العفة المالية في الهجرة النبوية.. 5 مواقف في النزاهة والأمانة

العفة المالية في الهجرة النبوية.. 5 مواقف في النزاهة والأمانة

العفة هي الامتناع عمَّا لا يحلُّ ولا يليق واجتناب سيِّئ القول والفعل، والعفة المالية هي أداء الحقوق والأمانات، وكفُّ النفس عما لا يحل من أموال الناس، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في صيانة الحقوق والترفع عن أموال الناس، والبعد عن جميع صور الاستغلال أو الاعتداء المالي، ويتبين ذلك فيما يأتي:

1- ردّ الأمانات إلى أهلها:

قال ابن إسحاق: أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة، حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌الودائع، ‌التي ‌كانت ‌عنده ‌للناس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده؛ لما يعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم.

وقد أقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌الودائع ‌التي ‌كانت ‌عنده ‌للناس، حتى إذا فرغ منها، لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. (سيرة ابن هشام، 1/ 485).

ففي هذا الموقف دليل على العفة المالية حتى مع الخصوم، وفي أشد أوقات العداوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسمح أن تضيع ودائع الناس عنده حتى وإن اجتمعوا لقتله، فالخصومة والخلاف لا يسوغان الاعتداء على الأموال أو أخذها بغير وجه حق.

2- الراحلة بالثمن:

حين أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة، خرج في حرّ الظهيرة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم قال له: «قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحبَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ: «نَعَمْ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ: «بِالثَّمَنِ» (دلائل النبوة: للبيهقي، 2/ 474).

وفي رواية ابن إسحاق قال: فلما قرب أبو بكر رضي الله عنه الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّم له أفضلهما، ثم قال: اركب، فداك أبي وأمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني ‌لا ‌أركب ‌بعيراً ليس لي»، قال: فهي لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قال: «لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟»، قال: كذا وكذا؟ قال: «قد أخذتها به»، قال: هي لك يا رسول الله. (سيرة ابن هشام، 2/ 94).

وإنما اشترط النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك ‌بالثمن مع أن أبا بكر أنفق ماله في سبيل الله ورسوله، لأنه أحب ألا تكون هجرته إلا من مال نفسه. (السيرة النبوية: أبو شهبة، 1/ 474)، وفي هذا لفت لأنظار المسلمين أن يتعففوا عن أموال غيرهم، وأن يبذلوا أموالهم في قضاء حوائجهم وتسيير أمورهم.

3- إعطاء الأجير حقه:

أوضحت كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكر الصديق قد استأجرا رجلاً من بني الدئل بن بكر، اسمه عبدالله بن أريقط، يدلهما على الطريق، بالأجر مقابل عمله، وكان مشركاً. (سيرة ابن هشام، 1/ 485).

4- التعفف عن أموال الناس:

في مسند أحمد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال عن رحلة الهجرة: ارتحلنا، والقوم يطلبونا، فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا، فقال: «لا تحزن إن الله معنا».

حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة، قال: قلت: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا، وبكيت، قال: «لِمَ تبكي؟»، قال: قلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك، قال: فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم اكفناه بما شئت»؛ فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد، ووثب عنها، وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهماً، فإنك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا، فخذ منها حاجتك.

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‌لا ‌حاجة ‌لي ‌فيها»، قال: ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلق، فرجع إلى أصحابه؛ ففي هذا الموقف دليل على عفته صلى الله عليه وسلم عن مال سراقة وتأكيده على الاستغناء عنه وعدم حاجته له.

ومن الأمثلة على التعفف عن أموال الناس في الهجرة النبوية الشريفة ما رواه البخاري عن ‌أنس قال: قدم عبدالرحمن بن عوف فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، ‌دلني ‌على ‌السوق.

5- شراء أرض المسجد في المدينة:

في الصحيحين عن ‌أنس بن مالك قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أمر بالمسجد وقال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، فقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يشتري أرض المسجد بالثمن.

وفي صحيح البخاري عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربداً للتمر، لسهيل، وسهل، غلامين يتيمين ‌في ‌حجر ‌أسعد ‌بن ‌زرارة.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل»، ثم دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجداً.

وقال الواقدي: ‌اشتراه صلى الله عليه وسلم ‌من ‌بني ‌عفراء بعشرة دنانير ذهباً. (سبل الهدى والرشاد، 3/ 344)، وفي هذا دليل على النزاهة والعفة المالية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة