عصر التكنولوجيا وزمن الحرب
كيف تشكل المعلومات رؤيتنا للواقع؟
في كتابه” عن الحرب“قال "كارل فون بلافيتز":” إن جزءًا كبيرا من المعلومات التي نحصل عليها في الحرب متناقض، والجزء الأكبر منه خطأ، أما الجزء الأعظم فمشكوك فيه إلى حد بعيد. “والسبب في ذلك راجع لفطرة النفس الإنسانية المفطورة على حب النصر وكراهية الهزيمة. والأمم كونها مجموعة من الأنفس مجبولة على ذلك بالتبعية، فبالتالي تحرص كل أمة على تعظيم انتصاراتها، والتغطية على هزائمها، وفي كثير من الأحيان، كتم جرائهما في الحرب بحق المدنيين العزل من نساء وأطفال كما سنذكر لذلك عدد من الأمثلة أثناء المقال.
” تشيرشل“: كيف تؤثر على الولايات المتحدة قبل ظهور اللوبيهات؟
كما أيقن نتنياهو أن تحقيقه لمساعيه يعتمد على المساعدات الأمريكية، إلا أنه مسبوق بذلك. فقد أيقن مجرم حرب مثله، وهو ونتستون تشرشل (Winston Churchill) إبان الحرب الحرب العالمية الثانية، أيقن أنه لا سبيل للنصر على النازيين إلا بمعونة أمريكية. والتي تعتمد بشكل أساسي على الناخب الأمريكي. لا أن رأيه معتبر في دخول بلادها فيه من عدمه. لكنه يختار من يحكمه، وغالبًا ما يختار من يعده بعدم الانخراط في حرب جديدة، وإن أخلف وعده لاحقًا كما هي العادة. فهم تشرشل هذه الرابطة، فما كان منه إلا أن استغل عادة الرؤساء الأمريكيين في الخوف على مصالحهم وكانت مصلحة "روزفلت" حينها الفوز بفترة رئاسية ثانية أمام خصم ديموقراطي لا يرى في الانعزال الأمريكي عن الحرب جوابًا مقنعًا. ولذلك اختار "بريندان براكن" مديرًا لوزارة الإعلام البريطانية بتعليمات واضحة وصريحة” جر الأمريكيين للحرب“.
أنواع المعلومات المختلفة:
إن
المعلومات في
الحرب تتباين
أنواعها كما
يتباين فحواها
والمستفيد منها،
واقتصرت منها
على ذكر
ما يهم
القارئ التعرف
عليه وعلى
أمثلته لعظم
تأثيره في
الوعي الجمعي
لدى متلقيه:
المعلومات
الخاطئة (Misinformation): كما
عرفتها اليونسكو،
معلومات مغلوطة
لكنها لم
تنشر لإلحاق
الضرر، وإن
حصل بسببها.
المعلومات
المضللة disinformation)): هي
معلومات مغلوطة،
ناشرها يعلم
أنها مغلوطة،
وهدفه إلحاق
الضرر بغيره
أو تخفيفه
عن نفسه.
ومن الأمثلة الجلية للمعلومات المضللة ما نشره الكيان بعد استهدافه للمستشفيات في قطاع غزة أثناء إبادته الجماعية عن كونها مقرًا” للإرهابيين“. ويترتب على ذلك أنه في عين من يصدق ما ينشره لم يرتكب جريمة حرب، بل ارتكبها من استعمل المستشفى كقاعدة حربية. علمًا من جيش الكيان الغاصب أن المعركة وإن دار رحاها على الأرض غير أن التحكم بسرديتها هو انتصار لا يقل أهمية عن الانتصار الفعلي على الأرض. لذا كان خسارة الكيان الغاصب لحرب السردية التي لطالما تحكم فيها أشد وطأة عليه من ألف صاروخ. وخصوصًا بعد تحول” معاداة السامية“من درع واق لسردية الضحية إلى مثار سخرية من الضحية التي ترتكب إبادة جماعية بحق من تدعي أنها ضحيته. ولمزيد من الاستدلال على أهمية ذلك نذكر ما كتبه "فالري غراسيموف"، وهو جنرال روسي كبير شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة حيث كتب:” لقد تغيرت قواعد الحرب ذاتها. إذ تنامى دور الوسائل غير العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية، وفي كثير من الحالات، فاقت قوة السلاح في فعاليتها. “
حصان طروادة وفيسبوك:
كثيرون منا يعلم قصة حصان طروادة، لكن القليلون ومنهم كاتبة هذا المقال قبل الشروع فيه يعلمون أن أول توثيق للقصة تم بعد ٤٠٠ عام من حدوثها أول مرة، عند ظهورها للمرة الأولى بصيغة مكتوبة في” الإلياذة“. وللقارئ الكريم أن يتخيل بغير مشقة البون الشاسع بين انتقال المعلومات في ذلك الزمن، وبين انتقالها اليوم. إذ المسافة بين حصول الخبر بالفعل وانتقاله إلينا تكاد تكون لحظية، إن لم تكن كذلك بالفعل.
ليست سرعة انتقال المعلومات هي العامل الوحيد الذي تغير بظهور الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، بل كون بوابة المعلومات أصبحت بدون حراس يمنعون تدفق المعلومات منها.
ومصطلح حراس البوابة (Gate Keepers) معروف في الإعلام بكونه يطلق على أولئك الذين يتحكمون فيما تعرفه الجموع وما يجهلونه.
كما تحكم كينيدي وبتعاون نادر للصحافة معه، في عدم معرفة جمهور الأمريكيين بوصول قاذفات صاروخية سوفييتية للأراضي الكوبية، فيما عُرف لاحقًا بـ“أزمة الصواريخ“. فكينيدي ومن تعاون معه في هذا المثال هم حراس البوابة.
أما اليوم، فبسبب صحفيين مستقلين كأوين جونز (Owen Jones) أو حتى قنوات اهتمت بنقل المعاناة وتوثيقها فحسب (BadEmpanda) ومنصة كاليوتيوب (Youtube) وتقنية ككاميرا الهواتف الذكية، يمكننا أن نعرف ما يدور في كوبا وما تعانيه بسبب الحصار الاقتصادي المفروض عليها من أيام كينيدي. والذي ما زاده ترامب إلا وطأة بمنعها حتى من النفط الفنزويللي لتقضي كوبا لياليها في ظلام دامس. لقد حولت تلك المنصات قطاعًا واسعًا من الجماهير من متسولين للمعلومات إلى موفرين لها.
بيد
أن الصورة
ليست وردية
بالكامل خصوصًا
مع كون”
الخوازرميات“(Algorithms) تميل
إلى تقديم
مشابه لما
استهلكناه بالفعل
مما قد
يوقع المرء
في إحدى
فخين:
•
إما
فخ” غرفة الصدى“
(Echo Chamber): حيث
يُعرض للمتصفح
ما يشابه
وجهة نظره
فحسب، مما
لا يجعله
يشعر بالتأييد
فحسب، بل
أن سرديته
تحظى بشعبية
جارفة تصل
إلى حد
العالمية.
ولا
يقتصر هذا
التأثير على
الشعوب فحسب،
بل أثره
ممتد بين
أروقة السلطة.
فكما نعتمد
على معلومات
من مصادر
نعدها نحن
موثوقة. يعتمد
أصحاب النفوذ
في دوائر
صناعة القرار
على معلومات
من تقارير
رسمية. تساهم
إما في
تضييق أو
توسعة إحاطتهم
بالوضع الحالي.
• أو فخ المعلومات المضللة: حيث بإمكان الخوارزميات استهداف سكان مناطق معينة وشرائح عمرية معينة. وهو بالفعل ما حدث أكثر من مرة ومن أشهر أمثلته التأثير على الناخبين الأمريكيين إبان الانتخابات الأمريكية عام ٢٠١٤ التي انتهت بفوز ترامب بفترته الرئاسية الأولىالتأثير على البريطانيين في استفتاء خروج البريطانيين من الاتحاد الأوروبي” Brexit“. وبغض النظر عن صحة اتهام روسيا بالتأثير في كلتا الحالتين من عدمه، بيد أن هذا مثال صارخ عن كيفية تحكم المعلومات ـ خصوصًا إذا كانت مضللة ـ في مصائر الأمم والشعوب. لذا فالقول المأثور في عالم الأخبار:” والدتك تقول إنها تحبك. تحقق من ذلك. “يجد صدى أكثر من أي وقت مضى خصوصًا بعد الإحصائية التي نشرتها مجلة الإيكونوميست البريطانية (The Economist) عام ٢٠١٩: أن ٨٠٪ من شباب العرب الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨: ٢٤ عامًا يحصلون على أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي، مقارنة ب٢٥٪ فقط عام ٢٠١٥. فالقول بأن هذه النسبة قد تصل الآن إلى تمام ال١٠٠٪ ليس ببعيد أو مستغرب.
موضوعية المعلومات في عالم من التحيزات:
مع
ما ذكرته
من أمثلة
كثيرة على
تفاني مجرمي
الحرب في
التستر على
جرائمهم، وتبجهم
بقبح فعالهم
غير أن
كثيرين منا
ما زالوا
ينادون بما
يصفونة بـ“التغطية
الموضوعية“ولم أجد
أفضل من
كلام المذيعة
الأمريكية "كريتيسان
أمانبور" التي
غطت مذبحة
البوسنة لشبكة”
CNN“حيث
قالت:
”تلك
الموضوعية تعني
منح جميع
الأطراف جلسة
استماع عادلة،
لكنها لا
تعني بأي
شكل معاملة
جميع الأطراف
على قدم
المساواة. بمجرد
أن تعامل
جميع الأطراف
بالطريقة نفسها
في قضية
مثل البوسنة
فإنك ترسم
تكافؤًا أخلاقيًا
بين الضحية
والمعتدي! ومن
هنا ستكون
قريبًا إلى
الحياد، ولكنك
إلى أسوأ
أنواع الشرور
أقرب، سواء
في حالة
مثل البوسنة
أم في
سواها من
حالات الإبادة
الجماعية! “
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً