أصول التزكية والسلوك.. ضرورات الرحمة والعدل والإحسان

أصول التزكية والسلوك.. ضرورات الرحمة والعدل والإحسان

أصبح من الشهرة والمعلوم بمكان أمر الضرورات الخمس التي اعتبرتها كل الشرائع، وقد أشار لها العلماء، وبينوا وجه اعتبارها كذلك، قال الشاطبي: هذه الشريعة المعصومة ليست تكاليفها موضوعة حيثما اتفق لمجرد إدخال الناس تحت سلطة الدين، بل وضعت لتحقيق مقاصد الشارع في قيام مصالحهم في الدين والدنيا معاً، وروعي في كل حكم منها: إما حفظ شيء من الضروريات الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، التي هي أسس العمران المرعية في كل ملة، والتي لولاها لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، ولفاتت النجاة في الآخرة.

ورعاية تلك الضرورات والتأكيد عليها يدخل باب أصول الفقه، ومن ثم فهي تؤول حتماً للفقه كمسلك تشريعي يجب مراعاته في الفعل والإخلال.

كتابات على الطريق

لقد شغل موضوع تهذيب النفوس وتزكيتها اهتماماً كبيراً من العلماء قديماً، وجلهم كان يرى التربية هي الأساس، ورقابة الضمير هي الأهم، ورعاية الدين في خاصة النفس هي الغاية.

وكان الأمر في جيل السلف الأولين يقوم على القليل من القول والكثير من الفعل، فكان نموذجهم السلوكي الأساس في ضبط مسار التزكية، وحين توسعت الدولة، وبدأت مظاهر الترف تدب في أوصالها، نجدهم ينقلون عن حاتم الأصم تلك الحكاية: لما صار إلى المدينة الشريفة، قال: يا قوم، أي مدينة هذه؟ قالوا: مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: فأين قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: ما كان له قصر، إنما كان له بيت لاطي. (منخفض ليس كالقصور).

قال: فقصور أهله وأزواجه وأصحابه بعده؟ قالوا: ما لهم إلا بيوت لاطية.

فقال حاتم: يا قوم، هذه مدينة فرعون، فذهبوا به إلى الوالي، فقالوا: هذا يقول: هذه مدينة فرعون.

فقال له الوالي: لم قلت ذلك؟! فقال له: أيها الأمير، أنا رجل غريب، دخلت هذه المدينة، فسألت: أي مدينة هذه؟ فقالوا: مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فسألت عن قصره، وقصور أهله وأزواجه وأصحابه بعده؟ فقالوا: ما كان لهم إلا بيوت لاطية، وسمعت الله تعالى يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21)، فأنتم بمن تأسيتم؛ برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بأصحابه، أو بفرعون أول من بنى بالجص والآجر؟

الضرورات الكبرى المطلوبة

حين لحظ الغزالي جفاف درس الفقه ومؤلفاته، ونفور الناس منه، أخرج كتابه «إحياء علوم الدين»؛ ليجعل من الفقه والسلوك قرينين، ويضفي على الدرس الفقهي شيئاً من اللين في القول والتشويق للفعل.

حيث تطوي كتب الفقه صفحة تلو صفحة لا تجد حديثاً عن الخشوع وأكل الحلال، وحين عرض الغزالي للصلاة، ذكر 7 أبواب أولها: في فضائل الصلاة، وهو ما لا تجد له ذكراً في كتب الفقه إلا نادراً.

وعلى ذات المسار، كتب العقيدة كما نبه لذلك الشيخ الغزالي رحمه الله.

من هنا نقول: إن الأصوليين إذ قالوا بخمس ضرورات وأشاروا لكونها معتبرة في كل ملة، وتمثل الكليات التي ترعى مصالح العباد وتحفظ نظام حياتهم، وهي أساس العمران الإنساني، فضرورات السلوك على ذات المسار؛ لأن بها قيام الممارسة الحقيقية لعملية التشرع والتدين.

الضرورات بين سلطتين

رافق الضرورات الخمس حدود تحفظ بقاءها، فحفظ الدين حفظ بحد الردة، وحفظت النفوس بالقصاص، وحفظت العقول بحد الخمر، وحفظ النسل والعرض أيهما كان، بحد الزنى، وحفظت الأموال بحد السرقة والحرابة.

إلا أن مساق سلطة الضمير هي الحارس الأهم لنظام المجتمع.

فالضمير الحي أقوى كوابح النفوس المستقيمة، وما القصاص إلا آخر المراحل التي تكون في حياة الإنسان، والغالب أن الإنسان لا يرتكب في حياته إلا عدداً محدوداً من الجرائم، وهي التي رغم قلتها تملأ باحات المحاكم ومخافر الشرطة.

من هنا كانت الحاجة إلى ضرورات في السلوك كضرورات المقاصد على السواء، ليُحفظ المجتمع بسلطة الوازع القيمي في قلوب أفراده.

الضرورات المقترحة

لم يهتم علماء السلوك بوضع ضرورات كبرى كأصول للسلوك، لكنهم قد تكلموا عن أمهات الفضائل.

فابن مسكويه يقول: أجمع الحكماء على أن أجناس الفضائل أربعة: الحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة، وأضداد هذه الفضائل الأربع، أربع أيضاً، وهي: الجهل، والشره، والجبن، والجور.

وابن مسكويه اجتر كلامه مما لأفلاطون، وأرسطو، وتبعه أبو حامد الغزالي في «معارج النفس»، وابن العربي المالكي في «قانون التأويل»، حيث يرى الغزالي أنها: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة.

وقد انتقل الغزالي في تفصيله من المنحى الفلسفي الخالص، الواضح عند ابن مسكويه، إلى تفسير يلقي بالفضائل في سياق شرعي، وكذا فعل تلميذه ابن العربي، وجعلها كأنها أصول شرعية معتبرة منبه عليها.

ويتفق ابن حزم مع ابن مسكويه في واحدة من الفضائل الكبرى ويقترب من الثانية فيراها: العدل، والفهم، والنجدة، والجود.

ونجد ابن القيم يقترب من قول ابن مسكويه فيرى أصول الفضائل: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل. فاستبدل الصبر بالحكمة.

الرحمة في سياق الضرورة

وتعد ضرورة الرحمة ضرورة الضرورات في العملية السلوكية، وهي التي وصف الله بها نفسه في مستهل كتابه، وجعلها الرسول صلى الله عليه وسلم جزاء لمن بذلها كما في الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن».

ينبغي أن يتم طرح الرحمة كضرورة مجتمعية وسلوكية ضمن نظم التعليم والتربية والثقافة وطروحات الفن والإعلام، فالرحمة كضرورة سلوكية وضرورة للتزكية ترفع قسماً هائلاً من تغول الجريمة في أطناب المجتمع، وتحول دون استلاب أموال لا حصر لها، وتستبقي نفوساً ربما تشارف على المقصلة.

وقد ضمن الكلام عليها الهروي «منازله» حين قال في منزلة الشفقة: إشفاق يصون سعيه من العجب، ويكف صاحبه عن مخاصمة الخلق، ويحمل المريد على حفظ الحد.

العدل على ذات المسار

الضرورة الثانية هي ضرورة العدل، وهي ضرورة أخلاقية مجمع عليها، فبها يحفظ النظام القيمي كما يحفظ القانون النظام الاجتماعي، وهي الميزان الذي تُوزن به الرحمة حتى لا تنقلب إلى ضعف، ويُقام بها الحق دون جور، يأتي العدل في شعب ثلاث: الفكر، القول، العمل.

والسالك العادل لا يتعثر في طريق السلوك قط، والعدل به استقامة المجتمعات حتى ولو خلت من الشرائع بالكلية، فقد حُكي أن الإسكندر قال لحكماء الهند، وقد رأى قلة الشرائع بها: لم صارت سنن بلادكم قليلة؟ قالوا: لإعطائنا الحق من أنفسنا، ولعدل ملوكنا فينا، فقال لهم: أيما أفضل؛ العدل أو الشجاعة؟ قالوا: إذا استُعمل العدل أغنى عن الشجاعة.

الإحسان كضرورة سلوكية

الإحسان غاية السلوك وأكمل مراتبه؛ لأنه يربط الأخلاق بالإيمان، ويحوّل الفعل من أداءٍ إلزامي إلى عبادةٍ اختيارية.

تنضم قيمة الإحسان لقيمتي الرحمة والعدل كضرورة لازمة للفرد في المجتمع، وللمجتمع ككل، فالإحسان هو أعظم ما يصل به السالك، وأفضل ما يتعايش به بين الخلق.

ولو تصورنا قيمة الإحسان في معاملات الإنسان كافة بينه وبين الله، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس لوجدنا نموذجاً فذاً للإنسان الصالح الذي تسعى التربية الإسلامية لإخراجه، حيث تعزز فيه قيمة المراقبة، وقيمة الإيمان بالغيب، وهما من أهم عوامل الاستقامة النفسية والمجتمعية.

إن ما نراه أصولاً للتزكية يحتاج إلى تربية طويلة الأمد في كافة المؤسسات، لكننا اليوم نؤكد دور الأسرة في غرس تلك القيم السلوكية، فالرحمة تمنع تحول الإنسان إلى آلة جافة لا تعرف إلا القوة والمنفعة، وتُصان  بها مشاعر الضعفاء، وبغياب العدل تنشأ الفتن، وتُظلم القلوب، وتضيع الثقة في الدين والمجتمع، وإذا غاب الإحسان، ساد التبلّد، وضعف الإتقان، وفقد الناس جمال السلوك وروح العبادة، فنحن أمام مشروع لعمارة الدارين على السواء.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة