الدور الحضاري للمرأة في صدر الرسالة

حين أطل الإسلام بنوره على العالم، لم تنل المرأة العربية وحدها كرامتها التي حرمت منها طويلاً، وإنما نالت الإنسانية كلها كرامتها، ووهبها الإسلام تكريماً لم تعرفه من قبل، فساوى بين البشر، وجعل الأفضلية لا للون أو لمال أو لجاه، وإنما للتقوى والعمل الصالح، فتغيرت صورة المجتمع ككل لا سيما المرأة.

التأسيس الحضاري المشترك بين الرجل والمرأة

عانت المرأة في الجاهلية كثيراً؛ حيث كانت يُنظر إليها على أنها سقط متاع، تباع وتشترى، تورث وتمتلك، وكأنها غير كاملة الإنسانية، فلما جاء الإسلام كرَّمها ورفع قدرها، وجعل منها شريكاً في إقامة حضارته التي أضاءت العالم كله بأنوار الحق والعدل.

وقد بدا ذلك جليًا في قرارات نبوية عظيمة، من بينها:

1- أن المرأة شقيقة الرجل، وليست أَمَة عنده أو إرثه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما النساء شقائق الرجال» (رواه أحمد).

2- أوصى الرجال بالنساء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته، لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء» (متفق عليه)، وقال: «لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقاً رضي منها آخر» (رواه مسلم).

3- أن القيام على أمر المرأة عبادة، فيقول صلى الله عليه وسلم: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (أخرجه مسلم).

فلما تحررت المرأة من قيود الجاهلية، شاركت الرجل في أعباء المهمة العظيمة ودعوة الإسلام الحضارية، باعتبارها لبنة أساسية في صرح الإسلام، وشريكاً مهماً في مهمة الاستخلاف؛ يقول تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (التوبة: 71).

الدور المحوري للمرأة في تأسيس الدولة الإسلامية

من المفارقة أن يكون الدور التأسيسي الأول في الدولة الإسلامية على الإطلاق لامرأة، فقد احتضنت أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها الفكرة في مهدها، حين اصطحبت بحنكتها النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمها ورقة بن نوفل وهو العارف بالأديان السماوية، ثم اتخذت موقفاً عظيماً لتكون أول من يؤمن، وأول من يؤازر، وأول من ينفق، وأول من يهيئ الحياة لخاتم الأنبياء والمرسلين، لتستحق قوله صلى الله عليه وسلم: «قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء» (رواه أحمد).

لم يكفها سبق الإيمان، بل تحركت لبناء دولة الإسلام التي بدأت من بيتها العامر، لتدفع الثمن مع من دفعوا من المستضعفين وتدخل شعب أبي طالب مع المحاصَرين.

وعلى خطى أم المؤمنين خديجة، سارت سمية بن خياط في طريق التأسيس، إذ دفعت حياتها ثابتة صابرة أمام وحشية التعذيب حتى كانت أول شهيدة في الإسلام، وتحملت وصمدت وكافأها الله تعالى بأن نجحت في الاختبار؛ وهو التضحية بنفسها في سبيل دينها، لتُبشَّر برضا الله ورسوله وتتلقى منه هي وآل بيتها وعداً بالجنة على ثباتها؛ «صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة) (رواه الطبراني).

الدور العلمي والسياسي للمرأة في صدر الإسلام

لم يكن العلم في صدر الإسلام حكراً على الرجال، بل شاركت المرأة في إنتاجه ونقله، وتكفي الإشارة إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي عدها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» من كبار فقهاء الصحابة، وقال: «لو جمع علم نساء هذه الأمة، فيهن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان علم عائشة أكثر من علمهن» (رواه الطبراني).

وقد روى عنها كبار الصحابة وأخذوا منها العلم، مثل: عمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس.. وغيرهم، ويقول عنها أبو موسى الأشعري: «ما أشكَل علينا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثٌ قط، فسأَلنا عائشةَ إلا وجَدنا عندها منه عِلمًا» (رواه الترمذي).

وليست عائشة وحدها التي شاركت في الحياة العامة، فلقد شاركت المرأة في الهجرة المباركة إلى المدينة التي كانت مهد دولة الإسلام كما شارك الرجال، وبايعت المرأة النبي صلى الله عليه وسلم كما بايع الرجال، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة: 12).

إن الفارق اليوم كبير بين النسوية التي تطالب بحقوق لتكلف المرأة فوق ما تطيق في مهمات لا تتوافق مع طبيعتها التي خلقها الله عز وجل عليها، فطالبوا بخروجها لتزاحم الرجال في أعمالهم الشاقة، وتركت بيتها وتربية أبنائها نهبة للأفكار الغريبة عن قيم الإسلام السمحة؛ فاغترب المجتمع وفقَدَ هويته.

يجب أن ندرك أن استعادة الدور الحضاري للأمة لن يأتي عبر نسويات فارغات تضع بنات جنسهن في غير موضعهن اللائق بهن، وتهدر طاقاتهن الحقيقية، ولا بد من قراءة واعية للتاريخ الحضاري للأمة لإعادة تفعيل دور كل فرد فيها حسب ما تقتضيه الحاجة الوظيفية، التي تراعي طبيعته الإنسانية التي فطره الله عليها، لتكون المرأة مكملاً لدور الرجل، لا نداً له.


 اقرأ أيضاً:

دور المرأة المسلمة في بناء المجتمع

5 أدوار للمرأة في بناء الهوية

المرأة في ظلال الإسلام تكامل مع الرجل

_________________

1- مجلة «بحوث الشرق الأوسط»، العدد (41).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة