بعد فضيحة إبستين.. هل انتهت صلاحية «الرجل الأبيض» لقيادة البشرية؟
العالم الإنساني لم يعرف أبشع ولا أفظع
من الجرائم التي كشفتها «ملفات جيفري إبستين»؛ كاغتصاب أطفال، وقاصرات.
لقد كشفت هذه الوثائق عن الوجه القبيح للحضارة
الغربية التي فاق قادتُها ودعاتُها في قذارتهم وبشاعتهم ما اقترفه الإنسان من يوم
أن ولد، التي تدّعي قيادة الإنسان في هذا العصر عصر التحضُّر؛ فإذا بها تقوده إلى
الانحلال والتفسخ، والخلاعة والمجون، والاستغلال الجنسي، والابتزاز الاقتصادي،
والاعتداء والإرهاب، وإلى الجحيم!
فقد جرَّدت الأخلاقَ عن معناها، وبلغت من
الجرائم أقصَاها، حتى غدت الرذائل، فضائل تُسوَّق، والانحلال معيارًا يُروج، فكأن
الإنسان أصبح رقمًا في سوق الخسة والدناءة، تُدار إرادتُه بالغرائز، ويُصاد ضميرُه
بالشهوات.
وظهر جليًّا أن نخب الغرب، وقادة
التحضُّر، والدعاة إلى صيانة حقوق الإنسان، ورعاية الأطفال والنساء، أنهم حظيرة
بهائم، ليست فيها مروءة، ولا قيم، ولا أخلاق، ولا حياء.
وهي تثبت أن ما ارتكبه نخب الغرب وقادته
وساسته وعلماؤه في جزيرة إبستين نفسُ ما خُطِّطَ له في «بروتوكولات حكماء صهيون»،
وإبستين الأمريكي اليهودي المجرم المدان بالتجارة في البشر لأغراض جنسية، هو صنيعة
الصهيونية العالمية، فلو قارنَّا ما كشفته تسريباته لوجدناها رسمت من بروتوكولات
لليهود التي يمزقون بها الأوطان، والقضاء على الأديان، عن طريق نشر المذاهب
المختلفة، كالشيوعية والرأسمالية والإباحية والإلحاد، ودفع الناس للشهوات
والانحلال، والبعد عن كل القيم الإنسانية، مستغلين ما في النفس البشرية من الضعف
تجاه المال والنساء، ينفذون بسببها ما يطلب منهم دون أن يشعروا أو بإرادتهم.
وقد أشار إلى ذلك رئيس وزراء كندا في أهم
منتدى للنخب الغربية: إنه لم يعد بالإمكان مواصلة العيش في هذه الكذبة، وإن النظام
العالمي الذي كان قائمًا بقيادة الولايات المتحدة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، قد
انتهى.
فكأن المتحضرين والمتنورين أكبر خطر على
الحياة الإنسانية، وإن الذين يقودون الحضارة، ويحملون لواء العلم والتكنولوجيا
المتطورة، ويملكون الأموال والثروات، ويستولون على الحكم، هم الذين يعيثون في
الأرض فسادًا، ويدمرون ما يبنى على وجه الأرض، ويكتشفون وسائل جديدة ومجالات جديدة
للإفساد والتخريب، ولنشر الفحشاء والمنكرات.
كلُّ من يتابع ما يجري ويقع في العالم
يجد أنه نتيجة سوء تصرُّف أدعياء العلم والحضارة، والقيادة والسلطة، ويزداد بؤس
الإنسان وشقاؤه، وتتصاعد مشاكله وتتفاقم، وأما المنظمات والمؤسسات التي أتت إلى
حيِّز الوجود لإنقاذ الإنسان وإسعاده، عاجزة عن تأدية مسؤولياتها لأنها خاضعة
لسيطرة الأقوياء والمستبدين في العالم الذين يفرضون عليها إرادتهم ورغباتهم
بالقوة، وغارقون في مستنقع القذارة.
لقد مات الضمير، وتبلد الحس، وارتفعت
المروءة، وغاب الحياء، وفقد الإنسان بجرَّاء الحضارة الغربية الشعورَ القلبي،
والبصيرة، فهو إنسان في ظاهره، في ملبسه، ومسكنه، ونشأته، لكنه وحشيٌّ في ميوله،
ووحشيٌّ في غرائزه.
الحضارة الغربية تعلن إفلاسها، بإهدارها
للقيم والخصائص الإنسانية، والمقومات الفردية، بسبب رفضها أن يكون للدين هذه
الاختصاصات وهذا السلطان، وذلك باتخاذ مناهج للحياة غير منهجه، وبارتداد أوروبا
إلى المدنية الرومانية قامت الحضارة الغربية على أسس مادية خاوية من الروح
والإيمان.
يقول الفيلسوف البريطاني برتراند راسل:
انتهت سيادة الرجل الأبيض لأنه انتهى من الداخل، وفرغ من العقيدة ومن الروح ومن
الأخلاق على الرغم من تقدُّمه العلمي وإنتاجه المادي. (المستقبل لهذا الدين).
وكتب أسوالد شبنغلر: إن الجنس البشري
مقبل على الفناء في وقت قريب، وإن تدهور الحضارة الغربية سيجر معه حتمًا تدهور
الحضارة الإنسانية ما لم يشهد العالم ولادة حضارة جديدة. (تدهور الحضارة
الغربية).
وقد وصف الكاتب الروماني كونستانتان
جيوروجيو الحضارة الغربية المعاصرة بأنها الحضارة التي ولغ فيها الإنسان في
الدماء، حتى غدا شيطانًا مريدًا، له وجه إنسان، ولكنه ليس إنسانًا، إنه آلة، إنه
الشيطان، إنه يشبه الإنسان بكليته باستثناء الروح، لقد ولغ الآخرون جميعًا في
الدم، وهم الآن كالعفاريت، إنهم ليسوا بشرًا، لم يبق بين هؤلاء رجل واحد يمكن أن
يكون إنسانًا.
إنها حضارة السجن الذي يقف فيه الإنسان
على حدود الحياة والموت، تحيطه جدران صماء لا نهاية لها، وتغيب عنه معالم السماء
والأفق البعيد، وحيث يضيع الإنسان، فلا يعرف له موضع قدم، ولا يعرف له مصيرًا،
ويلتبس عليه الفهم، وتختفي معالم الأشياء، لأن صلته بالسماء قد انقطعت، وتلقيه عن
الله قد أوقف، وسدت عليه كل منافذ الرؤية إلى فوق، اسمعوا شكواه، وأنصتوا إلى
عذابه وهو في الغربة. (تهافت العلمانية).
ويقول سيد قطب: لا بد من قيادة للبشرية
جديدة، إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال.. لا لأن الحضارة
الغربية قد أفلست ماديًا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية، ولكن لأن
النظام الغربي قد انتهى دوره، لأنه لم يعد يملك رصيدًا من القيم يسمح له بالقيادة.
لا بد من قيادة تملك إبقاء وتنمية
الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية بقيم جديدة كاملة -بالقياس إلى ما عرفته
البشرية- وبمنهج أصيل وإيجابي في الوقت ذاته، والإسلام وحده هو الذي يملك تلك
القيم وهذا المنهج.
لقد أدت النهضة العلمية دورها، هذا الدور
الذي بدأت مطالعه مع عصر النهضة في القرن السادس عشر الميلادي، ووصلت إلى ذروتها
خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولم تعد تملك رصيداً جديداً.
الإسلام هو الذي يستطيع بنظامه المتكامل
والمتوازن، وقدرته على معالجة كل مشكلات الوجود الروحي والمادي أن يقدم الحل للمشكلات
المعاصرة الناشئة بسبب الحضارة الغربية المجردة عن الدين والقيم والأخلاق، وينقذ
الإنسان مما يعانيه اليوم دون أن يتخلى عن الانتصارات التكنولوجية التي أحرزها، بل
يحتضنها وينميها وفق قيمه الأخلاقية الروحية التي تضمن استمرارية الحضارة وسلامة
الإنسان ومجتمعه، فالإسلام هو البديل والحل، وهو دين البقاء والسعادة الدائمة،
وأنه هو الدين الخالد الصالح للقيادة الرشيدة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً