5 اختبارات في عصر الشاشات.. أخلاقيات النشر
أخلاقيات النشر
لم يعد الهاتف
الذكي مجرد جليس يُقتطع من أجله الوقت، بل أضحى بديلًا عن التواصل البشري الدافئ،
وصلة الأرحام، وعيادة الأقارب، ومع هذا التحول، انتقل مركز الثقل الأخلاقي من
المجالس المباشرة إلى المساحات الافتراضية؛ حيث سقط الحياء خلف الشاشات، وتلاشت
الرقابة البشرية، لتصبح «كبسة زر» واحدة كفيلة بنشر الكلمة لآلاف المتابعين في
لحظات.
إن الأخلاق في
الشريعة الإسلامية ليست سلوكًا ظاهريًا يرتبط بوجود الناس، وإنما انعكاس لصدق
الإيمان وخشية الله في الخلوات، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين
إيمانًا أحسنهم خُلُقًا» (رواه الترمذي)، ومن هنا، يتحول التعامل مع الهاتف يوميًا
إلى 5 اختبارات أخلاقية حاسمة:
1- اختبار الشائعات والاندفاع نحو التداول:
شاع في عالم
التواصل ما يمكن تسميته بـ«مرض جمع الإعجابات»، حيث يندفع المستخدم لنشر الأخبار
المثرية دون تثبت، طلباً للتفاعل والانتشار، يُغفل هؤلاء التوجيه القرآني الصريح: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن
جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن
يحدث بكل ما سمع» (رواه مسلم)، والتثبت لا يقف عند حد صحة الخبر، بل يتجاوزه إلى
دراسة مصلحة نشره من عدمه.
2- اختبار حماية الأسرار والأمانات الرقمية:
تمثل الصور
الخاصة، أو الأسرار المسربة، أو المشكلات الأسرية إغراءً شديدًا لهواة الشهرة، غير
أن الشريعة وضعت ضابطًا صارمًا لحفظ المجالس والأسرار؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا
حدَّث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة» (رواه أحمد)، وتحذر الآية الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ
الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ) (النور: 19).
3- اختبار التحكم بالنفس عند الغضب:
تستفز الخلافاتالرقمية الردود السريعة، فيتحول الاختلاف السائغ إلى عداء دائم بسبب تعليق أُرسل
في لحظة انفعال، الحلم والضبط هما ميزان القوة الحقيقية؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ليس
الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه)، إن الكلمة
الغاضبة كالسهم، متى انطلقت اتسعت رقاع الفتنة وانقطعت أسباب الوصل.
4- اختبار التنمر والسخرية الإلكترونية:
سهّلت المنصات
الافتراضية التطاول والسخرية من أشكال الناس وظروفهم تحت رداء المزاح البريء، وقد
جاء النهي القرآني قاطعًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ) (الحجرات: 11)، إن الشاشة لا تعفي صاحبها من تبعات التنمر والإساءة
لخلق الله.
5- اختبار شهوة النشر والظهور:
يدفع حب التواجد
إلى التكلم في كل شأن وإثارة الجدل بلا حاجة، بينما الحكمة النبوية تضبط حركة
اللسان والبنان: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (متفق
عليه)، لقد جمعت سورة «الحجرات» منظومة الآداب الرقمية التي نحتاجها اليوم؛
التثبت، وترك السخرية، واجتناب الظن، والابتعاد عن التجسس والغيبة.
تكمن خطورة
العصر الرقمي في سرعته؛ فبضغطة واحدة تتجاوز كلمتك الآفاق ولا يمكن استرجاعها؛ لذا،
اجعل بين إصبعك أسئلة تفكيك الحيرة: هل الخبر محقق وموثوق؟ وهل في نشره نفع حقيقي
للناس؟ وهل يرضى صاحبه بنشره؟ وهل أستطيع مواجهته به شفاهة؟ وهل تستحق هذه اللحظة
الغاضبة إفساد مودة سنوات؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً