القرض بضمان الذهب.. بين الحاجة إلى السيولة وضوابط الشريعة
في ظل التقلبات
الاقتصادية المتسارعة والحاجة المتزايدة للسيولة النقدية العاجلة، برز منتج مالي
قديم بصبغة حديثة في أسواقنا العربية، وهو «القرض بضمان الذهب»؛ أو ما يُعرف بـ«رهن
الذهب».
ومع انتشار
إعلانات بعض المؤسسات المالية في دول مثل الإمارات والكويت ومصر عن هذا المنتج،
يجد الكثيرون أنفسهم أمام فرصة مغرية للحصول على النقد السريع دون الحاجة لبيع
مدخراتهم الذهبية الثمينة، لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة: ما مدى مشروعية
هذا القرض؟ وهل يختلف حكمه إذا قدمته مؤسسة تقليدية عن أخرى إسلامية؟
أولاً: كيف يعمل القرض الذهبي؟ المزايا والآليات الاقتصادية
القرض بضمان
الذهب هو قرض مضمون تستخدم فيه المجوهرات، والسبائك، أو العملات الذهبية كضمان
عيني للدين.
الآلية بإيجاز:
1- يتقدم العميل
بطلب قرض من بنك أو مؤسسة مالية متخصصة، مقابل رهن كمية من الذهب كضمان للمبلغ
الممنوح.
2- يقوم خبير
بتقييم نقاء عيار ووزن الذهب المرهون لتحديد قيمته السوقية الحالية.
3- تمنح المؤسسة
المالية «المرتهن» مبلغًا نقديًا للمقترض يعادل نسبة من قيمة الذهب غالبًا ما تكون
بين 60% إلى 80% من القيمة(1).
4- يُحفظ الذهب
المرهون في خزائن آمنة لدى المؤسسة المالية إلى حين سداد كامل مبلغ القرض والرسوم.
5- يسترد
المقترض الذهب عند سداد الدين، وفي حال الإخفاق في السداد، يحق للمؤسسة تسييل
(بيع) الذهب لتغطية الدين المتبقي.
المزايا
الاقتصادية للمقترض:
- السرعة والسهولة: إجراءات سريعة وبسيطة لا تتطلب عادةً كفيلاً أو تحويل راتب.
- تكلفة أقل: تكون أسعار الفائدة في العادة أقل من القروض الشخصية غير المضمونة، نظرًا لاستخدام الذهب كضمان، وهذا يقلل الخطورة على المُقرض، وبالتالي يتمكن من تقديم سعر فائدة منخفض نسبيًا(2).
- الاحتفاظ
بالأصل: يتيح للمقترض الحصول على سيولة دون الاضطرار لبيع أصوله الذهبية مع
الاحتفاظ بحق ملكيتها.
الأخطار
الاقتصادية القرض الذهبي:
الخطر الرئيس في
قرض الذهب فقدان الذهب إذا لم يتمكن الراهن من سداد القرض، حيث يحق للراهن بيع
الذهب في حال عدم السداد، كما أن قيمة الذهب قد تتغير؛ ما قد يؤثر على مبلغ القرض
أو احتمال سداد المزيد من الفوائد.
ثانيًا: في ميزان الشريعة.. متى يكون العقد حرامًا؟
الرهن في ذاته
مشروع بنص القرآن الكريم والسُّنة النبوية(3) لقولُه تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ
وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) (البقرة: 283)، وقول
السيدة عائِشةَ رضِي اللهُ عنها: «تُوفِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
ودِرعُه مرهونةٌ عندَ يهوديٍّ بثلاثينَ صاعًا مِن شَعيرٍ» (أخرجه البخاري، 2916)، وقولها
رضي الله عنها: «إن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه
درعًا من حديد» (أخرجه البخاري، 2068)(4).
فالرهن عقد
لتوثيق الدين، ويجوز للراهن (العميل) أن يرهن أي عين لها قيمة (كالذهب) لدى
المرتهن لضمان سداد دين مستحق عليه.
وهنا في حالة
القرض بضمان الذهب، تُعد العملية خليطاً بين القرض والرهن؛ (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) (البقرة:
283)، وهذا الاسم الشرعي لها كما ذهب بعض العلماء، بمعنى أن الذهب المرهون
يكون مقبوضًا ويُعطى في مقابله التمويل (القرض).
ومع ذلك يقع
المحظور الشرعي ويتحول العقد إلى ربا عندما يُشترط على المقترض دفع مبلغ زائد على
أصل الدين مقابل الأجل، وهي القاعدة الفقهية المتفق عليها: «كل قرض جر نفعًا فهو
ربا»(5).
على سبيل المثال،
إذا كان العقد يتضمن قرضاً نقدياً مباشراً بمبلغ وليكن 10 آلاف، ثم يُشترط فيه
السداد بمبلغ أكبر 10500 مثلاً بعد مدة، فإن هذه الزيادة هي ربا، ورهن الذهب لا
يغير من حكم تحريم الربا، فهذا غير جائز وحرام بالإجماع.
ثالثًا: التمويل الإسلامي.. كيف يتم تكييف المنتج؟
رهن الذهب من
وسائل التمويل الأصغر المستخدمة في ماليزيا التي أثبتت نجاحها، خاصة منتج «Ar-rahnu» كبديل
شرعي، يتم بموجبه إعطاء البنك أو المؤسسة المالية قرضًا لصاحب الذهب، بما يقابل
نسبة من وزن الذهب مقابل رسوم معينة تُعد أجرة لحفظ الذهب (وليس فائدة على القرض).
هذه الصورة في
المعاملات الإسلامية تتكون من عملية مركبة من عدة عقود وهي القرض الحسن (المبلغ
النقدي)، ثم الوديعة (حفظ الذهب لمصلحة العميل)، فالإجارة (مقابل رسوم الحفظ
والتأمين) ثم الرهن (كضمان)، بهذه الصورة يقوم رهن الذهب بتحقيق مقصد من المقاصد
الضرورية في الشريعة الإسلامية، وهو مقصد حفظ المال، لرواج وتداول المال واستخدامه
في مشاريع صغيرة تسهم في نماء هذا المال، بدلاً من كَنْزه أو ضياعه.
بصورة عامة
لتجنب الوقوع في الربا، تلجأ المؤسسات المالية الإسلامية إلى صيغ بديلة شرعية،
أبرزها:
1- تمويل
المرابحة أو التورق: وهنا لا يكون القرض مباشرًا، بل يتمثل في تمويل شرعي كبيع
سلعة بالتقسيط بربح معلوم، وفي هذه الحالة يتم استخدام الذهب كضمان عيني لسداد هذا
التمويل الذي نشأ عن عقد البيع، وليس ضمانًا لقرض ربوي، هذا التمويل جائز، طالما
استوفت عملية التمويل (المرابحة) أركانها الشرعية، وأصبح الذهب مجرد وسيلة لتوثيق
الدين الحلال.
فإن كان الغرض
من شراء السلعة هو بيعها لطرف ثالث للحصول على السيولة المطلوبة فهذا يسمى تورقًا،
والتورق أداة تمويلية للحصول على النقد من خلال بيع سلعة، وهو جائز بشروطه، وتُعد
هذه العملية الطريقة الأساسية للتمويل النقدي التي تعتمد عليها المؤسسات الإسلامية
لتوفير السيولة وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.
2- رسوم الحفظ
والأمان: تواجه البنوك الإسلامية تكلفة حقيقية لحفظ الذهب (خزائن، تأمين، حراسة)،
وهنا أجاز الفقهاء للمؤسسة المالية أن تأخذ أجرة حفظ على الذهب المرهون؛ لأنها
تقدم خدمة الحفظ والصيانة والتأمين، ويشترط ألا تتجاوز هذه الأجرة التكلفة الفعلية
لحفظ الذهب(6)، وأن تكون مبلغًا مقطوعًا أو رسمًا إداريًا ثابتًا، ولا
يجوز أن تكون نسبة مئوية من مبلغ القرض أو الدين تتغير بزيادة المدة، لكيلا تتحول
إلى حيلة على الفائدة الربوية.
رابعًا: قرارك المالي والشرعي.. 5 نصائح قبل رهن ذهبك
لضمان أن يكون
قرارك المالي سليمًا وموافقًا للشرع، يجب مراعاة النقاط التالية:
1- تحقق من
طبيعة العقد: إذا كان المصرف أو الشركة يفرض عليك سداد مبلغ أكبر من أصل المبلغ
الذي استلمته تحت مسمى «فائدة» أو «معدل ربح سنوي على القرض»، فهو عقد ربوي غير
مشروع.
2- اختر
المؤسسات الإسلامية: ابحث عن المؤسسات التي تقدم التمويل بصيغ شرعية مثل المرابحة،
وتستخدم الذهب كرهن لتوثيق الدين وليس لزيادته.
3- دقق في
الرسوم: اسأل بوضوح عن جميع الرسوم، يجب أن تكون تكلفة الحفظ والتأمين رسومًا
إدارية واضحة ومحددة، وليست نسبة من القرض تزداد مع مرور الوقت.
4- تجنب التورق
غير المنظم: في بعض الحالات، يكون بيع وشراء المعادن مجرد حيلة شكلية، لذا تأكد من
أن عملية التمويل حقيقية ومعتمدة من هيئات رقابة شرعية موثوقة.
5- قارن العروض:
لا تتعجل، وقارن بين المؤسسات المختلفة لاختيار العرض الأقل تكلفة والأكثر وضوحًا
في شروطه الشرعية.
القرض بضمان
الذهب ليس محرمًا في أصله، فالرهن مشروع، لكنه يصبح كذلك إذا اقترن بشرط الزيادة
(الفائدة) على أصل المبلغ؛ لذا يبقى على الباحث عن التمويل أن يدقق في تفاصيل
العقد، فالاختلاف بين المشروعية والربا يكمن في بضعة شروط صغيرة ومصطلحات دقيقة.
_________________
(1) أحلام عبدالرحمن
خير الله، غالية بوهدة، محمود أوسويلم (2021)، منتج رهن الذهب لأغراض التمويل
الأصغر بماليزيا: ماهيته، حكمه، مقاصده الشرعية، تطبيقاته العملية وإمكانية نقل
تجربته إلى ليبيا، مؤتمر الصيرفة الإسلامية، 6-7 نوفمبر بنغازي.
https://www.researchgate.net/publication/369658211_mntj_rhn_aldhhb_laghrad_altmwyl_alasghr_bmalyzya_mahyth_hukmh_mqasdh_alshryt_ttbyqath_almlyt_wamkanyt_nql_tjrbth_aly_lybya_drast_tasylyt_thlylyt_ttbyqyt
(2) جولد
ماركت. (2025)، الذهب كضمان للقروض |
الجدوى والمخاطر. https://www.goldmarket.fr/ar/الذهب-كضمان-للقرض%3A-الجدوى-والمخاطر/?srsltid=AfmBOopWU59UD2bgF5sk896guQ0--JvXON2IdAj4ML5UFRQTN9_Kl2q_
(3) مجموعة من الباحثين. (2021). الموسوعة الفقهية، الرهن- حكمة مشروعية الرهن،
موقع الدرر السنية https://dorar.net/feqhia/9021
(4) محمد بن
إسماعيل البخاري. (2002). صحيح البخاري، دار ابن كثير- بيروت، الطبعة الأولي، حديث
رقم 2916، ورقم 2068.
(5) محمد حسن
عبد الغفار. (2019). القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - المجلد 19 - جامع
الكتب الإسلامية.
https://ketabonline.com/ar/books/4552/read?page=188&part=19#p-4552-188-1
(6) هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية
الإسلامية (أيوفي). (2016) المعيار الشرعي رقم (57): الذهب وضوابط التعامل به.
مجلس الذهب العالمي. file:///C:/Users/Dell/Downloads/The-Shariah-Standard-on-Gold-Arabic.pdf