا قوم نقلد ونستخدم السيئ أكثر من الحسن، على الرغم من أن هذا البعد الثقافي قد يكون عاملاً مساعداً كبيراً وجانباً تطويرياً رائعاً على المستوى الشخصي والمهني من التعلم عن بُعد، وتعلم كيف تكون الحياة الجديدة بعلومها الحديثة وغيره بضغطة زر دون عناء أو جهد.

ثم يأتي البعد السلوكي؛ وهو الذي يترجم صدق البعدين الأولين، ومدى الإصرار والعزيمة على فعل التصرف السليم والصحيح المبني على قناعات سليمة وقبلها عقيدة صحيحة.

قال: إذاً حل إجابة هذا السؤال الصعب والذي حير الجميع هو ضعف إيماني، ساعد في ذلك البيئة المحيطة بمتطلباتها من لهث وراء توفير مستوى معيشي راقٍ، وتكالب الجميع علينا كالفريسة من إعلام، وتجاهل التعليم العمل على تنمية مهارات الإنسان، ومجتمع لا يراقب وليس له دور سوى المساعدة على الإفساد أكثر من الإصلاح، في لحظة غاب فيها وعينا نحو تربية متوازنة بين المادة والنفس والعقل.

ضحكوا جميعهم قائلين: هكذا أنت كعادتك توجزين وفي الوقت المناسب، خاصة ووقت الحفل قد انتهى، وعام دراسي أيضاً قد مضى، لكن نتمنى وجودك دائماً وسطنا يا دكتورة كل عام، فلقد سعدنا بالنتائج هذا العام من الطلبة لتحسن حالتهم النفسية ومعالجة مشكلاتهم ومناقشة أسرهم.

ابتسمتُ قائلة: وأنا كذلك، ونصيحتي الأخيرة: التزموا صحبة طيبة تعينكم على حسن الالتزام والطاعة، قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً {28}) (الكهف).

نشر في مستشارك
السبت, 07 يناير 2017 13:19

نعم للحب

 

- الحب في ذاته ظاهرة صحية وعلامة نضج بالإضافة إلى أنه فطرة فهو شعور يسري في الجسد دون أن تتحكم فيه

- لو واصلت تعاملك مع الفتاة سينتابك شعور الندم والاحتقار لذاتك مصحوباً بحالة من الكآبة خاصة المرات الأولى

- النظرة الأولى هي رغم عنك والتي قد يتولد معها الإعجاب لوهلة وهنا عليك التوقف فوراً لتسأل نفسك: لماذا أنظر مرة أخرى؟

في الصباح، وعند دخولنا إلى المدرسة بلهفة مصحوبة بلهثة، نادتني إحدى المعلمات: دكتورة، أريدك بسرعة في أمر مهم قبل أن نبدأ اليوم وننشغل.

قلت: نعم.

قالت: لدينا في المرحلة الإعدادية والثانوية مشكلات ليس لها حصر.

قلت لها: مثل..؟

قالت: الاكتئاب أحياناً، والشرود والإهمال للدراسة أحياناً كثيرة، والرسوب أيضاً، هذا غير مزاجهم المتقلب جداً، ومشكلاتهم التي لا تنتهي مع المعلمين، والآباء في البيوت يشتكون أيضاً ويطلبون المساعدة.

قلت: طبيعي فعلاً ما ذكرته، لكن لماذا تهتمين به الآن؟

قالت: يا دكتورة، مع وسائل التواصل الاجتماعي التي حلت علينا وتحولت من ضيف إلى محتل بيوتنا وغرف نومنا، حتى صارت جزءاً أصيلاً من حياتنا!

قلت: بل حياتنا ومسايرة أعمالنا كلها مرتبطة بها.

قالت: والشباب يركزون عليها في علاقتهم مع البنات، وكل علاقاتهم، متخفين وراء الشاشات.

قلت: وما المطلوب؟

قالت: نعقد ورشاً نقاشية لهؤلاء الشباب وندوة عامة معهم للنقاش.

قلت: لك ما تريدين.

قالت: سأرتب للأمر وأبلغك.

وفي الموعد بعد صعوبة في تجميع الطلبة على ندوة بعنوان «نعم للحب».

قلت: أبنائي الطلبة، من لا يحب منكم فليعرض نفسه على الطبيب، فهمهم الجميع واندهشوا وتعجبوا!

وقال أحدهم: أتضحكين أم تستهزئين؟

قلت: لا هذا ولا ذاك، بل جادة جداً فيما أقول.

قال آخر: إذاً أكيد حب الله، وحب الرسول صلى الله عليه وسلم؟

قلت: بل الحب الذي تقصدون.

قال أحدهم: بما أنك دكتورة في الاستشارات الأسرية، إذاً تقصدين الخاطبين والمتزوجين، ونحن لم نصل لذلك بعد.

قلت: لكن لكم كل الحق أن تتعجبوا مما أقول وغيري يقول غيره، لكن أحياناً نسيء تقديم ما عندنا، أو يسيء غيرنا فهمنا لقناعاته ومواقفنا المسبقة ضده.

فقال أحدهم: إذن إذا أحببت فتاة أخرج من دائرة المرضى الذين يستوجبون الذهاب للطبيب؟

قلت: نعم.. الحب في ذاته ظاهرة صحية وعلامة نضج ونمو، بالإضافة إلى أنه فطرة، فهو شعور يسري في الجسد دون أن تتحكم فيه، فهو رغم عنا أحياناً.

فقال بعضهم: معقول! وجدنا من ينصفنا ويعذرنا وينتصر لنا.

فقال أحدهم: هل تسمحين بهذا لابنك أو ابنتك؟

قلت مبتسمة: هل ترد لي الجولة؟ أم تطلب يد ابنتي؟

ثم قلت: أسمح فيما سمح به الشرع، ولا أسمح فيما لا يسمح به.

فقالوا بصوت جماعي: هل فعلاً دكتورة ستسمحين لابنك؟ وما الذي سمح به الشرع؟

قلت: أسمح له بما اعترف به الشرع أن نمو الحب قد لا نستطيع أن نوقفه، لكن لن أسمح باستمراره.

قال: ولكن نمو الحب الآن وسائله اختلفت عن زمنكم؛ مما يصعب علينا المهمة!

قلت: بل يزيدها، فلقد زادت ولم تختلف؛ أي قد ينمو الحب بين طرفين بتلاقي النظرات أو بالسمع؛ أي تسمع عن شخص فتعجبك صفاته أو جماله، وتبدأ تتابع أخباره، وقد تتعلق به وأنت لم تره مثلاً، سواء كان هذا بكلام الأهل عنه كالجيران والأقارب مثلاً، وغيره من الوسائل الحديثة التي زادت عن ذي قبل، فجعلت أمر الإقلاع عنه يحتاج إلى إرادة قوية منك وعزيمة وإصرار على تنفيذ أمر الله الذي هو حفظ لك وصون.

قال: لكننا قد نتعذب من هذا الحب؛ لأنه لا يتم في غالب الأمر لمنتهاه، فهو مجرد تسلية أحياناً.

قلت: حتى ولو واصلت تعاملك مع الفتاة؛ سينتابك شعور الندم والاحتقار لذاتك ونفسك مصحوبة بحالة من الكآبة خاصة المرات الأولى؛ لأنها الفطرة، ولأنك تعرف أن هذه قد تكون أختك أو ابنتك في يوم من الأيام؛ لذلك أنت تشتري العذاب بنفسك في الحالتين.

قال: وما العمل في شعور يأتي رغماً عنك أو تستحسنه؟

رد آخر: لا ليس رغماً عنك.

قلت: لا، قد يأتي في البداية رغماً عنك.

قال: كيف؟ وماذا تقولين في النصوص الشرعية؟

قلت: ومن قال: إن الشرع ضد الحب، أو إنه لم يراعِ حالتك كشاب ورغباتك الفطرية؟

قال: لم أفهم!

قلت: الشرع لن يحاسبك على شيء أتى رغماً عنك، لكن يحاسبك فيما تملك.

قال: لكن الحب شيء جميل.

قلت: نعم، ولذا صانه الله عز وجل بضوابطه، فلماذا تعذب نفسك بعلاقة أنت طرف خاسر فيها؟!

قال: كيف؟

قلت: ستعيش حياتك كلها تشك في أقرب الناس حولك، وستتعذب بما فعلت مدى حياتك، وتتحول حياتك إلى جحيم الشك والحفظ على أهل بيتك من أي شيء، وهذا ما تأتينا مشكلاته كل يوم، ناهيك عن مخالفتك لأمر الله، فقال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى {124} قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً {125}‏) (طه).

همهم الجميع ساكتين لحظات!

ثم قال أحدهم: أنتِ زدتِ الأمر صعوبة وتعقيداً.

قلت: لِمَ وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك: «يا عليّ لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة»؟

وهذا هو مربط الفرس؛ النظرة الأولى هي رغم عنك التي قد يتولد معها الإعجاب لوهلة أو الانجذاب، وهنا عليك التوقف فوراً لتسأل نفسك: لماذا أنظر مرة أخرى؟ هل لغرض الزواج بضوابطه وقواعده، أو التسلية والمشاهدة التي قد يعقبها إعجاب أكثر ثم علاقة وغيره؟ وهذه ليست لك؛ أي النظرة، حتى يحاسبك عما تملك ويحفظك مما تخاف أنت منه وتشفق على نفسك منه، فعذر العقوبة لك من أجلك أولاً وأجل عرض أهل بيتك.

قال أحدهم: وما الحل؟

قلت: بسيط جداً؛ تغمض عينيك فوراً؛ أي أغلِق عليك عينيك.

ضحك قائلاً: وكيف أغمض عيني؟ أليس هذا استخفافاً؟

قلت: الاستخفاف الحقيقي أن تؤدي بنفسك وعينيك هاتين للنار بهذه النظرة التي قد تولد رغبة قد تقودك إلى الحرام أو الحلال.

قال آخر: فعلى هذا سأمشي مغمض العينين، وأجلس على هاتفي مغمض العينين، وأجلس على حاسوبي هكذا أيضاً!

قلت: الله عز وجل الذي يعلم نفوس من خلقهم، ويعلم ماذا سيكون غداً، حدد على لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، فإن لم يكن الزواج فعليك بالصيام سيعفيك من تطاول النظر للنساء، ثم من يتق الله يجعل له مخرجاً، فاتق الله ما استطعت، ومن طلب العون من الله أعانه، فلتضع ضوابط لنفسك في الحياة والتعامل مع مجرياتها ومستجداتها مهما طال الزمن أو تطورت الحياة، فمثلاً:

لماذا تضيف فتيات إلى حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي بدون داعٍ أو ضرورة؟

لماذا ترمي رقم هاتفك لهذه وتلك؟

لماذا تتعمد متابعة من بصفحاتهم الفحش والرذيلة بحجة الهزار والتسلية؟

لماذا تغازل هذه وتعاكس تلك؟

لماذا تتصيد وتراهن على البنات؟

لماذا تتباهى وتتحاكى بمغامراتك؟

قال أحدهم: قد تضطرك الظروف للتعامل من خلال دراسة وأنشطة ومخالطة للفتيات في وسائل التواصل الاجتماعي وغيره.

قلت: ضع ضوابطك أنت بألا تختلي بها في محادثة، وابتعد دائماً عن الخلوة حتى لو في محادثة، فاجعلها جماعية، وإن اضطرتك الظروف قل ما تريد وانصرف، ولا تعطِ نفسك أبداً الفرصة لاقتناص النظرة التخيلية أو التلذذ بالصوت والكلمات، وكف أذاك عن نفسك أولاً بما تفعله ثم بالآخرين يحفظك الله ويصونك ويعينك.

ولتعلم أن من طرق بيت الناس طرق الناس بابه.

وتذكر أن الحب أجمل شيء في الحياة في الحلال؛ لأن المشاعر لا تسرق؛ لأنها تفقد مذاقها الحقيقي فلا تخسر الحلال بالحرام.

عندما تتحكم في عواطفك تمتلك ذاتك وتملك قرارك.

نكّسوا رؤوسهم، ثم همس أحدهم: لكن التحدي صعب جداً في مجتمعات منفتحة، والبنات تعرض عليك ليل نهار، وتطلب ودّك وصداقتك بدون أدنى مشكلة.

نظرت إليهم خاتمة حديثي: أنت أقوى من أن تضعفك عاطفة، وأكرم من أن تتلاعب بفتاة.. فتمسك بفطرتك تنجُ بإذن الله.

نشر في مستشارك
الصفحة 1 من 2
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top