قيادة تحت ميزان الحق
لماذا تثقل الرياسة؟ ندم شقيق بن ثور السدوسي!
أورد الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة الأمير أبي الفضل شقيق بن ثور السدوسي رضي الله عنه، قال: قيل: إن شقيقاً هذا لما احتضر، قال: ليته لم يسد قومه، فكم من باطل قد حققناه، وحق أبطلناه!
يمثل موقف الأمير شقيق بن ثور السدوسي مشهدًا إنسانيًا بالغ العمق؛ لأنه لا يعرض مجرد لحظة ندم فردية، بل يكشف عن سؤال دائم في تاريخ القيادة؛ ماذا يحدث عندما يكتشف الإنسان أن المكانة التي سعى إليها طويلاً قد أصبحت عبئًا يحمله أمام الله؟
إن قراءة هذه الشخصية لا تهدف إلى إصدار أحكام على أحداث تاريخية معقدة، وإنما إلى تأمل المعاني الإنسانية والشرعية التي تكشفها أخبار الرجال في أزمنة الاضطراب.
كان شقيق بن ثور يعيش في مرحلة من أكثر مراحل التاريخ الإسلامي حساسية، حيث تداخلت السياسة بالقبيلة، واختلطت دوافع النصرة لأخطار الفتنة، فقد اجتمعت لديه عناصر القوة الاجتماعية؛ النسب، والرياسة، والقدرة على الحشد، والمكانة بين قومه، لكن هذه العناصر نفسها التي تمنح الإنسان نفوذًا في الدنيا قد تتحول إلى موضع مساءلة إذا لم تُضبط بالعدل والحق.
لماذا تمنى شقيق بن ثور ألا يكون في رياسة قومه؟
الرياسة في ميزان الإسلام ليست مجرد رفعة اجتماعية، بل أمانة عظيمة، فالإنسان حين يتقدم الصفوف لا يحمل فقط اسمه ومكانته، بل يحمل آثار قراراته على من يتبعه.
ولذا، لما تولى الخليفة عمر بن عبد العزيز أمر المسلمين، كان ينظر على أنها ابتلاء ومسؤولية ولم يعتبرها قط امتيازاً، فقام وصعد المنبر وقال: «يا أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم»(1).
من أجل ذلك جاء التحذير النبوي من تبعات الولاية والمسؤولية، ففي الحديث: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» (رواه مسلم).
ومن هنا تظهر قيمة الاعتراف الذي نُسب إلى شقيق عند احتضاره: «ليته لم يسد قومه، فكم من باطل قد حققناه، وحق أبطلناه»، فالكلمة ليست مجرد حسرة على منصب، بل مراجعة عميقة لمعنى القيادة نفسها؛ إذ أدرك أن المشكلة ليست في الجاه بذاته، وإنما في أن يصبح الجاه سببًا لتقديم رضا الجماعة أو ضغط الواقع على ميزان الحق.
وهذا المعنى حاضر في واقع الناس اليوم؛ فكل مسؤول في مؤسسة، وكل قائد فريق، وكل صاحب تأثير اجتماعي قد يجد نفسه أمام الاختبار نفسه؛ هل يستخدم موقعه لحماية المبادئ، أم لحماية صورته ومكانته؟
القائد.. بين ضغط الجماعة وصوت الضمير
القائد في المجتمعات التقليدية لا يعيش لنفسه فقط، بل يتحرك داخل شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية، فالقبيلة أو الجماعة تمنح قائدها المكانة، لكنها قد تضغط عليه أيضًا ليحافظ على مصالحها حتى عندما تكون الطريق محفوفة بالأخطار الأخلاقية.
وهنا تكمن إحدى أعقد مشكلات القيادة؛ أن القائد قد يبدأ خادمًا لجماعته، ثم يتحول تدريجيًا إلى أسير لرغباتها، فالخوف من فقدان المكانة، أو الرغبة في استمرار النفوذ، قد يدفع الإنسان إلى تسويات صغيرة تتراكم حتى تصبح مسافة بعيدة بين الموقف والمبدأ.
وفي قصة شقيق بن ثور، تظهر لحظة الوعي المتأخر؛ إذ لم يكن الألم نابعًا من خسارة سياسية، وإنما من إدراك أثر القرار القيادي على ميزان الحق والباطل، وهذا يعلّم القادة أن الشجاعة ليست فقط في مواجهة الخصوم، بل في مواجهة ضغط الأنصار عندما يدفعون الإنسان إلى ما يخالف العدل.
وما أروع المشهد العمري عندما اصطدام ابن عبدالعزيز بضغط أسرته وقرابته من بني أمية، وذلك حين قرر رد المظالم ومصادرة الأموال التي أخذوها بغير حق، فاجتمعوا وقالوا معترضين على قراره: «إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء وعبت عليهم وسرت بسيرتهم بغضاً لهم وشنآناً لمن بعدهم من أولادهم، قطعت ما أمر الله به أن يوصل إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها في بيت المال جوراً وعدواناً»(2).
فما كان منه إلا الثبات على صوت ضميره والمضي في طريق عدله دون الرضوخ لضغوطهم ومطالبهم.
أثر الفتن والأزمات في كشف معادن القادة
إذا كانت الظروف العادية تسمح للإنسان بإخفاء تناقضاته، فإن الأزمنة المضطربة تكشف معادن الرجال؛ وتجبره على الاختيار، وفي مثل هذه المراحل لا يكفي أن يمتلك القائد الذكاء السياسي أو القدرة على إدارة التحالفات، بل يحتاج إلى ميزان داخلي رباني يوضح له متى يتقدم ومتى يتراجع.
وقد قرر القرآن أصلًا عظيمًا في محاسبة الإنسان على أثر عمله، فقال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) (الأنبياء: 47)، فهذا الميزان الإلهي لا ينظر إلى الشهرة ولا إلى كثرة الأتباع، وإنما إلى حقيقة العمل وعدله.
والتاريخ شاهد على أن الصحابة كانوا أروع الناس وأشد الناس ضبطاً لمؤشر هذا الميزان الرباني، فلقد تراجع الزبير بن العوام رضي الله عنه يوم «الجمل» عن القتال بمجرد أن ذكّره عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بالحق، فعبدالله بن محمد بن عبدالملك الرقاشي، عن جده، عن أبي جرو المازني، قال: شهدت علياً والزبير حين تواقفا، فقال عليّ: يا زبير، أنشدك الله، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنك تقاتلني وأنت لي ظالم؟»، قال: نعم، ولم أذكره إلا في موقفي هذا، ثم انصرف. (رواه أبو يعلى في مسنده).
وعن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: انصرف الزبير يوم «الجمل» عن عليّ، فلقيه ابنه عبدالله، فقال: جبنا، جبنا! قال: قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكرني عليّ شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلفت ألا أقاتله، ثم قال: ترك الأمور التي أخشى عواقبها في الله أحسن في الدنيا وفي الدين(3).
ومن هنا، فإن تجربة شقيق بن ثور تفتح بابًا مهمًا في فهم القيادة؛ أن النجاح السياسي ليس دائمًا دليل الصواب الأخلاقي، والانتصار في معارك الدنيا لا يعني بالضرورة النجاة في ميزان الآخرة.
ندم شقيق بن ثورعند موته ليس هدمًا للماضي بل استعادة للبصيرة
قد ينظر بعض الناس إلى الندم بوصفه ضعفًا، لكن الندم الصادق في التجربة الإيمانية علامة على حياة القلب، فالإنسان الذي يراجع نفسه قبل لقاء الله يملك شجاعة لا يملكها من يصر على تبرير أخطائه.
تشي أخبار التاريخ أن علي بن أبي طالب ندم يوم «الجمل» ندماً شديداً، وذلك حين وقف على جثمان طلحة بن عبيدالله، وقد تسربل بدمائه، فنزل عن دابته وأجلسه ومسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه، ويقول: «ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة»(4).
لقد تحولت اللحظات الأخيرة من حياة شقيق إلى درس في المحاسبة الذاتية؛ إذ لم ينشغل بتعداد إنجازاته أو الدفاع عن اختياراته، بل نظر إلى أثرها الأخلاقي.
وهذه قيمة تربوية عظيمة في زمننا المعاصر، حيث يكثر قياس الإنسان بعدد المتابعين، وحجم النفوذ، وقوة الحضور، بينما يغيب السؤال الأهم: ما قيمة هذا النفوذ عند الله؟
ولهذا، فإن المراجعة الأخلاقية الدورية ضرورة لكل صاحب مسؤولية؛ فالمؤسسة التي لا تراجع قراراتها، والقائد الذي لا يحاسب نفسه، قد يكتشفان متأخرًا أن المحافظة على المكانة كانت أغلى من المحافظة على المبدأ.
متى يكون الانسحاب من المنصب نضجاً؟
من أعظم الدروس المستفادة من أخبار أهل الرياسة أن القوة ليست دائمًا في الاستمرار، فقد تكون القوة في الانسحاب حين يصبح الموقع سببًا للظلم، فالإنسان قد يخسر منصبًا لكنه يحفظ دينه، وقد يحافظ على مكانته لكنه يفقد سلامة قلبه.
وهذا المعنى ينسجم مع هدي السلف الذين كانوا يخافون من تبعات المسؤولية، لا من فقدانها، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخشى الحساب على ما حمله من أمانة، وهو المعنى الذي يجعل الولاية عند أهل الإيمان تكليفًا قبل أن تكون تشريفًا.
وفي واقع المؤسسات الحديثة، يظهر هذا المبدأ في قدرة المدير أو المسؤول على الاعتراف بالخطأ، أو رفض قرار غير عادل، أو تقديم القيم على المكاسب السريعة، فالقائد الذي يخاف من ضميره قبل خوفه على منصبه أقرب إلى تحقيق العدل.
كيف نوظف تجارب السلف في صناعة قادة اليوم؟
ليست أخبار الرجال في كتب التراجم مجرد صفحات من الماضي، وإنما هي مرايا تكشف طبيعة الإنسان في كل زمان، وشخصية شقيق بن ثور تضع أمام القارئ سؤالًا يتجاوز التاريخ: هل إذا امتلكت النفوذ، سيكون وسيلة لإقامة الحق أم سببًا لتبرير الأخطاء؟
إن أعظم ما تمنحه هذه القصة دعوة إلى بناء قيادة أخلاقية لا تنفصل فيها القوة عن المسؤولية، ولا المكانة عن المحاسبة، فالإنسان لا يُقاس فقط بما وصل إليه، بل بما فعل حين وصل، ولا بما جمع من أتباع، بل بما قادهم إليه.
إن الرياسة التي لا يضبطها العدل قد تصبح حملًا ثقيلًا، أما الرياسة التي تُسخّر لخدمة الحق فهي من أعظم أبواب الخير، وبين هذين الطريقين يقف كل قائد، في كل عصر، أمام الاختيار نفسه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً