إعداد الدعاة في الحضارة الإسلامية (22)

البكاء من خشية الله

البكاء من خشية الله

روى البيهقي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا بكى لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، وكان عمر بن الخطاب كثير البكاء حتى ظهر على وجهه خطان أسودان، وكانَ عُثْمَانُ ‌إِذَا ‌وَقَفَ ‌عَلَى ‌الْقَبْرِ ‌بَكَى حَتَّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وكان علي بن أبي طالب يقول: إذا دمعَتْ عيناكَ وسَالتْ دموعُك على خدّك، فلا تكفّها بثوبك، وامسح بها وجهَك حتى تَلقَى الله بها.

هذه أحوال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أحوال تدل على رقة القلب وصفاء النفس، وعنوان هذه الأحوال هو البكاء من خشية الله، وهو سَيَلانُ الدمع من العين عند تأثّر القلب، فهو انفعال قلبي صادق يظهر على صورة بكاء العين، بسبب استشعار عظمة الله، أو تقصير العبد، أو تأثره بآيات القرآن، أو تأمله في الموت والآخرة.

وقد حرصت الحضارة الإسلامية على تربية دعاتها على البكاء من خشية الله، ويظهر ذلك فيما يأتي:

مظاهر حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على البكاء من خشية الله:

1- البكاء عند سماع القرآن وقراءته:

أوضح القرآن أن من أحوال الذين أوتوا العلم البكاء عند سماع القرآن، حيث قال تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (الإسراء: 109)، وكان البكاء عند سماع القرآن الكريم من أحواله صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَرَأْتُ سُورَةَ «النِّسَاءِ»، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً) (النساء: 41)، قَالَ: «حَسْبُكَ الْآنَ»، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ ‌تَذْرِفَانِ.

وهذا أبو بكر الصديق الذي اشتهر برقة القلب والصوت، كان يبكي عند قراءة القرآن، ففي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم لَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ، قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ ‌غَلَبَهُ ‌الْبُكَاءُ، قَالَ: «مُرُوهُ فليصلي».

وقد سار على النهج علماء ودعاة الحضارة الإسلامية، فعن سُفْيَانَ، قَالَ: كَانَ طَلْقٌ ‌إِذَا ‌قَرَأَ ‌بَكَى وَأَبْكَى، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ إِلَّا بَكَى مِنْ رِقَّتِهِ وَحُسْنِ صَوْتِهِ(1)، وكان الإمام الشافعي إذا قرأ ‌القرآن ‌بكى ‌وأبكى سامعيه، روى أحد معاصريه: كنا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى تتساقط الناس بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة(2).

البكاء انفعال قلبي بسبب استشعار عظمة الله أو تقصير العبد أو تأثره بالقرآن أو تأمله في الموت والآخرة

وعن يحيى بن الفضل، قال: سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه ما الذي أبكاه؛ فاستعجم عليهم ‌وتمادى ‌في ‌البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال: يا أخي، ما الذي أبكاك قد رعت أهلك أفمن علة أم ما بك؟ قال: فقال: إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل! قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: 47)، قال: فبكى أبو حازم أيضاً معه واشتد بكاؤهما، قال: فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتفرج عنه فزدته، قال: فأخبرهم ما الذي أبكاهما(3).

2- البكاء في الصلاة وفي قيام الليل:

روى أحمد في مسنده عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ ‌كَأَزِيزِ ‌الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ»، وسأل معاوية ضرار بن ضمرة الشيباني عن عليّ فقال: أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا يا دنيا، إليك عني إليّ تعرضت، أم إليّ تشوقت، لا حان حينك، هيهات هيهات، غريّ غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، ‌آه ‌من ‌قلة ‌الزاد وطول الطريق، وبعد السفر وعظيم المورد(4)، وعَنِ القَاسِمِ الأَعْرَجِ، قَالَ: كَانَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ يَبْكِي بِاللَّيْلِ حَتَّى عَمِشَ(5).

3- البكاء عند ذكر الذنوب:

عن القاسم بن محمد البغدادي قال: كنت جار معروف الكرخي فسمعته في السحر ينوح ويبكي وينشد:

أي شيء ‌تريد ‌مني ‌الذنوب        شغفت بي فليس عني تغيب

ما يضر الذنوب لو أعتقتني      رحمة لي فقد علاني المشيب(6)

4- البكاء في الخلوات:

قال ابن كثير: مَا رُئي الْأَوْزَاعِيُّ ضَاحِكاً مُقَهْقِهاً قَطُّ، وَلَقَدْ كَانَ يَعِظُ النَّاسَ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي مَجْلِسِهِ إِلَّا بَكَى بِعَيْنِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ، وَمَا رأيناه يبكي في مجلسه قط وكان إذا ‌خلى ‌بكى حتى يرحم(7).

5- البكاء عند ذكر الموت والقبر والآخرة:

كان ذكر الموت يُهيّج البكاء في قلوبهم؛ لأنهم يستحضرون الآخرة، فعَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: كانَ عُثْمَانُ ‌إِذَا ‌وَقَفَ ‌عَلَى ‌الْقَبْرِ ‌بَكَى حَتَّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ(8)، وعن أَحْمَد بْن عَبْدِاللَّهِ بْنِ يُونُسَ، أَنَّ عَمْرواً بن عتبة قَامَ يُصَلِّي فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) (غافر: 18)، قَالَ: ‌فَبَكَى ‌حَتَّى ‌انْقَطَعَ(9).

كان أبو بكر إذا بكى لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن وعمر كان كثير البكاء حتى ظهر على وجهه خطان أسودان

وعَنِ القَاسِمِ بنِ مَعْنٍ، أَنَّ أَبَا حَنِيْفَةَ قَامَ لَيْلَةً يُرَدِّدُ قَوْلَه تَعَالَى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القَمَرُ: 46)، ‌وَيَبْكِي، ‌وَيَتَضَرَّعُ ‌إِلَى ‌الفَجْرِ(10)، وقال أبو عمر بن مهدي يحدث عن: كنت إذا ذاكرت يونس بن عبدالله بن مغيث شيئاً من أمر الآخرة يصفرُّ وجهه، ويدافع البكاء، وربما غلَبه(11)، وفي «شعب الإيمان» عن نعيم بن حماد قال: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق يصير كأنه ثور منحور، أو ‌بقرة ‌منحورة ‌من ‌البكاء، لا يجترئ أحد منا أن يدنو منه، أو يسأله عن شيء إلا دفعه.

دوافع حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على البكاء من خشية الله:

1- اليقين بأن البكاء من خشية الله خير:

قال كعب: ‌لأن ‌أبكي ‌من ‌خشية ‌الله ‌أحب ‌إليَّ من أن أتصدق بوزني ذهباً، وما من عينين بكتا من خشية الله في دار الدنيا إلا كان حقاً على الله عز وجل أن يضحكهما في الآخرة(12)، وقال الفضيل بن عياض: رحم الله امرأً أخطأ، وبكى على خطيئته(13)، وعن جَعْفَر بْن سُلَيْمَانَ، قَالَ: اشْتَكَى ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَيْنَهُ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: اضْمَنْ لِي خَصْلَةً تَبْرَأْ عَيْنُكَ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَا تَبْكِ، قَالَ: وَمَا خَيْرٌ ‌فِي ‌عَيْنٍ ‌لَا ‌تَبْكِي(14).

2- الشعور بالتقصير في حق الله:

روى البيهقي في شعب الإيمان أن أبا هُرَيْرَةَ بَكَى فِي مَرَضِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنِّي أَبْكِي ‌لِبُعْدِ ‌سَفَرِي ‌وَقِلَّةِ ‌زَادِي، وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ: رَأَيْتُ سَعِيداً بْنَ عبدالعزيز ‌إذا ‌فاتته ‌صَلاةٌ ‌فِي ‌جَمَاعَةٍ ‌بَكَى(15)، وكَانَ عُتْبَةُ الْغُلامُ طَوِيلَ الْبُكَاءِ فَقِيلَ لَهُ: ارْفُقْ بِنَفْسِكَ، فَقَالَ: ‌إِنَّمَا ‌أَبْكِي ‌عَلَى ‌تَقْصِيرِي(16)، وبكى عبدالرحمن بن الأسود عند موته وقال: وا أسفاه على الصوم والصلاة، ‌ولم ‌يزل ‌يتلو ‌القرآن ‌حتى ‌مات(17)!

3- فراق صيام النهار وقيام الليل:

عن قتادة أن عامراً بن عبدالله بن قيس لما احتُضر جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا؛ ولكن ‌أبكي ‌على ‌ظمأ ‌الهواجر وعلى قيام ليل الشتاء(18)، وبكى يزيد الرقاشي عند موته، وقال: أبكي على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار(19).

4- الخوف من عدم قبول الأعمال:

عن إسماعيل بن يحيى المزني قال: دخلت على محمد بن إدريس الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقلت: يا أبا عبدالله، كيف أصبحت؟ قال: فرفع رأسه فقال، أصبحت من الدنيا راحلاً، ‌ولإخواني ‌مفارقاً، ولسوء فعالي ملاقياً، وعلى الله وارداً، ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها، ثم بكى(20).

5- الخوف من العذاب:

روى البيهقي عن أبي هريرة قال: لا يبكي أحد فتَطْعَمُه النّارُ حتى يُرَدَّ اللبنُ في الضرع، وعن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن ‌يطرحني ‌غداً ‌في ‌النار ولا يبالي(21)، وروى أبو نعيم عن إبراهيم بن الأشعث، أن الفضيل بن عياض قرأ سورة «محمد»، فشرع يردد هذه الآية: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: 31)، وجعل يبكي ويقول: إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا، إنك إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا(22).

وروى ابن الجوزي أن فاطمة بنت عبدالملك بكت ذات مرة، فسئلت فقالت: رأيت عمر بن عبدالعزيز ذات ليلة قائماً يصلي، فأتى على هذه الآية: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ {4} وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ) (القارعة)، فجعل يردِّدُها حتَّى طلع الفجر، ويقول: ويلي من يومٍ يكونُ النَّاسُ فيه كالفراش المبثوث، فلما طلع الفجر سقط كأنَّه ميِّت، فلم يُفِقْ حتَّى جاءه المؤذّن يؤذنُه بالصلاة، فقام فَزِعاً، فواللهِ ما ذكرتُ ليلته تلك إلَّا أصابني ما رأيتُم، ‌فلم ‌أملك ‌ردَّ ‌عَبْرَتي(23).





____________________

(1) الرقة والبكاء: ابن أبي الدنيا، ص 87.

(2) فقه العبادات على المذهب الشافعي (1/ 24).

(3) حلية الأولياء (3/ 146).

(4) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (3/ 1108).

(5) سير أعلام النبلاء (5/ 193).

(6) صفة الصفوة (1/ 470).

(7) البداية والنهاية (10/ 124).

(8) شرح السُّنة: البغوي (5/ 418).

(9) الطبقات الكبرى (6/ 207).

(10) سير أعلام النبلاء (6/ 401).

(11) تاريخ الإسلام (29/ 271).

(12) تاريخ دمشق (50/ 173).

(13) تاريخ الإسلام (12/ 339).

(14) الرقة والبكاء، ص 155.

(15) تاريخ الإسلام (10/ 220).

(16) التبصرة (1/ 399).

(17) لطائف المعارف، ص 301.

(18) الطبقات الكبرى (7/ 79).

(19) لطائف المعارف، ص 301.

(20) تاريخ دمشق (50/ 331).

(21) صفة الصفوة (2/ 138).

(22) مصاعد النظر: البقاعي (2/ 489).

(23) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (10/ 310).

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة