التكامل هو الحل..
كيف نواجه الهيمنة الصهيوأمريكية وغياب القانون الدولي؟
يستشعر محللون سياسيون عرب قلقاً بالغاً
على العالمين العربي والإسلامي، مع تصاعد الهيمنة الصهيوأمريكية، في الفترة
الأخيرة، وغياب القانون الدولي والمؤسسات الأممية، خاصة مع جريمة اختطاف رئيس
فنزويلا نيكولاس مادورو، وتوابع جرائم الإبادة الصهيوأمريكية في غزة.
وأكدوا، في حديث لـ«المجتمع»، أهمية وجود
تكتل دولي حقيقي لدول منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية والاصطفاف أيضاً
ضمن تحالف دولي مناهض للهيمنة الأمريكية الصهيونية الجديدة، فيما شدد البعض على
ضرورة تقسيم الأدوار والوظائف بين الدول العربية والإسلامية مع تضافر الجهود
بينهما وتفعيل المسار الشعبي.
مقترح بتحالف دولي
في حديثه لـ«المجتمع»، يقول الصادق الرزيقي، رئيس الاتحاد العام للصحفيين السودانيين: نحن نواجه حالة غير مسبوقة تقود إلى نهايات النظام العالمي الحالي، وقيام نظام أحادي القطب متسلط تتحكم فيه الصهيونية العالمية واليمين المسيحي المتشدد، وتهيمن فيه القوى الرأسمالية بروحها المتسلطة بما لا يعطي مجالاً للمجموعات الدولية الأخرى غير أن تكون تابعاً، أو عليها مواجهة القوة الباطشة والاستعمار الجديد.

الصادق الرزيقي
ويضيف أن العالم العربي والإسلامي يواجه
تحديات جساماً لم يألفها في تاريخه الطويل، خاصة أن من وصفهم بـ«قادة الهيمنة
الأمريكية» يصرحون علناً أن الصراع العالمي هو صراع حضاري وديني؛ ويعني أن الإسلام
والمسلمين هم العدو الأول والأوحد في عصر الهيمنة الجديد؛ ما يتوجب على الأمتين
العربية والإسلامية صناعة إرادة جديدة في مواجهة هذه التحديات، فلا القانون الدولي
سيكون عاصماً ولا أي تفاهمات أخرى.
الرزيقي: لا بد من تشكيل تحالف دولي مناهض للهيمنة الأمريكية الصهيونية الجديدة
ويوضح الرزيقي أن الاستعمار الجديد يريد
خضوعاً كاملاً ليس فيه أنصاف حلول، ولذلك لا بد من وجود تكامل حقيقي تتكامل فيه
الإرادات والقدرات والموارد والشعوب وبناء منظومات سياسية ودفاعية وشعبية لمواجهة
هذه الأخطار المحدقة خاصة مع وجود 80% من ثروات العالم في المنطقة العربية والإسلامية.
وأشار إلى أن الأطماع في هذه الثروات هي
التي تحرك القوى الصهيونية الأمريكية بجانب العمل على تحقيق الأهداف الإستراتيجية
للسيطرة على المنطقة، وإنهاء دور الأمة عبر تمزيق البلدان وتغيير الجغرافيا
السياسية.
ويدعو الرزيقي إلى صحوة الأمة وزيادة
الوعي بهذه التحولات الدولية الكبرى، مؤكدًا أن دور الأنظمة والحكومات سيكون مهماً
جداً في عملية التصدي، خاصة إذا وعت الأنظمة الحاكمة الدروس وانحازت لتاريخ أمتها
وحضارتها وهويتها.
فيما يشدد على أنه لا بد من وجود تكتل دولي حقيقي لدول منظمة التعاون الإسلامي، والجامعة العربية والاصطفاف أيضاً ضمن تحالف دولي مناهض للهيمنة الأمريكية الصهيونية الجديدة، ويجب أن يقوم التكامل والتكتل على أهداف إستراتيجية واضحة تجعل من التصدي في مختلف ميادين المواجهة قائماً على أسس واضحة وإرادة حقيقية.
من جانبه، يرى المحلل السياسي اللبناني
علي يحيى، في حديثه لـ«المجتمع»، أن العالم يحيا طور السيولة الإستراتيجية وتآكل
النظام الدولي الذي بدأ بنيوياً على وقع الانهيار المالي في عام 2008م، وتأطر
عسكرياً في حرب أوكرانيا ثم تسارعت ارتداداته منذ «طوفان الأقصى» وحرب إسناد محور
المقاومة واستهداف «حزب الله» وتطورات ما حدث في دمشق؛ ما دفع إلى إخراج الوحش «الإسرائيلي»
الأمريكي الإنجليزي من طوره فخطف مادورو وسطا على فنزويلا وهدد بضم جرينلاند وضرب إيران.
يحيي: أدعو إلى إنشاء شبكة أمن إقليمي تبدأ بمصر وإيران والسعودية وتركيا والعراق وتكثيف الشراكات الدولية
ودخل في مرحلة تهشم الضوابط بما جعل
العالم في مرحلة شبيهة بعصر «مؤتمر برلين» القائمة على مبدأ القوة تصنع الحق، وهذا
ما دفع الرئيس الفرنسي للتحذير من فتح صندوق «باندورا»!

علي يحيى
من هذا المنظار، يشدد يحيي على أهمية بدء
إدارة الدول العربية والإسلامية الصراع بدل إنكاره، وإطلاق مرحلة التكيف الصدامي
مع الواقع القائم وسياسة المبادرة، مشيراً إلى أن عدم المبادرة وملء الفراغ سيتيح
الفراغ للآخرين؛ ما يتطلب الاستفادة أولاً من الوحدة السياسية والمجتمعية
والعاطفية التي أنتجتها معركة «طوفان الأقصى» التي أنتجت عصبية يمكن الاستفادة
منها.
ويدعو إلى بناء قدرات ردع غير تقليدية
متناسبة للحروب الهجينة والمركبة، واحتواء الجماعات اللادولتية والاستفادة منها
كعامل قوة لمسناه في باب المندب والضفة الشرقية للمتوسط، وهذا ما بدأت تقوم به مصر
على سبيل المثال، كما يقول، مع إنشاء شبكة أمن إقليمي تكون ركيزتها الأساسية مصر
وإيران والسعودية وتركيا العراق، بسبب فشل الأمن المستورد في حماية دول المنطقة،
بجانب الاستمرار في تكثيف الشراكات الدولية (الصين، روسيا، أوروبا، والجنوب
العالمي).
ومن هنا، يصير التكامل العربي-الإسلامي
حيوياً لا ترفاً، كما يشدد يحيي، من أجل تنسيق سياسي موحد في القضايا الكبرى
(فلسطين، العقوبات، السيادة)، وصنع شبكات اقتصادية بديلة (تجارة، طاقة، استثمار)،
وصناعة موقف شعبي عابر للحدود يفرض كلفة أخلاقية وسياسية على الخصوم.
البناء على التوافق وتضافر الجهود
ومن قراءة يصفها بـ«الواقعية»، ينطلق
الكاتب والمحلل السياسي الأردني د. منذر الحوارات، مؤكداً، في حديثه لـ«المجتمع»،
أن أي مقاربة جادة للموقف العربي والإسلامي يجب أن تنطلق من فهم أن القرار العربي
والإسلامي ليس واحداً، بل موزعاً بين دول تختلف في أولوياتها الأمنية والاقتصادية
وتحالفاتها الدولية، داعياً إلى بناء ما وصفه بـ«الحد الأدنى الفعال» بين هذه
الدول في زمن باتت الازدواجية في تطبيق القانون الدولي آلية عمل قائمة وليست
استثناء، وهو ما ظهر، كما يقول، في تعطيل «الفيتو» الأمريكي لقرارات مجلس الأمن
المتعلقة بغزة، في تأكيد أن القانون الدولي يُدار بمنطق القوة لا العدالة.
ويوضح أن التباين جلي في العديد من
المواقف مثل التعامل مع إيران وتركيا و«إسرائيل» والولايات المتحدة، حيث تتعدد
الرؤى بين من يعتبر هذه الأطراف شركاء أو أعداء أو أطرافاً يمكن التعامل معها وفق
مصالح مؤقتة.
الحوارات: تضافر الجهود وتقسيم الأدوار والوظائف مصادر للقوة المؤثرة رغم التشتت
وأشار الحوارات إلى أن هذا الأمر يمتد
داخل منظومة القرار في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، فيما يؤكد أن
المطلوب ليس إلغاء التباين، بل إدارة الخلاف بعقلية إستراتيجية واقعية، من خلال
بناء تكامل وظيفي واضح بين دول جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي،
وتحويل هذه المؤسسات من منصات لإصدار البيانات إلى أدوات تأثير حاسم.

د. منذر الحوارات
ويدعو إلى التركيز على ملفات غير خلافية
مثل منع تصفية القضية الفلسطينية، ورفض التهجير، وحماية حق الوجود الفلسطيني، ورفض
إلغاء غزة، وحماية الضفة الغربية من الانهيار التدريجي، وتثبيت مسارات الإغاثة
وإعادة الإعمار، مع إدارة القضايا الخلافية بآليات تمنع تفجير الخلاف بين الدول أو
داخل المؤسسات، من خلال قنوات خلفية أو عبر إشراك الخبراء والتكنوقراط.
ويؤكد الحوارات أن تضافر الجهود، حتى في
ظل التشتت، يمكن أن يتحول إلى قوة مؤثرة إذا أُحسن تنظيمه وتوجيهه، لافتاً إلى أن
العامل الشعبي يظل عنصراً مهماً، لكنه في الواقع العربي والإسلامي يتسم بطابع
انفعالي، يرتفع سريعاً ويخفت بسرعة، دون أن يتحول إلى قوة ضغط مستدامة.
ويشدد على نقل الحراك الشعبي من الانفعال
إلى التنظيم، من خلال بناء شبكات ضغط ممنهجة تضم النقابات والجامعات والجاليات في
الخارج، والعمل على رفع قضايا قانونية، وصياغة رواية سياسية وإعلامية عقلانية يصعب
شيطنتها أو وسمها بالإرهاب، بما يسهم في زيادة الكلفة السياسية والأخلاقية على
«إسرائيل» والولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يدعو الحوارات إلى إعادة
تعريف مفهوم التكامل العربي والإسلامي بوصفه آلية لتقسيم الأدوار والوظائف، بدل
السعي لقرار جامع، بحيث تتولى كل دولة أو مجموعة دول ملفات محددة وفق قدراتها، بما
يشمل التنسيق القانوني، والتحرك القضائي، والتمويل الاقتصادي، مع ضرورة الاعتراف
بتعدد المقاربات العربية الرسمية القائمة، حول التعامل مع «إسرائيل»، من تطبيع
وتنسيق أمني واتفاقات سلام، وسلام بارد، ما يستوجب دعوة الدول العربية التي تربطها
علاقات مع الاحتلال لتخليق أدوات ضغط من داخل هذه العلاقات، من خلال فرض شروط اقتصادية،
واتخاذ مواقف علنية ذات طابع محدد، وربط مستوى التعاون بسلوك «إسرائيلي» واضح، بدل
الاكتفاء بإدارة العلاقة دون توظيفها سياسياً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً