5 أخطاء تجعل النصيحة أذى وفضيحة
في الماضي، كانت
الحكاية تدور وتكتمل داخل حدود مجلس ضيق؛ تُقال النصيحة بصوت خفيض من قريب حريص أو
صديق ناصح، ثم يمضي الجميع، سواء قُبلت الموعظة أم رُدّت.
أما اليوم، وفي
ظل الطفرة الرقمية، أضحت النصيحة تبدأ بلمسة على شاشة هاتف، وتلتقط أنفاسها
الأخيرة أمام آلاف المتابعين!
تكتب فتاة
تعليقاً أسفل صورة لصديقتها: «اتقي الله، هذه الملابس لا تجوز»، ويكتب آخر لشخص لا
يعرفه مطلقاً: «يبدو أنك جاهل، اذهب وتعلم دينك قبل أن تنشر»، وفي دقائق معدودة،
تتحول المساحة الشخصية إلى مسرح عام، وتتحول الموعظة إلى محاكمة علنية تُستباح
فيها الكرامات.
قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ» (كررها ثلاثاً)، قيل: لمن يا رسول
الله؟ قال: «لِلَّهِ وَلِكِتابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ
وَعَامَّتِهِمْ» (أخرجه النسائي)، غير أن هذا الواجب الشرعي لا ينفك أبداً عن
المقصد الأسمى للدين في حفظ كرامة الإنسان وصيانة عرضه، فالنصح فنٌّ يتطلب وزن
الكلام، ومعرفة متى يتكلم المرء، ومتى يكون الصمت أبلغ وأزكى.
وفي زمن أصبحت
فيه تفاصيل حياة الناس مشاعة بغير جهد، أضحى من الواجب التوعية
أولاً: النصح على رؤوس الأشهاد:
يتجلى ذلك حين
يعلق شخص على مخالفٍ له في الرأي بقوله: «أنت مخطئ، لا تفهم، اذهب واقرأ أولاً»؛
فيستحيل المنشور إلى ساحة للاتهامات وتبادل الإساءات، وهنا يتحول المنصوح تلقائياً
من موقف المستمع القابل للحق إلى موقف المدافع عن كبريائه ونفسه.
ولعل خطورة
النصح العلني عبر منصات التواصل تكمن في كونها مجالس مفتوحة تضم الآلاف في اللحظة
ذاتها، بخلاف مجالس الماضي المحدودة، وطالما كان الوصول إلى الرسائل الخاصة
متاحاً، فإن الإصرار على العلن يخرج الفعل من باب الإصلاح إلى باب التشهير، ولله
درّ الإمام الشافعي حيث يُنسب إليه قوله: «مَن وعَظَ أخاهُ سِرّاً فقد نصَحَهُ
وزانَهُ، ومَن وعَظَهُ علانيَةً فقد فضَحَهُ وشانَهُ»(1).
ثانياً: اتخاذ النصيحة قناعاً لتصفية الحسابات:
تبدأ هذه الحالة
بخلاف في الرأي حول مسألة ما، فيعمد أحد الطرفين إلى نبش أرشيف الآخر، واستخراج
منشوراته القديمة ليواجهه بها أمام الملأ قائلاً: «انظروا إلى حقيقته، وإنما كتبت
هذا لأحذر الناس منه».
إنها نصيحة
مسمومة غُلّفت برداء الإصلاح لتصفية خصومة قديمة، وحتى لو كان الشخص قد أخطأ
بالفعل، يتوجب على الناصح أن يسأل نفسه بصدق: هل أبتغي إصلاح الخلل، أم أستغله
لأفضحه وأخرج بمظهر المنتصر؟ النصيحة الصادقة لا تقتضي كسرة النفس، ولا تسعى
لتحويل زلات الماضي إلى ميادين لانتصارات وهمية.
ثالثاً: اقتحام الخصوصيات بلمز الاهتمام:
يدفع الفضول
المحموم الكثيرين لتقفي أثر التفاصيل الخاصة على المنصات؛ فما إن يكتب أحد
الحسابات منشوراً غامضاً مثل: «اللهم ارفع الكرب»، أو تكتب أخرى: «لم أعد أتحمل»،
حتى تنهال التعليقات الفضولية: «ماذا حدث؟ هل انفصلتِ؟ هل هي مشكلة عائلية؟ احكِ
لنا لعلنا نساعدك!».
تتوالى
التساؤلات والتكهنات تحت ستار الدعم، بينما المحرك الحقيقي الفضول، وقد يتطور
الأمر للتحسس والتجسس عبر الرسائل الخاصة لمعرفة ما لا يعنيهم، متجاهلين قول النبي
صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ
الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَنَافَسُوا، وَلاَ
تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ
إِخْوَاناً».
رابعاً: إسقاط النصائح المعلبة دون استيعاب الحالة:
تكتب أمُّ في
إحدى المجموعات مستغيثة: «ابني أصبح منعزلاً ولا أعرف كيف أتعامل معه»، أو تدعو
أخرى: «ابنتي حزينة طوال الوقت، ادعوا لها»، فتنهال الردود الجاهزة والوصفات
العشوائية المستمدة من تجارب شخصية قد لا تتطابق إطلاقاً مع واقع الحالة.
قد تكون النصيحةصحيحة في ذاتها، لكنها خاطئة في موضعها أو زمانها، ومن أمانة العلم والمسؤولية
-خاصة للمتخصصين- أن يُقال في مثل هذه المواقف: «لا يمكن الحكم أو تقديم استشارة
بناءً على هذه المعطيات القليلة، يتوجب التواصل لمعرفة التفاصيل قبل تشخيص الحل»، هذا
الموقف ليس عجزاً، بل هو عين الأخلاق والمسؤولية.
خامساً: توثيق الخطأ ونشره بدعوى توعية المجتمع:
انتشرت ظاهرة
توثيق الحوادث والمخالفات بالفيديو، حيث تتحول الأخطاء الفردية العفوية في دقائق
معدودة إلى «ترند» يلتهم الأخضر واليابس، ورغم إقرارنا بأن الفعل المصوَّر قد يكون
خطأً جسيماً، فإن السؤال الأهم: هل النشر والفضيلة الزائفة هما طريق العلاج؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (رواه مسلم)، وإن الستر الشرعي لا يعني أبداً تعطيل الحقوق أو التغطية على المجرمين، ولكنه يعني قطع الطريق أمام تحويل زلات البشر إلى مادة للتسلية والإهانة والتشهير، يجب أن ندرك جيداً أن قابليّة الشيء للنشر لا تعني مشروعيته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً