«القرقيعان».. و10 معالم حضارية واجتماعية
يُعدّ شهر رمضان
المبارك موسماً تتجلى فيه الخصوصية الحضارية للشعوب العربية والإسلامية، إذ تتعانق
الشعائر الدينية مع العادات الاجتماعية في صورة ثقافية مبدعة، تحفظها الذاكرة
الجمعية وتتوارثها الأجيال دون انقطاع.
ومن أبرز هذه
التقاليد الرمضانية الراسخة في دول الخليج العربي، ولا سيما دولة الكويت، احتفالية
«القرقيعان» التي تمثل نموذجاً حياً للتفاعل بين الدين والتاريخ والهوية.
1- ما القرقيعان؟
تشير الدراسات
التراثية إلى أن القرقيعان جزء أصيل من الموروث الشعبي الخليجي المرتبط بمنتصف شهر
رمضان المبارك، حيث يعزز أواصر الترابط الاجتماعي وينشر أجواء البهجة، خاصة بين
الأطفال.
يرتدي الأطفال
في هذه المناسبة أزياءً تراثية تعكس البيئة العربية الأصيلة، ويحملون أكياساً من
القماش أو البلاستيك، ويتجولون في أحيائهم مرددين الأناشيد الشعبية، ليحصلوا في
المقابل على الحلوى والمكسرات، وهكذا تتحول الشوارع إلى فضاء احتفالي حي، يجسد روح
المشاركة والفرح الجماعي.
2- شبهات حول القرقيعان:
أثيرت بعض
التساؤلات الشرعية حول مشروعية الاحتفال بالقرقيعان، إلا أن غالبية العلماء أجازوه
باعتباره من قبيل العادات لا العبادات.
ويقول الفقيه د.
خالد المذكور: القرقيعان عُرْف وعادة وليس عبادة، والأعراف في الشريعة في كل بلد
تبقى مستقرة ما لم تصادم نصاً في كتاب الله تعالى أو سُنة نبيه صلى الله عليه
وسلم، وهذه العادة جائزة شرعاً مع مراعاة عدم الإسراف فيها، والمحافظة على أطفالنا
عند خروجهم وضبط وقتهم، مشيراً إلى أنه في شهر رمضان توجد عادات اجتماعية تختلف من
بلد إلى بلد تتعلق بالزيارات وتبادل التهاني وفي بعض الأطعمة والأشربة التي تكون
في رمضان ومدفع الإفطار وملابس الأطفال، وهذه عادات لا بأس بها شرعاً، كما أنه
يدخل الفرحة إلى قلوب الأطفال ولا يصطدم مع ثوابت الدين ولا مانع منه.
وعليه، فإن
القرقيعان يندرج ضمن الأعراف الاجتماعية المباحة، شريطة الالتزام بضوابط الاعتدال
وعدم الإسراف.
3- القرقيعان.. والبعد التربوي:
يرتبط توقيت
الاحتفال تاريخياً بتشجيع الأطفال على صيام النصف الأول من رمضان وتحفيزهم على
إكماله؛ ما يمنحه بُعداً تربوياً واضحاً.
ومن منظور علم
الاجتماع التربوي، يؤدي القرقيعان وظائف متعددة، منها:
- إدماج الطفل
في المجتمع بصورة تدريجية وآمنة.
- تنمية الجرأة
وروح المبادرة والمشاركة.
- تعليمه شكر
الكبار وملاطفتهم عند تلقي الهدية.
- تعزيز ارتباطه
العاطفي بشهر رمضان المبارك.
ولذلك، يحتل
القرقيعان مكانة وجدانية عميقة، لارتباطه بذكريات الطفولة وأفراحها في المجتمعات
الخليجية.
4- القرقيعان.. والبعد الأخلاقي:
رغم بساطة فكرة
توزيع الحلوى، فإنها تحمل دلالات ثقافية عميقة، أبرزها قيمة الكرم والمشاركة،
فالذي يطرق الباب ليس طفلاً واحداً، بل مجموعات من الأطفال؛ ما يعكس روح الجماعة
والتكافل.
كما تجسد
المناسبة مبدأ العطاء بحسب القدرة، دون النظر إلى الفوارق المادية بين البيوت، في
مشاركة اجتماعية واسعة تحافظ على الذاكرة الجماعية، حتى وإن ترتب عليها تكاليف
مادية.
5- جماليات الصوت والأهازيج:
تُعد الأهازيج
المصاحبة للقرقيعان من أبرز مظاهر الأدب الرمضاني الشعبي، إذ تمثل إنشاداً جماعياً
بكلمات متوارثة شفهياً عبر الأجيال، دون تدوين رسمي، ومن أشهر هذه الأهازيج: «قرقيعان،
قرقيعان، بين قصير ورمضان، عطونا الله يعطيكم، بيت مكة يوديكم، يوديكم لهاليكم».
وتختلف الكلمات
من دولة خليجية إلى أخرى، ففي العراق مثلاً(1): «ماجينه يا ماجينه، حل
الكيس وانطينه، انطونه الله ينطيكم، بيت مكة يوديكم».
ويمتاز هذا
التقليد بأن الطفل لا يطلب الحلوى بمدّ يده، بل بصوته الجماعي العفوي؛ ما يحول
المناسبة إلى مدرسة ثقافية صوتية تعكس أصالة التراث الخليجي رغم مظاهر الحداثة
المتسارعة.
6- زِيّ القرقيعان وحفظ التراث:
يرتدي الأطفال
ملابس تراثية تصنع أحياناً خصيصاً لهذه المناسبة، فيرتدي الأولاد «الدشداشة»،
بينما ترتدي البنات «الدراعة»، في مشهد أقرب إلى عرض تراثي حي يستحضر تاريخ البلاد
وتقاليدها.
ويمثل هذا الزي
جسراً بين الماضي والحاضر، حيث يحافظ على حضور الهوية الخليجية في وجدان الأجيال
الجديدة، ويجعل من القرقيعان وسيلة عملية لصون اللباس التراثي من الاندثار.
7- القرقيعان.. وتعزيز الروابط الاجتماعية:
يمتاز القرقيعان
بكونه حدثاً مكانياً بامتياز، إذ يُمارس في الشوارع وأمام بيوت الجيران، لا داخل
المنازل فقط، فتتحول الأحياء إلى مسرح اجتماعي مفتوح، يعكس طبيعة العلاقات القائمة
على المودة وحسن الجوار في المجتمعات الخليجية.
وتدل هذه
الممارسة على شبكة علاقات اجتماعية قوية تسمح للأطفال بالتجول بأمان؛ ما يسهم في
دمجهم مبكراً في النسيج الاجتماعي وتعزيز روح الانتماء.
8- القرقيعان.. وبناء الهوية الخليجية الموحدة:
على الرغم من
ارتباطه بالكويت، فإن القرقيعان ظاهرة خليجية عامة، وإن اختلفت تسمياته مثل «قرنقعوه»
و«قرقاعون»، وهو من العادات المشتركة بين دول الخليج؛ ما يجعله رافداً مهماً في
بناء هوية ثقافية إقليمية مشتركة، وترسيخ قيمة الانتماء للمجتمع الخليجي العربي.
9- القرقيعان.. والتحولات المعاصرة:
لم تسلم
الاحتفالية من تأثير التحولات المعاصرة وثقافة الاستهلاك، فبعد أن كانت تقتصر على
توزيع الحلوى البسيطة، شهدت توسعاً في مظاهر الزينة والإنفاق، وتحولت بعض الهدايا
إلى منتجات تجارية باهظة الثمن.
كما استُبدلت مواكب
سيارات بالمسيرات الطفولية في الأزقة أحياناً، وتراجعت معها الأهازيج التقليدية
لتحل محلها أبواق المركبات، ولم يقتصر هذا التحول على الكويت، بل ارتبط بتغيرات
ثقافية أوسع في ظل النزعة الاستهلاكية الحديثة، حيث تتنافس المحال التجارية في
تقديم «القرقيعان الحديث» مغلفاً بأجود المواد ومزداناً بالشوكولاتة الفاخرة(2).
10- لماذا يحتاج المجتمع إلى القرقيعان؟
تحتاج المجتمعات
إلى ثقافة جامعة تحفظ هويتها وتماسكها، وإلى طقوس احتفالية خاصة تعزز روح الانتماء،
ويؤدي القرقيعان هذا الدور بامتياز، إذ يحول الصيام إلى فرحة، والحي إلى مجتمع
متكاتف، والطفل إلى حامل واعٍ للتراث.
وفي زمن تتزايد فيه مظاهر التفكك الاجتماعي، تبرز أهمية مثل هذه التقاليد في ربط الأجيال بماضيها، وصون هويتها من الذوبان في ثقافات أخرى.
اقرأ أيضا
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً