رسالة إلى إمام المسجد
من الأعمال
المهمة في الحياة الإسلامية القيام على ترتيبات المسجد، فهو بيت الله عز وجل: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) (الجن: 18)، (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ {36}
رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ
الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ
وَالْأَبْصَارُ) (النور).
وفي الحديث أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «المساجد بيوت الله»، «من توضأ في بيته فأحسن
الوضوء، ثم أتى المسجد فهو زائر الله تعالى، وحق على المزور أن يكرم زائره»، وعن
عمرو بن ميمون قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: «إن بيوت الله
في الأرض المساجد، وإن حقًّا على الله أن يكرم من زاره فيها».
والقائمون على
المساجد ذوو منزلة عند الله عز وجل ولهم من المسلمين كلُّ تقدير.
مكانة إمام المسجد
إلى القائم على
المسجد العامر؛ أن يصطفيك الله عز وجل لتقوم على شؤون بيت من بيوته فهذا شرف كبير،
ثم أن يتكرم عليك بامتلاك مؤهلات الإمامة فتقيم بهم الصلوات وربما تخطب فيهم
الجمعات فهذا فضل عظيم، وهذا نعمة يجب أن تشكر الله عز وجل عليها.
وهذا الشكر يكون
بالقلب واللسان والعمل، والعمل هنا متعدد الميادين.
ومن هذه
الميادين أن تتقن فقه الصلاة، وتحرص على فهم معانيها، وتطبق هذا كله في صلاتك
بجمهورك.
فاجعل صلاتك
قصدًا بين التطويل والسرعة ليطمئن من وراءك ويخشعوا ولا يملوا أو يهجروا المسجد،
وحسِّن تلاوتك وارع أحكام التجويد فيها من غير مبالغة أو تقليد، واختر مواطن العظة
والتعليم، واهتم بالوقوف.
وبادر بدراسة
فقه الدعوة، وأقم في مسجدك مجلس تعليم يبدأ من أركان الإسلام وأركان الإيمان وبقية
العلم الواجب تعلمه على كل مسلم ومسلمة.
الدور الاجتماعي لإمام المسجد
ولك أن تقصد إلى
جمع القلوب وتأليفها على أصول العقيدة ومحكمات الشريعة ومحاسن الأخلاق، واجتنب ما
يشتت العقول ويفرق القلوب ويوغر الصدور، وخاطب العاطفة والعقل معًا، واجمع بين
التراث والمعاصرة، واربط الناس بالكتاب والسُّنة في كل ما تقول، وتكلم بلغة سهلة
قريبة يفهمها الناس ويتفاعلون معها بين العربية الرصينة والعامية المبتذلة.
وتعلَّم أحكام
تلاوة القرآن الكريم على أيدي المتخصِّصين من أهل العلم ثم اعقد في مسجدك مجلس
تلاوة بشكل دوري، واجتهد أن يشترك فيه جميع أهل المسجد، إلى أن يتقنوا قراءة
القرآن الكريم بشكل جيد.
وعليك أن تتدرج
بجلسائك من شيء في العلم إلى شيء ولا تكثر عليهم، وأن تراعي الأولويات بتقديم
الأهم فالمهم ثم الأقل أهمية، وأن تصبر عليهم، وأن ترفق بهم، وأن تزيل عنهم الحرج،
وأن تحببهم في المجلس بما تستطيعه، وأن تحسن نيتك معهم وتحسن نياتهم معك.
الدور التنظيمي لإمام المسجد
وعليك الاهتمام
بالمسجد من حيث النظافة والنظام والإدارة، بحيث يتفرغ كل مصلٍّ لما جاء من أجله
ويستفيد من وقت وجوده في المسجد بصور الخير؛ من صلاة خاشعة، وحضور مجلس علم، وقضاء
وقت في قراءة القرآن أو في الذكر.
واعتنِ بوقت
الأذان وصوت المؤذن وموعد الإقامة، واهتم بالصوتيات ورتب عملها بما يجمع الجمهور
عليك، وارع حق جار المسجد المريض وغيره، وراقب نظافة المسجد دائمًا واحرص على
تطييبه وتجميله بما يليق به ولا يخالف الشريعة، ورتب أمر دورات المياه وأعطالها،
وإن تغيبت فأقم مكانك من يقوم بمثل أعمالك.
وحسِّن المعاملة
مع أهل المسجد، وحُسن المعاملة تتوزع بين القلب محبة واللسان طيبَ قول والجوارح
بشاشة وجه وغير هذا مما ينشر الود بين أهل المسجد جميعًا.
فلتعقد كل فترة
مجلس مشورة مع أهل المسجد أو أهل الشورى منهم في أفكار أو أعمال أو موضوعات جديدة
تفيد المسجد، وافتح لهم قلبك وأذنيك وأثنِ على مقترحاتهم النافعة وترفق برد ما ليس
كذلك بعد التروي في شأنها ودراستها.
وكذلك العناية
بأحوال أهل المسجد، بالتعرف عليهم، والسؤال عن غائبهم، وتهنئة من لديه مناسبة
سارة، وتعزية من عنده وفاة، وعيادة من هو مريض، ومساعدة من هو محتاج.. هذه الأعمال
الطيبة التي هي حقوق الأخوة الإسلامية بين الواجبات والمستحبات.
وأيضاً السؤال
الدائم، وترتيب هذا الأمر مع الناس بحيث يبلغونك بكل جديد، وقد باتت وسائل التواصل
اليوم تقرب الأمر في هذا فلو جمعت أهل الشورى ثم أهل المسجد في مجموعة على «واتساب»
أو غيرها من المجموعات الخاصة ليكتب أو يسجل كل منهم ما يود التنبيه عليه بهذا
الخصوص قبل أن ينساه أو يفوت وقته لكان حسنًا والأفكار كثيرة والوسائل ميسورة.
الدور التثقيفي لإمام المسجد
تنظيم الدورات
الصيفية للبنين والبنات ليستفيد أبناء المسلمين من العطلة الدراسية فيما ينفعون به
دينهم وأهليهم وأنفسهم.
وهذه الدورات
متنوعة، فمنها دورات تحفيظ القرآن الكريم، وتجويده، والإجازة فيه، ومنها دورات
الأنشطة التعليمية المختلفة من تعليم الكتابة والقراءة واللغات والحاسب وغيرها،
ومنها دورات الأنشطة التدريبية فيما ينفع البنين والبنات أو يختص به نوع منهما.
وعليك أن تهتم
بترتيب الدورات لكل الأعمار، وأن تفصل بين البنين والبنات، وأن يدرس للبنين مدرسون
وللبنات مدرسات، وأن ينظر فيما يحتاجه المكان من أفكار وأعمال، وأن ترسم خطة ممتدة
بحيث تتكامل كل فترة جزئية منها ويكتمل منها مشروع وتتخرج منها كوادر.
والأهم أن تكون
قدوة لمن حولك، فينبغي أن تعتني بملابسك فتكون نظيفة مطيبة، وبكلماتك فتكون رقيقة
مهذبة، وبالحكمة في تصرفاتك فتكون مناسبة مقدّرة، وبأخلاقك فتكون رفيقًا رحيمًا
متواضعًا، وبمعاملاتك جميعها فتكون على الشريعة المحمدية والطريقة المصطفوية.
وهذا كله يتقبله
الله منك ويباركه لك ويأجرك عليه وينفعك وينفع الناس به عندما يبعثه الإخلاص
ويرشده الاتباع، وهذان هما شرطا قبول الأعمال: الإخلاص؛ بأن يكون العمل لله، والاتباع،
بأن يكون العمل على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً