كيف نربي أبناءنا على احترام الخصوصية؟
لا يمكن لمنصف
أن ينكر الدور الإيجابي الذي مارسته شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي
المختلفة في حياة الناس، فقد ساهمت بشكل كبير وملحوظ في المساعدة على القيام
بتواصل الكثيرين ممن باعدت بينهم المسافات؛ ما أكد روح المحبة وجدد العلاقات التي
كان يمكن أن تنقطع أو تفتر مع مرور الوقت، فيما منحت آخرين الفرصة لمطالعة أخبار
من يحبون فيطمئنون عليهم أو يبادرون لتقديم الدعم والمؤازرة إذا ما استشعروا
حاجتهم إليها.
لكن وفي مقابل
هذا الدور الإيجابي لهذه المواقع، فقد كان لها انعكاساتها السلبية شديدة الخطورة
أيضاً التي تكشفت يوماً بعد يوم، فهي تهدر الوقت وتشتت الانتباه وتضعف التركيز
وتساعد في نشر الأخبار الزائفة والشائعات، وتقصر غالب العلاقات الاجتماعية على
الجانب الافتراضي وليس الحقيقي، وتشكل ضغطاً نفسياً حيث الشعور بالنقص أمام ما
يروج من صور مثالية لحياة البعض وتيسر الوصول إلى محتويات منحرفة أخلاقياً.
غير أن السلبية
الأكثر خطورة تتمثل في انتهاك الخصوصية، الذي يحدث عبر الاختراق من قبل آخرين
للابتزاز والفضح مثلاً، وإما بفعل متعمد لصاحب الخصوصية نفسه، حيث آثر البعض أن
يحول حياته الشخصية الخاصة لشاشة عرض يطالعها كل من هبّ ودبّ فلم تعد لديه محظورات
أو خطوط حمراء، وهي الظاهرة التي باتت مهددة للسلوك السوي لقطاع كبير من أجيال
المستقبل ما يطرح تساؤلاً مهماً: كيف يمكن أن نحصن أبناءنا من عالم مفتوح احتفى
بالكشف واستهان بالستر؟ ومن ثم كيف نربيهم على الخصوصية؟
مفهوم الخصوصية
على الرغم من أن
الإنسان كائن اجتماعي يصعب عليه أن يعيش بمفرده أو بمعزل عن الناس، فإنه في ذات
الوقت يحرص على أن يحتفظ بجوانب من حياته لنفسه أو لدائرته الضيقة دون تدخل أو
تتبع له أو إفشاء لسره من الآخرين ودون ضغط اجتماعي يجبره على الكشف عما يريد ألا
يعلم به أحد.
وتعد العلاقة
بين طبيعة الإنسان الاجتماعية من ناحية ورغبته في حفظ خصوصيته من ناحية أخرى،
كالمنزل الذي به صالة استقبال يلتقي فيها صاحب المنزل بالزائرين، غير أن به في ذات
الوقت غرفاً للنوم أو المعيشة، فضلاً عن الحمام أو المطبخ، وغير ذلك مما يراه
خصوصيات لا يحبذ أن يطلع عليها كل من يزوره أو يدخل البيت.
وعليه، فإنه
يمكن تعريف الخصوصية بأنها حق طبيعي وقانوني لأي شخص في الإبقاء على سرية بعض من
حياته الشخصية ومعلوماته الخاصة بعيداً عن تلصص أو تطفل الآخرين، وتشمل الجسد
والمسكن والمحادثات والمعلومات والأسرار والمعتقدات والعلاقات، وكل ما لا يرغب
الإنسان في إعلانه، لتكون الخصوصية بذلك منطقة الأمان أو المساحة المحمية التي
تحافظ على توازن الفرد النفسي والاجتماعي كونها تشعر الفرد بالتحكم في حياته وتقلل
الضغط الاجتماعي.
كذلك ترتبط
الخصوصية في الثقافة العربية والإسلامية بالحياء والستر الذي يحفظ السمعة ويحمي
الأعراض ويخفي الكثير مما يسيء وينال من الشخص فيجعله عرضة للتنمر أو الابتزاز أو
التحقير من شأنه.
توجيهات إسلامية لحفظ الخصوصية
وعند تأمل نظرة
الإسلام للخصوصية، نجد أنه تعامل معها باعتبارها بناء أخلاقياً متكاملاً يصون
كرامة الإنسان وعرضه وشرفه وسره على مختلف المستويات، لهذا فقد قدم الكثير من
التوجيهات والتعليمات التي تحفظ هذه الخصوصية، فشكلت هذه التوجيهات عدة قواعد يمكن
بتكاملها أن تصنع سياجاً يحقق للفرد أمنه النفسي وللمجتمع استقراره.
من تلك
التوجيهات قاعدة تتعلق بتحريم التجسس أو التطفل أو تتبع العورات وفقاً لقوله
تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: 12)، التي أوجبت أن يتجنب المؤمن البحث عن عيوب الآخرين بأي
وسيلة، ففي ذلك وكما أشار القرطبي كشف للمستور وإفساد للقلوب.
وتأتي قاعدة
أخرى كآلية محكمة تنظم كيفية تعاطي الناس مع البيوت وأهلها فيقول الله تعالى: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ
بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) (النور: 27)؛ فالآية الكريمة تشدد على حرمة البيوت، وأنها ليست ساحة
مباحة لدخولها وكشف عوراتها ومفاجأة سكانها أو اقتحام معيشتهم دون استئذانهم.
بل إن الإسلام
حرص على ترسيخ مبدأ الاستئذان بين بعض المقيمين في البيت الواحد؛ حيث الألفة
والاختلاط، فما ملكت اليمين ومن لم يبلغوا سن البلوغ من الأطفال لا يدخلون على أهل
البيت في بعض الأوقات الحساسة إلا بعد الاستئذان، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا
الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) (النور: 58).
ثم تلمس
التوجيهات الإسلامية مسألة في قمة الحساسية وتتعلق بالحياة الزوجية والعلاقة
الحميمية التي يحلو للبعض من ناقصي المروءة إفشاءها، حتى لو في إطار المفاخرة،
فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ من أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم
القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرّها»، فمخالفة ذلك فضلاً عن
أنها خيانة للأمانة فهي أيضاً كفيلة بأن تعدم الثقة بين من كان يفترض أن يجمعهما
الاستقرار والطمأنينة.
بل إن الإسلام
وضع قاعدة مهمة حرص من خلالها على ألا يطلع المؤمن على عورات آخرين أو أخريات سعوا
هم أنفسهم لكشفها، فوجه بغض البصر وعدم تتبع ما ليس للإنسان به علم، فيقول الله
تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ
أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ {30} وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (النور)، وقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء:
36).
تربية الأبناء على احترام الخصوصية
لا شك إذن ونحن
نعيش تلك الأجواء المخالفة للقيم الدينية وحتى العرفية لانتهاك الخصوصيات نتيجة
بيئة رقمية تكرس ثقافة الكشف والفضح وتتبع العورات، بتنا في حاجة ماسة إلى إعادة
ترسيخ قيمة الستر وتربية أبنائنا على احترام الخصوصية.
وتستلزم تلك
التربية اتخاذ بعض الإجراءات والتوعية بحزمة من القيم والمهارات والسلوكيات، يبرز
منها أن يكون الآباء نموذجاً يحتذى في احترام الخصوصية، فلا يكونوا مثالاً على
إفشاء الأسرار الخاصة، أو أن يكونوا بعضاً من قطيع منساق خلف «السوشيال ميديا»
ينشرون كل تفاصيل حياتهم.
وتبدأ عملية
التربية منذ الصغر سواء في البيت أو بالمدرسة أو بالمسجد، حيث التدريب العملي على
التمييز بين ما يمكن إعلانه وما لا يمكن إفشاؤه على الملأ، وتطبيق ذلك بشكل أكثر
تدقيقاً عند استخدام مواقع التواصل الاجتماعي التي أغرت الكثيرين بنشر كل شيء ليس
إلا للحصول على المشاهدات أو التفاعلات.
كما تعد عملية
لفت الانتباه إلى أن الاعتماد على الاستعراض يعبر أولاً عن النقص، وثانياً عن حجم
الفشل في تحقيق أي إنجاز حقيقي واحدة من أهم ما يدفع الأبناء للإحجام عن مسايرة
هذه الظاهرة والتوقف عن الاهتمام بالمظهر على حساب الجوهر.
وتأتي الحوارات
المستمرة سواء بين أفراد الأسرة أو بين المعلمين والطلاب أو حتى بين الوعاظ ورواد
المساجد حول آداب المشاركة وخطورة الإفراط في نشر التفاصيل الحياتية والاستناد إلى
عرض أمثلة واقعية حول نتائج ذلك كأداة فاعلة في توعية الأبناء، ولفت انتباههم إلى
أن الخصوصية جزء من بنية الأخلاق التي تحفظ للإنسان كرامته وتوازن حياته.
اقرأ
أيضاً:
استعينوا على
قضاء حوائجكم بالكتمان
«الخصوصية العائلية».. بين احترام القيم وسطوة «السوشيال ميديا»!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً