...

الطعام الحقيقي والفطرة.. توافق الإرشادات العالمية مع هدي الإسلام

في ظل الارتفاع الملحوظ في معدلات السمنة والأمراض المزمنة، جاءت الإرشادات الغذائية الجديدة للفترة من عام 2025 إلى 2030م برؤية مختلفة وشعار بسيط، لكنه عميق الدلالة؛ «تناول الطعام الحقيقي»، وهو في جوهره لا يبتعد عن المعنى الأصيل الذي أرشدنا إليه ديننا الحنيف، حين قال الله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) (البقرة: 172).

فما تُقدّمه هذه الإرشادات ليس فكرة مستحدثة، بقدر ما هو دعوة للعودة إلى الفطرة السليمة التي فطر الله الإنسان عليها، حيث كان الطعام بسيطًا، ونقيًا، وقريبًا من صورته الطبيعية، غير أن تدخل الإنسان المفرط، والتلاعب المتزايد في مكونات الغذاء وتصنيعه، أدّيا إلى تشويه هذه الفطرة وإفراغ الطعام من كثير من فوائده، فكلما زادت درجة المعالجة والتصنيع؛ ابتعد الطعام عن طبيعته، وتراجعت قيمته الصحية، وازدادت آثاره السلبية على الجسد والإنسان.

وبالتأمل العميق، نجد أن هذا المفهوم لا يخرج عن النهج الذي عاش عليه نبينا صلى الله عليه وسلم في طعامه، ولا عمّا دعا إليه القرآن الكريم من الاعتدال، والطيب، والبعد عن الإسراف، وهو ما يؤكد أن العودة إلى الغذاء الفطري ليست مجرد توجه صحي حديث، بل هي منهج متكامل سبق إليه الإسلام منذ قرون.

الإرشادات الغذائية الجديدة

أولاً: البروتينات:

ومن ضمن هذه التوصيات، التأكيد على إعطاء الأولوية للبروتينات عالية الجودة في كل وجبة، مثل البيض، والدواجن، والمأكولات البحرية، واللحوم الحمراء، إلى جانب المصادر النباتية كالبقوليات والمكسرات، لما لها من دور مهم في بناء الجسم ودعم الصحة العامة.

ومع ذلك، من الضروري الحذر من الإفراط في تناول البروتين، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من مشكلات في الكلى أو من أمراض الكلى الوراثية، حيث قد يؤدي الاستهلاك الزائد إلى آثار صحية غير مرغوبة.

كما أن الاعتدال في تناول البروتين يظل الخيار الأفضل، ليس فقط من الناحية الصحية، بل أيضًا من الناحية الاقتصادية، إذ قد يكون من الصعب الاستمرار على أنظمة غذائية مرتفعة البروتين لفترات طويلة.

ويؤكد هذا المعنى ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا إلى عدم امتلاء المعدة، والاكتفاء بثلث للطعام وثلث للشراب وترك الثلث الأخير فارغًا.

ثانياً: الألبان كاملة الدسم:

جاءت التوصيات الغذائية الحديثة لتؤكد أهمية تناول الألبان كاملة الدسم دون سكريات مضافة، باعتبارها مصدرًا غنيًا بالدهون الصحية والفيتامينات الضرورية لصحة الجسم، بعد سنوات من الترويج للمنتجات منزوعة الدسم.

ومن منظور إسلامي، يحتل اللبن مكانة خاصة، إذ يُعد غذاءً متكاملًا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن»، وهو ما أثبته العلم الحديث، حيث يحتوي اللبن على عناصر غذائية متعددة، ويُعد غذاءً أساسيًا للمواليد، وغذاءً مكمّلًا للكبار، خاصة لاحتوائه على الكالسيوم المهم لصحة العظام.

كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالتداوي بألبان البقر، لما لها من فوائد صحية، وهو ما تؤكده الدراسات الحديثة التي تشير إلى دور الحليب في دعم المناعة، والمساهمة في الوقاية من بعض الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب، بل وحتى الاضطرابات العصبية المرتبطة بالتقدم في العمر.

ويكفي اللبن مكانةً وفضلًا أن الله تعالى ذكره في كتابه الكريم ضمن نعيم الجنة، فقال سبحانه عن أنهار الجنة: (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) (محمد: 15)، وهو ما يدل على عظيم قدره وبركته.

ثالثاً: الخضراوات والفواكه:

توصي الإرشادات الغذائية بتناول مجموعة متنوعة من الخضراوات والفواكه الكاملة والملونة، لما تحتويه من فيتامينات ومعادن وألياف تساعد على تقوية المناعة وتحسين الهضم، وتدعم الصحة العامة للجسم.

رابعاً: الدهون الصحية:

كما تؤكد التوصيات أهمية الاعتماد على الدهون الصحية الطبيعية، مثل زيت الزيتون، والأفوكادو، والزبدة الطبيعية، ودهون الأبقار، بدلًا من الزيوت الصناعية والمُهدرجة، لما لها من دور مهم في دعم وظائف الجسم والحفاظ على توازن الهرمونات.

خامساً: الحبوب الكاملة:

وتشدد الإرشادات على ضرورة إعطاء الأولوية للحبوب الكاملة الغنية بالألياف، مع التقليل قدر الإمكان من الكربوهيدرات المكررة، لما لها من تأثير سلبي على مستويات السكر في الدم والصحة العامة.

توصيات صارمة للحد من الأخطار الغذائية

تعتمد الإرشادات الجديدة نهجًا حازمًا في التعامل مع العوامل التي تضر بالصحة العامة، وتدعو إلى الالتزام بما يلي:

أولًا: تجنّب الأطعمة فائقة المعالجة:

يُنصح بالامتناع عن تناول الأطعمة المعلبة والوجبات الجاهزة والمغلفة، لما تحتويه من نسب مرتفعة من الصوديوم (الأملاح) والسكريات المضافة، التي تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

ثانيًا: تقليل السكريات والمحليات الصناعية:

تؤكد الإرشادات أنه لا توجد كمية آمنة أو موصى بها من السكريات المضافة أو المحليات الصناعية ضمن النظام الغذائي الصحي، ومع ذلك، يجب ألا يتجاوز مقدار السكر المضاف في الوجبة الواحدة 10 غرامات كحد أقصى.

ثالثًا: الحد من المضافات الكيميائية:

توصي التوجيهات بتقليل استهلاك الأطعمة والمشروبات التي تحتوي على نكهات صناعية، أو أصباغ مشتقة من البترول، أو مواد حافظة كيميائية، واستبدالها الأطعمة الطبيعية والمحضّرة منزليًا قدر الإمكان بها.

رابعًا: الامتناع عن المشروبات المحلاة:

يجب تجنّب المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة وغيرها من المشروبات المحلاة بالسكر، والاعتماد بدلًا منها على الماء (العادي أو الفوّار) بوصفه الخيار الأفضل لترطيب الجسم بطريقة صحية.

العادات الغذائية وتوصيات النبي

مع تغيّر أسلوب حياتنا، تغيّر تعاملنا مع الطعام، لم يعد الأكل حاجة أساسية نلبي بها احتياجات أجسامنا، بل أصبح في كثير من الأحيان وسيلة للهروب من الملل، أو للتسلية، أو لتناول شيء سريع دون تفكير، وفي المقابل، صار البعض يتعامل مع الطعام وكأنه عبء، فيعيش تحت ضغط دائم من الحميات الغذائية الصارمة التي لا تنتهي.

وهكذا يدخل الإنسان في صراع مستمر مع جسده، بين الإفراط في الأكل تارة، والحرمان الشديد تارة أخرى، وهو ما يؤدي مع الوقت إلى مشكلات صحية مثل السمنة، واضطرابات الأكل، وبدلًا من الوعي والاعتدال اللذين يدعونا إليهما ديننا، انجرفنا نحو الأكل دون وعي، مدفوعين بثقافة الوجبات السريعة التي أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية.

فمن الحكمة أن يحرص المؤمن على اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شؤون حياته، لما في ذلك من خير وبركة ونفع للجسد والروح معًا، ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في طعامه، وجد فيها نموذجًا واضحًا للاعتدال والبساطة.

الاعتدال في الطعام

يدعو الإسلام إلى الاعتدال في كل شيء، ومن ذلك الطعام والشراب، لما له من أثر مباشر في صحة الإنسان وتوازنه، وقد قال الله تعالى: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31)، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بعدم امتلاء المعدة، موضحًا أن يترك الإنسان ثلث بطنه للطعام، وثلثًا للشراب، وثلثًا للتنفس، وهو توجيه يعكس فهمًا عميقًا لصحة الجسد وراحته.

الغذاء المتوازن

ورغم أن مفهوم التغذية المتوازنة يُعد من أهم توصيات خبراء التغذية اليوم، فإن هذا المبدأ كان حاضرًا بوضوح في حياة النبي صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من 14 قرنًا، فقد كان طعامه بسيطًا وخفيفًا، يعتمد في الغالب على التمر، والتين، والعنب، والحليب، والعسل، وزيت الزيتون، والخل، والبطيخ، والشعير، واليقطين، والكوسا، وما تيسر من الخضراوات، مع تناول اللحوم في أوقات قليلة، ومن اللافت أن هذه الأطعمة، على بساطتها، تمثل تنوعًا غذائيًا متكاملًا، وتضم عناصر أساسية تؤكدها الدراسات العلمية الحديثة.

إن اتباع سنن النبي صلى الله عليه وسلم وتعاليم القرآن الكريم أساس صحتنا وسبيل سلامتنا، إذ لم يرد فيهما شيء عبثًا، بل جاءت كل التوجيهات بحكمة ورحمة للإنسان.

اقرأ أيضاً:

الهوامش
  • 1 https://www.fns.usda.gov/cnpp/dietary-guidelines-americans
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة