الاحتلال يضاعف القيود للسيطرة على «الأقصى» قبل رمضان

مع اقتراب شهر رمضان، تلجأ سلطات الاحتلال لمزيد من القيود ضد المصلين وأهالي الضفة والقدس، لكن هذه القيود واكبها هذا العام والعام السابق تحركات صهيونية لتغيير الوضع في القدس ككل والحرم القدسي بصفة خاصة سعيًا وراء فرض أمر واقع، وبسط السيادة «الإسرائيلية» على المسجد الأقصى.

وقبل شهر رمضان لعام 2026م، اتخذت سلطات الاحتلال سلسلة من الإجراءات التي تُفسَّر لدى الفلسطينيين والمراقبين الدوليين باعتبارها خطوات تعزز السيطرة على المسجد الأقصى وتقييد وصول الفلسطينيين إليه، وأبرز مما فعلته في أعوام سابقة.

قيود واسعة

فقد فرض قيوداً واسعة على دخول المصلين لـ«الأقصى» من الضفة الغربية، ومنع الاعتكاف ومظاهر دينية مرتبطة برمضان، وتعزيز الوجود الأمني، وبالمقابل تسهيل اقتحام المستوطنين تحت حماية أمنية، لفرض واقع تقسيم الصلاة داخل الحرم القدسي بين المسلمين واليهود، كما فعلوا في الحرم الإبراهيمي بالخليل.

أما الهدف الأكبر والحقيقي من وراء هذه السياسات فهو نزع السيادة عن المسجد الأقصى، وتثبيت السيادة لليهود، وهو أمر يأتي ضمن محاربة كل الرموز الوطنية والدينية الفلسطينية، بحيث يريدون أن يكون المسجد الأقصى مثله مثل «تل أبيب» يفرضون السيادة عليه ويتحكمون فيه بهدف فرض صلاة اليهود داخله مستقبلًا.

وتفرض سلطات الاحتلال نظام تصاريح معقداً للسماح فقط بدخول عدد محدود من الفلسطينيين من الضفة الغربية لأداء الصلاة، مع ضرورة الحصول على تصاريح أمنية؛ ما قلص أعداد المصلين بشكل كبير مقارنة بالأعوام السابقة.

وقد بدأ الاحتلال يسمح بزيادة اقتحامات المستوطنين «الإسرائيليين» لحرم «الأقصى» خلال رمضان، مع أنها كانت ممنوعة في سنوات سابقة، وهذه المرة يكون اليهود مقتحمو «الأقصى» مدعومين بحماية قوات الأمن «الإسرائيلية».

زيادة سيطرة

ومع اقتراب شهر رمضان، اتخذ وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير إجراءات جديدة تهدف إلى زيادة السيطرة على المسجد الأقصى، خلال رمضان، منها إقالة قائد شرطة مدينة القدس أمير أرزاني؛ لأنه كان يرفض خططه لاقتحام الحرم القدسي خشية اضطرابات، وعيَّن مسؤول شرطة متطرفاً جديدًا بدلًا منه من أجل تنفيذ مخططاته.

وقد حذر رئيس الهيئة المقدسية للدفاع عن المقدسات رئيس مركز القدس الدولي حسن خاطر، في تصريحات صحفية، من أن هناك غياباً دولياً واضحاً عما يجري في القدس، وهذا الغياب يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر لمواصلة التهويد، والمسّ بقدسية المسجد الأقصى، وفرض وقائع جديدة على الأرض دون أي رادع.

وأوضح أنه بسبب انشغال العالم بما يجرى في قطاع غزة، فقَدَ المسجد الأقصى هيبته، ومكانته، وقدسيته، وأصبح مجرد ساحة يتنافس فيها هؤلاء المتطرفون اليهود بكل ما يخطر على بالهم من شعارات، وهتافات، وممارسات، مستغلين الأوضاع الدولية.

ويقول الباحث في شؤون «الأقصى» زياد ابحيص: إن هناك الكثير الذي تغير في «الأقصى» خلال حرب الإبادة، والمسجد تحول إلى ساحة لمعركة تصفية شاملة لهويته.

فقد بدأ الاحتلال، منذ 16 سبتمبر 2023م، في موسم الأعياد التوراتية الطويل حينها، سياسة حصار للمسجد الأقصى بحيث أصبحت تغلقه أمام المصلين من غير موظفي الأوقاف أو كبار السن من سكان البلدة القديمة من صلاة العشاء ليلاً مروراً بصلاة الفجر وحتى صلاة العصر من اليوم التالي.

وكان الهدف من هذه السياسة تمكين المقتحمين الصهاينة من الاستفراد بالمسجد الأقصى على مدى 22 يوماً من العدوان، وإغلاق الإمكانية أمام الاعتكاف أو أمام حضور المرابطين صباحاً.

وحين جاءت عملية «طوفان الأقصى»، في 7 أكتوبر 2023م، واصل الاحتلال حصار المسجد على مدى أسابيع، ومنع دخول المصلين حتى إن عددهم كان لا يكمل صفاً واحداً في الجامع القبلي، ولم يصل عدد المصلين في صلاة الجمعة إلى 5 آلاف طوال 10 أسابيع بعد بدء حرب الإبادة، إلى أن خُففت تلك القيود في رمضان فقط، وبالذات في ليلة السابع والعشرين منه.

وعلى مدى عامي 2024 و2025م، استمرت هذه السياسة مع تخفيف القيود نسبياً، وتوظيف بعض المناسبات وبالذات الجمعة الأخيرة لرمضان وليلة السابع والعشرين منه، للتمويه على حقيقة الحصار الدائم والمستمر للمسجد الأقصى حتى اليوم.

كنيس غير معلن

وقد شهد عدوان رأس السنة العبرية من يوم 23 حتى 25 سبتمبر 2025م، تطورات خطيرة من المستوطنين وجيش وشرطة الاحتلال الذين حولوا شرق المسجد الأقصى إلى كنيس غير معلن داخل ساحة الحرم القدسي، ينفخون فيه البوق ويصلون ويقيمون طقوسهم التوراتية بدون أي تدخل.

وضمن وقائع التقسيم وفرض تقسيم زماني ومكاني، فرض الاحتلال خلال حرب الإبادة مزيداً من التمديد لساعات الاقتحام لليهود، حتى وصلت إلى 6 ساعات وربع ساعة يومياً، بعد أن كانت 3 ساعات عند بدء فرضها في عام 2008م.

وكرس استفراد المقتحمين بالساحة الشرقية لـ«الأقصى» حتى باتت وكأنها الكنيس غير المعلن داخل المسجد، وحظر وجود المصلين في طريق المقتحمين نهائياً خلال عام 2024م، ومنح المقتحمين الصهاينة الحرية المطلقة وكأنهم أصحاب المسجد خلال اقتحامهم، وحصر أصحاب المسجد الأصليين في داخل الجامع القبلي أو في الجزء الداخلي من صحن الصخرة.

كما منع الحراس التابعين للأوقاف الأردنية من الالتحاق بنقاط الخدمة المكشوفة في طريق المقتحمين، وفرض دخولهم داخل المباني والقباب والخلوات في حال كانت حراستهم في محيطها.

وكان نفخ البوق محاولة تكريس لهوية طُقوسية توراتية موازية للهوية الإسلامية في المسجد، لكن الجديد هذا العام أن أياً من حراس المسجد أو المصلين أو من أهل «الأقصى» تمكن من رصد ما يجري بمنع الاحتلال لهم والتعتيم على العدوان الصهيوني على المسجد الأقصى خصوصاً في الساحة الشرقية التي بات الاحتلال يتعامل معها وكأنها كنيس غير معلن في المسجد الأقصى.

وتسعى منظمات «الهيكل» كل عام إلى كسر الرقم القياسي للمقتحمين لساحة «الأقصى» في مناسبات الأعياد اليهودية؛ بهدف التمهيد لإقامة «الهيكل» المزعوم من خلال حشد أكبر رقم من المقتحمين، وكان آخر رقم قياسي أكثر من 3 ألاف في أغسطس 2025م.

أيضاً بدأ الاحتلال في فرض مزيد من الحصار والعسكرة للمسجد الأقصى، مثل إقامة سياجٍ شائك فوق سور المسجد بالنقاط التي كان يمكن الدخول لـ«الأقصى» من فوقها في أوقات الازدحام أو عبر المنازل.

وكان التغيير الأخطر خلال رمضان 2024م نشر دوريات لشرطة الاحتلال تتجول بالسلاح خلال الصلاة، ما أخل بالمعادلة الأساسية التي تكرست في المسجد بعد احتلاله عام 1967م، وفكرة الوضع القائم أو الراهن.

وهذا بخلاف مطالبة المصلين بإبراز هوياتهم، وتفتيش وجبات الصائمين، وقطع الدروس واستجواب الشيوخ والوعاظ في منتصف دروسهم، وتحجيم دور الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن واختزاله في مجرد إدارة للحضور الإسلامي ضمن ما يسمح به الاحتلال من قيود وأوقات، بعد أن كانت تدير «الأقصى» بكامل شؤونه على مدى عقود من بعد الاحتلال.

وفرض وزير الأمن الصهيوني المتطرف بن غفير تمكين المقتحمين اليهود من أداء طقوسهم التوراتية العلنية الجماعية في المسجد، وقاد ذلك بنفسه عدة مرات، بما يشمل الغناء والتصفيق والرقص الجماعي داخل «الأقصى»، بما يخالف تمامًا الوضع الراهن المتفق عليه عقب احتلال القدس عام 1967م؛ لفرض هوية يهودية موازية للهوية الإسلامية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة