الاضطرابات النفسية.. هل يمكن تجاهل البعد الروحي في علاجها؟
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الاضطرابات النفسية من أخطر المشكلات الصحية التي يواجهها العالم في العصر الراهن، ويعتبر الاكتئاب، إلى جانب أمراض أخرى مثل الفصام، والاضطراب الوجداني الثنائي القطب، أحد أهم هذه الاضطرابات، وهو يصيب -أي الاكتئاب- أكثر من 400 مليون شخص في المعمورة من مختلف الأعمار بمن فيهم الأطفال والمراهقين، وتزداد نسبته عند النساء.
وتؤكد المنظمة أن النظم الصحية لا تستجيب بشكلٍ كاف حتى الآن لتحمل عبء الاضطرابات النفسية؛ لذا فهناك فجوة كبيرة بين الحاجة إلى العلاج وتوفيره في جميع أنحاء العالم.
وتبرز المنظمة أن هناك ما بين 76% إلى 85% من المصابين باضطرابات نفسية لا يتلقون أي علاج لحالتهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، فيما يعاني ما بين 35% إلى 50% من الأمر ذاته في البلدان المرتفعة الدخل.
ويرتكز العلاج عادة على الجانب البيولوجي وتقويم السلوك المعرفي، لكن السؤال الذي بات يطرح بإلحاح، هل يمكن تجاهل البعد الروحي في علاجها؟
أسباب متعددة
يقول الدكتور أحمد الكرعاني الاختصاصي في الأمراض النفسية والعقلية إن الاضطرابات النفسية ومنها الاكتئاب لها ثلاث عوامل رئيسية، بيولوجية وسيكولوجية نفسية واجتماعية.
ويشير في تصريح لمجلة المجتمع إلى أن من سمات الاكتئاب الشعور بالحزن، وعدم الاهتمام أو التمتع بالأشياء، والشعور بالذنب أو قلة تقدير الذات، واضطراب النوم أو الشهية، والإحساس بالتعب، وضعف التركيز.
ويضيف أن الإصابة بنوبة الاكتئاب قد تكون بسب أزمة أسرية أو اجتماعية أو بدونها، وهي ناتجة عن خلل بيولوجي في إفراز مواد عضوية في دماغ الإنسان.
ويؤكد أن المكتئب يشعر بالحزن لأنه يعتقد أن حل أزمته غير موجود وأن الأمل مفقود.
من جهته يذهب الداعية الإسلامي الأستاذ حماد القباج إلى أن الاضطرابات النفسية مرتبطة أيضاً بفلسفة الإنسان في الحياة، خاصة إذا لم يعط لروحه حقوقها التي لا تستقر إلا بها.
ويشير القباج في تصريح لمجلة المجتمع إلى أن المذاهب الفلسفية التي تعلي من قيمة المادة والشهوات الجسدية هي المهيمنة وهذه المذاهب في غالبها لا تهتم إلا بما هو محسوس ومادي من متطلبات الإنسان ولا تؤمن بالغيب ومنه النفس وقواها ومتطلباتها الملحة.
فيما يؤكد الأستاذ يوسف برهيل الباحث في الدراسات الإسلامية أن التمدن الباذخ لم يستطع فتح بوابة الجواب عن السؤالات الكبيرة الصغيرة في ذات الوقت، فضلاً عن أن يشبع الخواء النفسي المضطرب ويسكن اللجاج العقلي المنتفش.
لذلك نجد أن النفس المبتعدة عن الروح، بحسب برهيل، تعاني وتقاسي وتناقش، دون جدوى بل تزداد الآهات علواً مع كل إعلان عن التقدم في التمدن، مما يسبب ذلك الفصام النكد المصنوع بين مكونات الإنسان وحاجاته الغذائية المتوائمة معها.
علاج فعال
ويعتبر الدكتور الكرعاني أن علاج خلل الاضطرابات النفسية بواسطة العلاج النفسي يقود في الغالب إلى عودة التركيز والرفع من الهمة والرغبة في العمل وتحسن المزاج مع العودة إلى ممارسة الأنشطة العادية.
لذا يرى الكرعاني أن جلوس المرض إلى صديق أو قريب والاستماع إلى نصائحهم قد يكون غير مجد بالمرة، وبالتالي فهو محتاج إلى العلاج أكثر منه للنصائح، والذي يعتمد على أمرين أساسيين، أولا الدواء وثانيها حصص العلاج السلوكي المعرفي المتخصص المركز على كيفية التعاطي مع المشاكل وكيفية تأويل الأحداث.
علاوة على ذلك فإن معالجة المشاكل الاجتماعية تؤدي دورها أيضا في العلاج النفسي، يبرز الكرعاني، خاصة ما تعلق بها بالبطالة والاستغلال البدني أو النفسي، وعدم الاستقرار الأسري، والبطالة وارتفاع نسبة انعدام الأمن في الأحياء الهامشية.
لكنه يشدد على مسألة غاية في الأهمية، والتي قد يلتفت لها العديد من المتخصصين، وهي أن الطب النفسي يرى الإنسان في شموليته، سواء تعلق الأمر بالجانب البيولوجي أو السيكولوجي، أو العاطفي والمعرفي، لكن لماذا لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الروحي، ذلك أنه من المؤكد أن هذا البعد يؤثر في الحياة النفسية للإنسان، وبالتالي فالأخذ به بعين الاعتبار ضروري جداً عند التكفل بالمريض.
ويوصي الكرعاني في السياق المتعلق بالممارسة الطبية العلمية بضرورة الاستجابة إلى الاحتياجات الروحية للمرضى وأهاليهم، لأن أي إهمال في الأمر يمكن أن يؤدي إلى معاناة حقيقية.
بدوره يبرز القباج أن الدين جاء بالأساس ليلبي ويشبع رغبات الشق الروحاني من الإنسان، وليحدث التوازن بين تلك الرغبات ورغبات الجسد، ومن هنا فهو يشكل وقاية ومناعة ضد الأمراض النفسية، كما يشكل العلاج الحقيقي لتلك الأمراض.
ولذلك الفلاسفة الذين زعموا أن الدين مجرد ابتكار بشري لأسباب اقتصادية ـ يتابع القباج ـ لم تصمد فلسفتهم في الواقع ولم تنجح الدول التي تبنتها في فرضها على مجتمعاتها، ولذلك روسيا الحالية قطعت مع منهجية تعامل الاتحاد السوفييتي مع الدين، وشجعت دور الكنيسة الأرثوذوكسية.
ومن هنا وصف الله تعالى الإسلام بأنه فطرة: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}، فالفطرة شيء مجبول في النفس الإنسانية يعبر عن حاجتها الماسة للدين.
ومن المؤكد أن الإنسان مجبول على البحث عن السعادة، لذا يرى الأستاذ يوسف برهيل أن التدين الذي يعطي الإنسان ثمرة العيش الأفقي هو التدين الصحيح المؤسس على العلم.
ويؤكد أن من عاش حياته بمصدرية الإسلام مبدأ ومنتهى، فإن حركاته تلقائياً تنساب متناسقة مع الكون، لما اجتمع فيه من عبودية الكائنات، مما يعطي روح الإنسان وعقله جرعة سكينة تظهر على جوارحه نوراً وانتعاشاً.
ويشير إلى أن الإسلام حياة متكاملة متطاوعة بين المكون الإنساني المثلث من الروح والعقل والجسد، وهذا سر السعادة المتواري ضمن الأحكام والتعاليم الملزمة للمسلم.
دراستان
أبرزت دراستان حديثان أنجزها الدكتور أحمد الكرعاني ومكن مجلة المجتمع من نتائجها أن البحث في المؤلفات العلمية التي تطرقت لعلاقة التدين والروحانيات بالصحة النفسية، يظهر لنا وجود تقاطعات بين المجالين، ابتداء من تكوين شخصية الإنسان، مروراً بمرحلة النضج، ثم البحث عن المعنى و مواجهة مشاكل الحياة.
وفي الدراسة الأولى حول المرضى المستفيدين من الفحوصات الطبية بمستشفى الأمراض النفسية، والذين كان عددهم 100 مريض، حيث قامت بتقييم حاجاتهم الروحية ومعتقداتهم، والوسائل التي يلجئون إليها لمواجهة صعوبات الحياة ومكانة التدين بين هذه الوسائل .
وأظهرت نتائج هذه الدراسة أن الدين له مكانة أساسية في الحياة بالنسبة ل 53 % من المرضى المستجوبين، وأن 61 % منهم يلجئون إلى الإيمان بالله لمواجهة الصعوبات المرتبطة بالمرض .
كما توصلت الدراسة إلى أن 87 % من المرضى لديهم ممارسات دينية فردية و 54 % لديهم ممارسات دينية جماعية، وأن 50 % يعبرون عن ارتياحهم التام في الكلام مع الطبيب عن مواضيع ذات أبعاد روحية ودينية .
أما الدراسة الثانية والتي هدفت إلى تقييم أجوبة الأطباء الممارسين في المركز الاستشفائي والذين كان عددهم 23 طبيباً وطبيبة، وتم استجواب هؤلاء عن موقفهم تجاه طلبات ذات بعد روحاني أو ديني من طرف المرضى، وقد أظهرت النتائج أن 70 % منهم لا يجدون أي حرج في استقبال أسئلة من هذا النوع من طرف المرضى الذي يشرفون على حالتهم، بعد الاطلاع على مدى أهمية الدين في حياة المرضى، ومدى لجوئهم إلى ممارسات ذات أبعاد روحانية للتغلب على صعوبات الحياة.
وبعد البحث في المواقف المختلفة للأطباء تجاه الطلبات الروحية للمرضى والتي في أغلبها إيجابية، يرى الدكتور الكرعاني أنه من الضروري التعمق في البحث في هذا الموضوع والقيام بدراسة أكثر تفصيل في طريقة التعامل الناجعة مع هذا النوع من الأسئلة مع احترام طبيعة المرض وخصوصيات المريض.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً