3 أدلة على شفاعة الصاحب الصالح يوم القيامة
يَسعد المسلم في
دنياه وآخرته بالصحبة الصالحة، التي تعينه في الدنيا على طاعة الله، وتشفع له يوم
لقاء الله تعالى، فحين يعلن الأصحاب العداوة في ساحة القيامة بسبب ما أضل بعضهم
بعضاً، يأتي الصاحب الصالح فيفرح بصاحبه ويأخذ بيده إلى الجنة، قال تعالى: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ {67} يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ
الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ {68} الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا
وَكَانُوا مُسْلِمِينَ {69} ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
تُحْبَرُونَ) (الزخرف).
في هذه الآيات
تبشير من الله تعالى لمن صحب المتقين بأنه معهم في نعيم الجنة، ومن معاني كلمة
الأزواج التي وردت في قوله: (ادْخُلُوا
الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ): القرين والصاحب الصالح،
قال الماتريدي: ويحتمل الأزواج التي ذكر: القرناء، والأشكال الذين أعانوا على
الأعمال الصالحة التي بها نالوا الجنة كقوله تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) (الصافات:
22)، فأزواجهم قرناؤهم الذين أعانوهم على ذلك(1)، فمن أعظم نعم
الله على المسلم أن يرزقه صحبة صالحة تعينه على طاعة الله، وتأخذ بيده إلى
الاستقامة على منهجه، وتشفع له يوم لقائه عز وجل.
وقد دلت النصوص
الشرعية على إثبات هذه الشفاعة يوم القيامة كما سيأتي بيانه.
شروط شفاعة المؤمنين يوم القيامة
ليست الشفاعة
يوم القيامة مطلقة لكل أحد، بل لا بد لها من شروط، منها:
1- الإسلام، حيث
لا شفاعة للمشركين، قال تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ
يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (غافر: 18).
2- الرضا الإلهي،
قال تعالى: (وَكَمْ مِنْ
مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ
أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (النجم: 26)، وقال عز
وجل: (وَلَا يَشْفَعُونَ
إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) (الأنبياء: 28).
3- الإذن الإلهي،
قال تعالى: (اللَّهُ لَا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ
إِلَّا بِإِذْنِهِ) (البقرة: 255)، وقال عز وجل: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ
لَهُ) (سبأ: 23).
قال ابن تيمية:
فَغَيْرُ اللَّهِ لَا مَالِكٌ لِشَيْءِ وَلَا شَرِيكٌ فِي شَيْءٍ، وَلَا هُوَ
مُعَاوِنٌ لِلرَّبِّ فِي شَيْءٍ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ لَهُ شَفَاعَةٌ إنْ كَانَ مِنْ
الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَلَكِنْ لَا تَنْفَعُ
الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْذَنَ لِلشَّافِعِ
أَنْ يَشْفَعَ، وَأَنْ يَأْذَنَ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ(2).
1- شفاعة المؤمنين لإخوانهم الذين وقعوا من على الصراط في النار:
في صحيح مسلم
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَال في حديث الشفاعة: «حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ
النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ
مُنَاشَدَةً لِلهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا،
كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ:
أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ،
فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ
وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ
مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ
مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا.
ثُمَّ
يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ
يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ
مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ:
رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ:
ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ
فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ
نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا».
2- شفاعة المؤمنين لإخوانهم بعد أن افتقدوهم في الجنة:
أوضح الله تعالى
بعضاً من حال أهل النار يوم القيامة، فقال على لسانهم: (وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ
{99} فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ {100} وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) (الشعراء)، قال ابن عباس: إن المؤمن يشفع يوم القيامة للمؤمنين
المذنبين، وروى جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل
ليقول في الجنة: ربِّ ما فعل صديقي فلان، وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى:
أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ {100} وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ)(3)».
وكان علي بن أبي
طالب رضي الله عنه يقول: عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة(4)،
وقال مُقَاتِلُ: استكثروا من صداقة المؤمنين فإن المؤمنين يشفعون يوم القيامة(5).
3- الالتقاء في الجنة والارتقاء في درجاتها بسبب شوق الأحبة:
روى البيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن عبدين تحابا في الله عز وجل، واحد في المشرق وآخر في المغرب، لجمع الله بينهما يوم القيامة، يقول: هذا الذي كنت تحبه لي»، وروى البزار، والمنذري عنْ أَنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيَشْتَاقُ الإِخْوَانُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ فَيَسِيرُ سَرِيرُ هذَا إِلى سَرِيرِ هذَا وسَرِيرُ هذَا إِلى سَرِير هذَا حَتَّى يَجْتِمَعَا جَمِيعاً فَيَتكِئُ هَذا وَيَتكِئُ هذَا، فَيَقُولُ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتَعْلَمُ مَتَى غَفَرَ اللهُ لَنَا؟ فَيَقُولُ صَاحِبُهُ: نَعَمْ يَوْمَ كُنَّا في مَوْضِعِ كَذَا وَكذَا فَدَعَوْنَا اللهَ فَغَفَرَ لَنَا».
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً