نعم لتعدد الزوجات.. لا لتعدد الخليلات

مما لا جدال فيه أن مجتمعًا قائمًا على التعدد، خيرٌ ألف مرة من مجتمع يحرّمه ويبيح في المقابل الفوضى الجنسية وتعدد الخليلات، فمن ينظر إلى التعدد نظرة موضوعية؛ يجده منصفًا للنساء، فهو رباطٌ شرعيٌّ تترتب عليه حقوق وواجبات، وهو مشروط بالقدرة والعدل، وبالتالي فإنه غير مباح لأيِّ أحد، كالذوّاقين والمستهترين، الذين لا يستطيعون الباءة، ولا يقيمون وزنًا للتذمُّم ورعاية الأسرة.

وعندما يبيح الإسلام التعدد، فإنه يفعل ذلك لمصلحة المرأة والرجل والمجتمع على السواء، وللوقاية من براثن الغواية والانحراف، ومن أجواء الكبت واليأس والحرمان، ومن حق المرأة التي يقع عليها ضرر التعدد أن ترفضه، أو تشترط ذلك في عقد زواجها، فهي مخيرةٌ، إن شاءت قبلت بالوضع الجديد، أو تطلب الطلاق وتبحث عن زوج لا يعدد، وليس من حقها أن تطلب من زوجها طلاق زوجته الأخرى.

إن الرجل ميّال بطبعه إلى النساء: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) (آل عمران: 14)، وقدراته الجنسية مستمرة وممتدة، بخلاف المرأة، فجاء التعدد ليحفظه من الوقوع في الحرام، كما يمثل التعدد حاجة ملحة لبعض الرجال، لأسباب فصّلتها أبواب الفقه، أو أن يتزوج الرجل امرأة صالحة لا تجد راعيًا يرعاها.

وإذا كان الرجل المعدِّد في المجتمعات الإسلامية يتحمل عبء ما ينتج عن الزواج من ذرية؛ يأمره بذلك دينه والعرف السائد، فإن الخليلة في الغرب هي التي تتحمل عبء حملها، إما بتربيته بعد أن تخلَّى عنه أبوه الذي يبحث -وطفله لا يزال جنينًا في بطن أمه- عن عشيقة أخرى، أو بقتله، بالإجهاض.

تشير الإحصاءات في هذا الصدد إلى إجراء 615911 عملية إجهاض في الولايات المتحدة عام 2020م، مقارنة بـ625346 عملية إجهاض في العام 2019م، وفقً بيانات صادرة عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والسيطرة عليها (CDC).

بل إن دراسة علمية صادرة عن جامعة لوفان ببلجيكا، تركزت على فحص أشجار عائلات أوروبية، خلصت إلى أن 5 قرون من العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج أثرت على الحمض النووي لكثير من الأوروبيين، بسبب أبناء الزنى، وفق تعبير مجلة «لنوفيل أوبسرفاتور» الفرنسية.

كرامة للمرأة

والتعدد كرامة للمرأة، فهي معززة بالزواج، مصونة في بيتها، لها زوج يحميها، وأطفال يشبعون غريزتها في الأمومة، فزواجها -ولو من رجل متزوج بأخرى- يحميها من طمع الرجال فيها، ومن نظرات المجتمع التي لا ترحم، ولقب الزوجة أصون لشرفها، بدلًا من اتخاذها بغيًّا من دون مقابل، تحت مسميات برّاقة مثل «الصديقة» أو «الصاحبة»، والحقيقة أنها «فتاة ليل» غير أنها لا تتقاضى أجرًا، ويستطيع أي رجل، ولو كان تافهًا لا قيمة له، أن يلقيها ويبحث عن أخرى بعد أن يقضي منها نهمته.

إننا لما ضيَّقنا الخناق على ما أحل الله، لجأ الناس إلى التحايل، من أجل ذلك وقعوا في الحرام، وقد نتج عن ذلك تفسّخات اجتماعية باتت تهدد الأجيال القادمة، وتنزع من نفوسهم الأمان، إنه مما يؤسف له أن في بلادنا العربية آلافًا من قضايا النسب، رفعتها زوجات على رجال تزوجوهن بصيغ زواج غير شرعية، أو عاشروهن خارج إطار الزواج، ويرفضون -بعدما وقعت المصيبة- الاعتراف بالأبناء، الذين هم في الحقيقة ضحايا تحريم ما أحل الله.

والتعدد طُهرة للمجتمع من الفساد الأخلاقي؛ فإنه يدفع أخطار السفور والاختلاط، ويحمي المجتمعات من الفناء، ويقيها من الأمراض والطواعين التي باتت تهدد مجتمعات الغرب، التي يعاني الملايين فيها من أمراض جنسية لا يمكن شفاؤها، دون إيجاد حل قاطع لهذا الوباء.

حفظ الأنساب

وإذا كان التعدد يحفظ الأنساب، ويدعم استقرار المجتمعات، فإن تعدد الخليلات -في المقابل- يؤدي إلى تفكك أوصال المجتمع، ويحيل الإنسان الذي كرّمه الله على سائر خلقه إلى بهيمة لا همَّ لها سوى الأكل والشرب والسفاد، ولو كان ذلك بالسرقة والخيانة.

لقد أدت الفوضى الجنسية في الغرب إلى سطو غالبية الرجال على نساء أخريات غير زوجاتهم، ووفق مكتب الإحصاء الأوروبي، فإن 43% من الأطفال المولودين في الاتحاد الأوروبي عام 2016م، تم إنجابهم خارج إطار العلاقات الزوجية، وقد تصدرت فرنسا قائمة الدول التي تعج بالأطفال المولودين خارج إطار الزواج، وبلغت نسبتهم 60%، تلتها بلغاريا وسلوفينيا 59%، وإستونيا 56%، والسويد 55%، والدنمارك 54%، والبرتغال 53%، وهولندا 50%.

إن التعدد في الشرع الإسلامي غرضه في الأساس إقامة أسرة، التي هي أساس المجتمع، والحصن الحصين للأمة، وهي الآن مهمة -أكثر من أي وقت مضى- بوصفها آخر خطوط الدفاع عن الإسلام.

من يقارن بين المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الغربية، يجد الأخيرة متفوقة بشكل لافت على الأولى في أعداد المعدِّدين، هذا إذا نظرنا إلى الواقع وجرّدنا القضية من مسمياتها النظرية، فإن في حياة معظم الرجال الغربيين امرأةً واثنتين وثلاثًا وعشرًا، وربما أكثر من ذلك، في حين نجد زوجتين أو ثلاثًا -على الأكثر- لعدد محدود جدًّا من رجالنا، وهذا يدعونا إلى القول بملء فينا: نعم لتعدد الزوجات، لا لتعدد الخليلات. 



اقرأ أيضاً:

قراءة في كتاب «تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية»

مناهضة تعدد الزوجات.. ظلم للمرأة بقناع حقوقي

جدل متكرر.. لماذا لا يتقبل المجتمع المصري تعدد الزوجات؟

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة