«مجلس سلام غزة».. والمشروع الأمريكي الجديد

أخيراً اتضحت الصورة النهائية لـ«مجلس السلام» حول قطاع غزة الذي سبق أن أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قبل أشهر، ودخل حيز التنفيذ في شهر أكتوبر من العام الماضي، فقد أطلق ترمب المجلس في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي من أيام بمشاركة 35 دولة من أصل نحو 40 دولة أعلنت انضمامها.

ولفهم هذا المجلس وإدراك النوايا الأمريكية من ورائه، يتعين تسليط الضوء بداية على ميثاقه التأسيسي الذي أعلنه ترمب في منتدى دافوس؛ لأنه يعطينا الصورة الحقيقية للعالم الذي تريده الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني خلال الحقبة المقبلة.

يتكون الميثاق التأسيسي من 13 فقرة، وينص في ديباجته بكل وضوح على أن «مجلس السلام» سيتحلى «بالشجاعة في الابتعاد عن المقاربات والمؤسسات التي فشلت»، وهي إشارة مباشرة إلى منظمة الأمم المتحدة والهيئات المتفرعة عنها، بحيث سيكون هذا المجلس بديلاً للمنظمة ولمجلس الأمن الدولي.

ويشير الميثاق إلى أن المجلس الجديد «منظمة عالمية» مهمتها تكريس السلام في المناطق التي تشهد حروباً أو نزاعات؛ أي أنه سيحل محل الأمم المتحدة والقبعات الزرق المكلفة بحفظ السلام في العالم، نظرياً على الأقل.

كما ينص على أن الرئيس الأمريكي هو رئيس المجلس، وهو الذي يعين خليفته في حال انسحابه أو عجزه، والدول الأعضاء في المجلس ليست أي دولة، بل الدولة التي يختارها الرئيس؛ أي ترمب، وعلى كل دولة عضو دفع مليار دولار في العام الأول مباشرة بعد دخول الميثاق حيز التنفيذ، وكل دولة يجب أن تكون ممثلة داخل المجلس برئيسها أو رئيس حكومتها.

والأكثر من ذلك أن المجلس ستكون له فروع في العالم، وستكون مهمته أيضاً المصادقة على الاتفاقيات الدولية، ويصدر قراراته بالإجماع، ولا يمكن إلغاء قرار إلا بـ«فيتو» يصدر عن ثلثي الأعضاء.

نحن أمام منظمة عالمية جديدة تقيمها الولايات المتحدة الأمريكية لنسف منظمة الأمم المتحدة نهائياً، وأمام عالم جديد ستقوده أمريكا بالقوة، فالتنصيص على أن الدول الأعضاء في المجلس هي التي تقبلها الإدارة الأمريكية يعني أن المجلس لن يضم سوى الدول التي تنال رضا واشنطن، وتقبل أن تدور في فلكها؛ أي أن الولايات المتحدة تريد خلق تحالف عالمي وتقسيم العالم إلى معسكر للخير وآخر للشر، أو محور النور ومحور الظلام، وهي عبارات وردت كثيراً في تصريحات ترمب، ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو خلال «طوفان الأقصى»، مع ما يعنيه ذلك من إقصاء الدول التي ترفضها الولايات المتحدة كالصين وروسيا.

وقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنوع من التهكم بأن موسكو مستعدة للانخراط في المجلس ودفع مبلغ المليار دولار من الأرصدة الروسية المجمدة في البنوك الغربية.

إن الإستراتيجية الأمريكية-الصهيونية من وراء إحداث هذا المجلس ترمي إلى التمكين للاحتلال وقضم باقي الأراضي الفلسطينية والتآمر على المقاومة والشعب الفلسطيني، فالمجلس بكلمة واحدة هو بمثابة حلف عالمي لحماية الكيان الصهيوني والتمكين له، والغاية منه تحييد منظمة الأمم المتحدة التي تتهمها أمريكا والكيان الصهيوني بعدم القدرة على إحلال السلام، وقد وردت الاتهامات للمنظمة مرات عدة في تصريحات ترمب، ونتنياهو، ووجه إليها اللوم بصريح العبارة في خطة غزة التي قدمها البيت الأبيض.

لكن الخطير في الأمر أن أمريكا ستعين دولاً عربية في المجلس يكون دورها القضاء على المقاومة الفلسطينية؛ لأن الميثاق ينص على أن كل دولة عضو المشاركة في العمليات، وهذا يعني أن السلاح العربي سيوجه إلى صدور الشعب الفلسطيني، فهل نحن أمام حلف عالمي ضد فلسطين؟

هناك سؤال مهم قد يغفله الكثيرون: لماذا تريد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أن يكون مجلس غزة مجلساً عالمياً يتدخل في النزاعات الإقليمية والدولية؟ ولماذا تحولت غزة والقضية الفلسطينية إلى منصة للهيمنة العالمية؟

من الواضح أن المغزى وراء ذلك هو أن قضية فلسطين قضية عالمية ومحور السيطرة على العالم، فمنذ صدور مقولة المستشرق اليهودي الأمريكي برنارد لويس: «من يسيطر على الشرق الأوسط يسيطر على العالم» لم يعد هناك شك في أن المشروع الأمريكي يهدف من خلال إحكام قبضته على المنطقة السيطرة على العالم وفرض الهيمنة الأمريكية - الصهيونية.

وليست منطقة الشرق الأوسط إلا قضية فلسطين، إذ لم يظهر الاهتمام الأمريكي والغربي بالشرق الأوسط إلا بعد الحرب العالمية الثانية وإنشاء «إسرائيل» في فلسطين، ومن دونها ما كانت منطقة الشرق الأوسط ستنال هذا الحجم من الاهتمام الأمريكي.

وإذا رجعنا إلى ظروف «طوفان الأقصى» والتضامن العالمي الذي برز آنذاك مع الشعب الفلسطيني والمقاومة، أدركنا كيف أن الشعوب صنعت ذلك الطوق من التضامن على خلفية العداء للسياسات الأمريكية في العالم، بحيث إن الوقوف مع الفلسطينيين كان في الوقت نفسه رفضا للهيمنة الأمريكية الصهيونية، من منطلق الشعور بأن الاحتلال الصهيوني لفلسطين ليس مجرد احتلال لأرض مسلمة، بل هو جزء من مشروع عالمي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة