الكفاية المادية وأثرها في تجويد العبادة

تجويد العبادة لا يكون بالأداء الظاهري الجاف من حركات جسدية وتمتمات لسانية، بل لا بد من حضور العقل والقلب فيما يقول ويفعل، والمرء يسأل الله أن يرزقه إحسان العبادة ظاهراً وباطناً، قلباً وقالباً؛ تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم كما في وصيته لمعاذ: «لا تدَعنَّ دبرَ كلِّ صلاةٍ أنْ تقولَ اللهمَّ أعني على ذكرِك وشكرِكَ وحُسنِ عبادتِكَ»(1).

والكفاية المادية عامل مهم في مساعدة المسلم على أن يقوم بالعبادة على أحسن وجه ظاهراً وباطنًا.

الكفاية المادية تعمل على تفريغ القلب للعبادة

يقول الشيخ البهي الخولي: مطالب العيش وكل ما يتصل بالحياة الاقتصادية له تأثيره المباشر القوي على القلب؛ كالفقر والتعطل عن العمل لمرض أو شيخوخة أو سبب آخر، وثقل الدين والغُرم، ونزول الآفات والحرائق واليتم والترمل إذا مات رب الأسرة ولم يترك شيئاً، وما يشبه ذلك مما تضيق به النفس، ويغدو به المرء موزعاً في أودية من الهموم والأفكار والذلة والحيرة.. فهل يتأتى للقلب أن يظل في هدوئه وسكينته، وهذه الهموم تتقسّمه وتتوزعه؟

ثم يقول: ولأمر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ»(2).

ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر»(3)، وليس في البشر كافة من هو أسمى همة من النبي صلى الله عليه وسلم، فهل تراه فزع إلى الله، واستعاذ به إلا لأن الحزن والهم وغلبة الدَّيْن والفقر، من مهلكات القلب كالذنوب والشهوات سواء بسواء؟ أم تراه فزع منها لأنها تصد نفسه عن الطعام، وتقعد بهمته عن السعي في الأرض لجلب الحطام؟

قد يجوز لأي باحث اجتماعي نفساني أن يستخرج من هذا الكلام ما يشاء من تأثير الهموم على همة المرء وعزيمته، وما لذلك من أثر اقتصادي وعمراني في الحياة المادية، وهو حسن، ولكن ما نعلم من سمو همته صلى الله عليه وسلم وصفاء إدراكه للحقائق العليا يجعلنا نجزم بأنه يقصد قبل كل شيء سلامة قلبه الذي هو مستودع الحياة في الدنيا والآخرة(4).

من هذا الكلام النفيس يتبين أن للكفاية المادية تأثيراً قوياً على صفاء القلب وسلامته، وهو أمر عظيم الخطورة إذ القلب هو أهم شيء في حياة الإنسان؛ فبصلاحه يصلح الجسد كله، وبفساده يفسد الجسد كله، فوجب أن نحافظ على إشراقه وطمأنينته، وأن نتيح له من الهدوء وفراغ البال ما يجعله يستمر على ذكره وفكره، وإقباله على الله تعالى في صفاء وسكينة.

لذلك، فالمسلم حينما يمتلك كفايته المادية بمزاولة أي عمل صالح من زراعة، أو صناعة، أو تجارة، أو وظيفة.. فإن هذا العمل سيدر عليه ربحاً يسد حاجته وحاجة من يكفلهم، ويمنعه من مد يده إلى هذا أو ذاك، فإذا دخل في الصلاة والحالة هذه ستجده يصلي باطمئنان، خاشع القلب، هادئ النفس، مستريح البال، يتدبر كل حركة يؤديها، ويتفكر في كل كلمة يلفظها، فليس هناك أمر ضروري يشغله عن صلاته.

أما حينما يعيش في فقر وعوز، فإنه يشوش فكره ويتوزع قلبه، فإذا دخل في الصلاة وحالته كذلك هل تخاله سيؤديها بخشوع وخضوع، متدبراً ما يقول، ويفعل؟! كلا، إنه سيؤديها طقوساً وحركات وتمتمات فحسب، فالقلب مشغول بالديون، ومهموم بالنفقات التي تتجدد بالأيام، ولعلنا بذلك ندرك سر دوام استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من هموم العيش وغلبة الدَّيْن.

فالكفاية إذن عامل كبير في جمع قلب العابد على عبادته، ولعل ذلك المعنى هو ما يوحي به قوله تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش)؛ حيث جاء الأمر بالعبادة بعد تحقق الإطعام، وزوال الخوف، إذ إن الجائع والخائف لا ينتظر منهما عبادة حقيقية، فالعبادة تفتقر إلى حضور القلب، ولا حضور للقلب في حالتي الجوع والخوف.

ولأجل ذلك جاء الإرشاد النبوي: «إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء»(5)، قال الإمام الترمذي معلقاً على هذا الحديث: والذي ذهب إليه بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أشبه بالاتباع، وإنما أرادوا ألا يقوم الرجل إلى الصلاة وقلبه مشغول بسبب شيء(6).

وروي أيضاً عن أبى هريرة، وابن عباس، أنهما كانا يأكلان طعاماً، وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال له ابن عباس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء(7)، وروي أيضاً عن الحسن بن علي قال: «العَشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة»(8).

فإذا كان المرء قد يشغله عن صلاته التفكير في الطعام -وهو حاضر- فما بالك لو لم يكن هناك طعام أصلاً؟! إنه بلا شك سيكون في ذهول عن العبادة، فتحقيق الكفاية المادية إذن يؤمن عيش المرء، ويضفي على حياته نوعاً من الاستقرار والأمن، وحينما تستقر حياة المرء وتهدأ يتيسر عليه أداء العبادة بإتقان وإحسان.

ويؤكد الإمام أبو حامد الغزالي أهمية الكفاية المادية في تفرغ المسلم للعلم والعمل، وهما سر سعادته فيقول: «ولعمري إن من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقاً بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة؛ متى يتفرغ للعلم والعمل وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟! فإذن، بان أن نظام الدنيا -أعني مقادير الحاجة- شرط لنظام الدين»(9).

وقد روي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، أن الجارية أخبرته يوماً في مجلسه أن الدقيق نفد، فقال لها: قاتلكِ الله، لقد أضعتِ من رأسي أربعين مسألة من مسائل الفقه!

ويروى عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «لا تستشر من ليس في بيته دقيق»؛ لأنه مشتت الفكر مشغول البال فلا يكون حكمه سديداً، وذلك لأن الانفعال الحاد يؤثر على سلامة الإدراك وصحة الرأي كما يقرر علم النفس، وكما جاء في الحديث الصحيح: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»(10).

وقاس الفقهاء على الغضب شدة الجوع، وشدة العطش، وغيرهما من الانفعالات المؤثرة، وفي نحو هذا قال الشاعر:

إذا قَل مــال المــرء قَل بهــــاؤه        وضاقت عليه أرضه وسمــاؤه

وأصبـح لا يدري وإن كان دارياً     أقدّامه خير له أم وراؤه(11)

وفي هذه الأخبار إشارات واضحة إلى مدى خطورة الفقر وهموم العيش على قلب الإنسان وفكره وصفاء ذهنه في عبادته، وعلى صواب رأيه وسداد مشورته.

وهذه الحقيقة تجعل واجبًا في عنق الفرد والمجتمع والدولة أن يسعى كل بقدر طاقته على توفير الكفاية لجميع أفراد المجتمع حرصاً على دينهم وسلامة عقيدتهم وعبادتهم.

الهوامش
  • 1 أبو داود (1522).
  • 2 صحيح البخاري ك «الاستعاذة»، ب «الاستعاذة من ضلع الدين» (7911).
  • 3 المستدرك: الإمام الحاكم، ك «الإيمان» (99)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
  • 4 تذكرة الدعاة، الأستاذ البهي الخولي، ص 200 – 201، ط دار البشير.
  • 5 سنن الترمذي ك «الصلاة» ب «ما جاء إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء» (353) وقال: حديث حسن صحيح.
  • 6 المرجع السابق، ج2، ص145.
  • 7 فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري: ابن حجر (2/ 188)، ط المكتبة السلفية، 1407.
  • 8 المرجع السابق (2/ 190).
  • 9 الاقتصاد في الاعتقاد: الإمام أبو حامد الغزالي، ص 135، ط مكتبة الصبيح بالقاهرة د. ت.
  • 10 سنن الترمذي ك «الأحكام»، ب «ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان» (1334).
  • 11 مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام: د. يوسف القرضاوي، ص 14.
الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة