الإعلام الرقمي والتسطيح الفكري.. رؤية إسلامية نقدية
لقد كان لافتاً
للنظر عنوان مقال في صحيفة «الغارديان» البريطانية، في 13/ 9/ 2026م، بعنوان
«ديمقراطيتنا لن تنجو من موت القراءة»، كتبه جون هاريس، لكن ما كان مرعباً هو أن
المقال نُشر في عمود تحت عنوان «محو الأمية»، وكأن المقال يأتي ضمن الجهود التي
تُبذل لمحو الأمية، التي بدأت أمارات عودتها تظهر في الوسط الثقافي العام.
لكن الأكثر
لفتاً للنظر من ذلك هو كتاب المفكر البريطاني جيمس ماريوت، «العصور المظلمة
الجديدة.. موت القراءة وفجر مجتمع ما بعد القراءة والكتابة»، الذي يشكو فيه تخلي
الأجيال الحالية عن القراءة وتجاهل الكتب؛ فهو يقول: إن الطلاب ليسوا غير راغبين
في القراءة فحسب، وإنما هم عاجزون عن القراءة وعن فهم الروايات المتطورة والعميقة،
ويحاول ماريوت، خلال صفحات الكتاب، لفت أنظار المعنيين من المسؤولين والآباء
والأمهات إلى الكارثة التي تصيب الأجيال الجديدة نتيجة تجاهل الكتاب.
وتُرجع جميع
الدراسات وآراء الأساتذة المختصين التخلي عن القراءة الجادة والكتابة المثمرة إلى
اللوحات الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها من أدوات الإعلام الحديث، ويعتقد
ماريوت أن القصف الرقمي القادم من الهواتف الذكية السبب الرئيس في إنتاج مجتمع ما
بعد القراءة والكتابة؛ فهو جهل ناتج عن شاشات الهاتف، والجحيم الأحمق الذي خلقته
وسائل التواصل الاجتماعي يفسر جزئياً تلاشي الكلمة المكتوبة.
ومما يوضح حقيقة
التخلي عن القراءة والكتابة، والمأساة التي خلقتها اللوحات الذكية ومنصاتها
الرقمية، مشهد الكاتب الجزائري حامد ياسين، حينما لم يجد من يشتري كتابه، وهو جالس
في معرض الكتاب، يحمل غماً على كتفيه بقدر ثقل أوراق صفحات كتابه، فهو يجسد
الحقيقة التشاؤمية التي يعيشها الكتاب والناشرون عبر العالم؛ إن دموعه التي غلبته
هي دموع الغالبية من الكُتّاب والمثقفين الجادين من أصحاب الرؤى، دموع الخيبة من
مستقبل العلوم والثقافات، وليس أولئك الكُتّاب الذين ملؤوا المكتبات بالتفاهة؛ فقد
سيطرت التفاهات الرقمية وإلهاءاتها، والتسابق على حجز المقاعد في المطاعم
والمقاهي، على تغذية العقل وتشكيل الفكر، وفي معركة الوعي، فاز الاستغباء الرقمي.
ويرى المتابعون
المختصون في الرئيس الأمريكي دونالد ترمب النموذج الأبرز لمجتمع ما بعد القراءة
والكتابة؛ فهو، حسب المقربين منه، لا يقرأ أي شيء، لا كتاباً، ولا كتيباً، ولا
مذكرات، ولا حتى ملخصات السياسة التي تعنيه ولا تعني غيره، ولهذا ينشر الفوضى في
كل مكان تصل إليه يده، ويُعد تصفيق جمهوره من أصحاب العقول السطحية للتخرصات التي
يقول بها دليلاً على العدد الكبير من أفراد مجتمع ما بعد القراءة والكتابة، وكأن
عصرنا هو العصر الفاصل بين التخلف والعصر الرقمي.
لكن كيف تفعل
تلك المنصات الإعلامية هذه الأفاعيل بالمستخدم، وتجعل من العقول عقولاً سطحية تتجه
صوب الجهل بالمعنى المعرفي؟
التسطيح هو جعل
المسألة الفكرية العميقة سطحية بعيدة عن الجوهر، وإفراغها من أبعادها المعرفية
وغاياتها التوعوية، وإرباك المنظومة الفكرية وخلط المفاهيم، وافتقار القدرة على
التحليل والتمييز، وإفراغ العقل من قدراته النقدية وتجهيله، وهو يختلف عن التبسيط،
الذي يعني تسهيل الأمور والقضايا الفكرية المعقدة وتقريبها إلى الأذهان لفهمها، من
دون الإخلال بعمق الفكرة وقوتها.
والتسطيح من
الإصابات التي يتعرض لها العقل والفكر البشريان نتيجة الاستخدام العبثي وغير
المحدود للمنصات الرقمية ووسائط التواصل الحديثة.
وتفعل وسائل
التواصل الاجتماعي والرقمية ذلك بالعقول من خلال المواد الفارغة من المضمون
المفيد، والسهلة والسريعة التي لا تحتاج إلى تفكير لفهمها، وتتضح سيطرة الهاتف
الذكي على المستخدم، وعلى الغالبية من مستخدميه، حينما تحاول العودة إلى الإمساك
بكتاب وقراءته؛ إذ تلاحظ قوة جذب الهاتف إلى المواد السائلة السهلة الجاذبة، فبين
كل فترة قصيرة وأخرى ترمي ببصرك إلى الهاتف، وتمرر مادة أو مادتين، أو تتأكد من رسالة
وصلتك، أو من جواب رسالة تأخر عنك.
إن آثار
الرقميات على قدرة التفكير واضحة؛ لأن العقل حاله حال العضلات، يتقوى بالتدريب،
ويتكون ويتشكل بالتكرار في التفكير والنظر إلى النصوص الطويلة أو القصيرة العميقة
والجادة، وقد ساهمت الكتب الفكرية التصورية، والروايات الفلسفية، وتلك التي تتحدث
عن نطاق القواعد لكل العلوم الدينية والبشرية، وفك الألغاز وتفنيد الحجج، في تقوية
العقول حتى أبهرت وأنتجت حضارات، لكن المنصات الرقمية وموادها الفقيرة أو الساقطة
التي تخاطب الملذات تتسبب في إغلاق كل تلك الأبواب المعرفية أمام العقل الإنساني، ولهذا،
وبعد أن فقدت الأجيال القدرة على النظر والفهم والتحليل والنقد والتقييم والتمييز
بين الرفض والقبول الواعي، لن يتردد أصحاب الأفكار الموبوءة في نشر المضامين
التافهة والسامة على أوسع نطاق؛ حيث حوّلت المتلقي إلى كائن بعقل مقفل ودماغ معطل،
ومن هنا تمطر كل تلك السذاجات الفكرية.
والأطفال هم
الشريحة الأكثر تضرراً؛ إذ نرى عقولهم تتشكل على الضجر من كل كلمة أو سطر مكتوب؛
لأن جل وقتهم يُصرف في المكوث أمام الشاشة الذكية، على «التابلت»، وليس الأمر أنهم
يتربون على المضامين الموجهة فحسب، وإنما يصبح مستواهم العقلي منخفضاً، ويكون
لديهم مزاج شبه معدوم للقراءة والكتابة وأداء الواجبات المنزلية.
ونقيضاً لذلك،
فإن أدوات التعليم والتعلم في المنهج الإسلامي تشمل كل ما يمكن أن يحقق المقصود،
بشرط أن يكون نافعاً، لكن يبقى التدريب العقلي هو الأساس، وقد ثبّت الوحي الإلهي
ذلك في كلمات واضحة في آيات القرآن الكريم، نذكر منها 5 كلمات مفتاحية: «اقرأ، والقلم،
وما يسطرون، والتدبر، والتفكر».
فالتدبر والتفكر
نقيضان للسطحية، وهما يمنحان عضلات العقل القوة، كما تقوي الرياضة عضلات الجسد، والفكر
هو إفراز العقل نتيجة التفكير في المعلوم للوصول إلى المجهول؛ قال تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
{1} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف).
وفي هاتين
الآيتين الكريمتين ثلاثة أمور:
الآيات
المكتوبة: «الكتابة»، قراءة ما هو مكتوب ومبين بتدبر، قال تعالى: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (ص: 29)؛
الغرض من تلك القراءة، وهو «التعقل».
فالإنسان يقرأ
ما كتبه القلم بتدبر وإمعان لكي يعقل، أي يفهم ويعي، والأمر للنبي صلى الله عليه
وسلم أولاً بالقراءة فيه توضيح لمنهجية التعليم؛ فالبداية تكون بالقراءة، ولن يكون
المرء كاتباً إلا بعد مرحلة إتقان القراءة، فلا يكون الإنسان مسجوناً داخل زنزانة
حاستي العين والسمع، كما تفعل تلك المنصات الإعلامية الحديثة؛ لأن العين والسمع
وسيلتان وأداتان للتأمل والإدراك، ولا يتوقف الأمر على ما يراه الإنسان وما يسمعه،
من دون التأمل فيما رأى والإدراك لما سمع.
وكل شيء فارغ من
المعنى، ولا يفيد، ولا يُبنى عليه عمل، أو يأخذ الإنسان بعيداً عن الغايات
الأساسية، ويلهيه عن العلم النافع والعمل الجاد، يُعتبر لغواً؛ إذ يخرج من دائرة
المباح وينزلق شيئاً فشيئاً نحو دائرة المحرمات، وهذا ما يسميه العلماء بالكلّي
والجزئي في علم أصول الفقه؛ فما يكون حلالاً بالجزء قد يتحول إلى حرام بالكلّ، وينطبق
ذلك على غالبية ما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي.
وعندما انتهيت من كتابة هذه المقالة، اقتنيت كتاباً للمفكر المغربي «طه عبد الرحمن»، ويبدو أنه من أحدث كتبه، بعنوان «الكتاب والحكمة قرينان لا يفترقان»، تناول فيه موضوع القراءة والكتابة عند حديثه عن الكتاب والقرآن، ورأيت فيه نصاً مناسباً للمقام، يتناول وجوب اقتران القراءة بالتفكر والتمعن، أنقله هنا خاتمةً للمقال، إذ يقول: «الحمد عبارة عن إقامة القِيَم التي تضمّنها الكِتاب، وأن هذه الإقامة ينبغي أن تبتدئ عند القراءة، إذ إن القراءة متى كان القصد منها هذه الإقامة للقِيَم، فضلاً عن الاقتران بالتفكّر، ترقى بالقارئ إلى عالم القِيَم، أي عالم الشعور بالنعم، وبالتالي عالم شهود الكمالات الإلهية»(1).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً