يوميات متقاعد (25)
دروس في العلاقات وخدمة المجتمع
في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.
الديوان.. وموقف السيارات
نبدأ بهذا
الموقف الذي حدث يوم الخميس 1 مايو 2025م، كانت هذه الحادثة بداية سلسلة من
المواقف التي تحمل في طياتها معاني إنسانية جميلة، ودروساً اجتماعية وتربوية عميقة،
تستحق أن تُروى وأن يُتأمل فيها.
في ذلك اليوم،
جئت من ديواننا العائلي في بيان إلى الحي الذي أسكن فيه، وقد أُقيمت صلاة العشاء، بحثت
عن مكان أوقف فيه سيارتي، فلم أجد إلا موقفاً تابعاً لديوان موجود في الحي، وكانت
هذه المواقف خاصة، ولا بد من أخذ الإذن من أهل البيت للوقوف فيها.
أوقفت سيارتي
على عجل، لأنه قد أُذِّن لصلاة العشاء، ثم سمعت الإقامة، وخشيت أن تفوتني الصلاة، فدخلت
المسجد، وقلت في نفسي: إنني بعد الصلاة سأذهب إلى أهل الديوان لأعتذر إليهم، فشغلني
هذا الأمر عن الخشوع في الصلاة.
التفاعل مع الجاليات الإسلامية يثري
المجتمع ويعزز روح الأخوة الإسلامية
وبالفعل، بعد
انتهاء الصلاة التي استغرقت حوالي 10 دقائق، توجهت مباشرة إلى الديوان، وطرقت
الباب، ففتحوا لي الباب، ورحبوا بي ترحيباً حاراً؛ لأن الديوان مفتوح للجميع، وكل
من يريد الدخول فهو مرحب به.
استقبلوني
بحفاوة، وأكرموني بالشاي والقهوة مرة بعد مرة، وتكرر هذا الموقف الجميل، وتكرر هذا
الكرم منهم، ثم تحدثت مع رئيس الديوان، وهو أبو عبدالله، وقلت له: إنني أطلب
السماح والعذر منكم لأنني أوقفت سيارتي في مواقفكم الخاصة.
فقال لي بكل لطف
وكرم: إن هذه المواقف هي سبيل بلا مقابل لرواد المسجد، ولكن بشرطين؛ الأول: ألا
يطيل المصلي البقاء بعد الصلاة في المسجد، بل يأتي ويقود سيارته بعيداً عن منزلنا،
حتى يفسح المجال لزوار الديوان، أما الثاني؛ فهو ألا تُترك السيارة بعد منتصف
الليل، خاصة إلى الفجر، لأن ذلك يسبب إشكالاً لأهل البيت.
وأكد لي أن هذه
المشكلة تتكرر، خصوصاً في رمضان، حيث يبقى بعض الناس في المسجد حتى الفجر، وتبقى
سياراتهم في المواقف، فطمأنته بأن هذا الأمر لن يحدث مني، وأنني سأبلغ المصلين
بهذا التنظيم.
فرح الرجل بهذا
الوعد، ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت مساء الخميس، ووجدت نفسي متأخراً، أوقفت سيارتي
في هذا الموقف، ثم دخلت الديوان، وأصبحت العلاقة بيننا علاقة طيبة، حيث تبادلنا
أرقام الهواتف، وتعرفت على مجموعة من الرجال المحترمين من رواد هذا الديوان، من
عائلات معروفة في دولة الكويت.
خطبة الجمعة بالإنجليزية في أحد المخيمات
ننتقل إلى حادثة
أخرى، وقعت في 2 مايو 2025م، وهو اليوم الذي ألقيت فيه خطبة الجمعة باللغة
الإنجليزية في أحد المخيمات في الكويت.
وصلت قبل موعد
الخطبة بساعتين، وانتظرت في المواقف حتى جاء أحدهم، وأخذني إلى داخل المخيم، وقد
رحبوا بي ترحيباً جميلاً، وأخذوني إلى مقصف يقدم المأكولات والمشروبات الخفيفة،
وأكرموني حتى حان وقت الخطبة.
ألقيت الخطبة
على مجموعة من الحضور، وكان معظمهم من الجاليات الإسلامية، من الهند وباكستان
وبنغلاديش وبعض المسلمين من أمريكا، وكانت الخطبة تدور حول تجربة شخصية لي في
البوسنة، وتحديداً في مدينة سراييفو، مع أحد الإخوة المسلمين هناك واسمه عمر.
تحدثت عن حسن
تعامل عمر معي، وكيف كان يطبق سُنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السلام
والترحيب والمصافحة وحسن الاستقبال، ونقلت هذه التجربة للمصلين، لتكون نموذجاً
عملياً للأخلاق الإسلامية.
بعد الخطبة،
تعرفت على بعض المسؤولين في المخيم، وأكرموني بالغداء، وكان طعاماً شامياً رائعاً،
وجلسنا نتناقش ونتحاور حول سبل تعزيز العلاقة بيننا، وكيف يمكن تطوير التعاون
مستقبلاً.
وبقيت هناك حتى
الساعة 3 بعد الظهر، ثم عدت إلى المنزل، وكان يوماً حافلاً باللقاءات المفيدة
والعلاقات الجديدة.
ومن المواقف
الجميلة في هذا المخيم، أنني تعرفت على مسلم متزوج من كويتية، ويعمل مدرساً في
إحدى المدارس الأجنبية في الكويت، وتوطدت العلاقة بيننا، ودعوته لاحقاً إلى
الإفطار في أحد المقاهي المشهورة في الكويت.
وقفة مع الجاليات الإسلامية
من المهم أن نقف
وقفة صادقة مع الجاليات الإسلامية الموجودة في بلدنا، هذه الجاليات قدمت الكثير،
ولها دور إيجابي في المجتمع، ومن واجبنا أن نمد لهم يد العون، وأن نشاركهم في
مناسباتهم، وأن نلبي دعواتهم.
من المهم أن يعرف الإنسان المؤسسات
العلمية ويستفيد من برامجها ويشارك في تطويرها
فإذا دعوك إلى
محاضرة، أو ندوة، أو وجبة طعام، فمن الواجب أن تجيب، وإذا طلبوا منك خطبة أو كلمة،
فهذه فرصة للدعوة والتواصل.
إن التفاعل مع
هذه الجاليات يثري المجتمع، ويعزز روح الأخوة الإسلامية.
لقاء مع مسؤول بمؤسسة الكويت للتقدم العلمي
في يوم السبت 3
مايو 2025م، كان لي لقاء مع مسؤول كبير في مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وكان هدفي
التعرف على أنشطة هذه المؤسسة التي تأسست عام 1976م، ولها أنشطة واسعة داخل الكويت
وخارجها، وكان هذا المسؤول يشرف على برامج تعليمية في جامعات عالمية، توفر مقاعد
للكويتيين في تخصصات مختلفة.
وقد كان اللقاء
مفيداً جداً، حيث تعرفت على جهود هذه المؤسسة في دعم التعليم والبحث العلمي،
ودورها في رفع اسم الكويت عالمياً.
ومن المهم أن
يعرف الإنسان هذه المؤسسات، وأن يستفيد من برامجها، وأن يشارك في تطويرها.
لقاء مع مسؤول في شركة تدريب
أما في 4 مايو 2025م،
فقد كان لي لقاء مع مسؤولٍ في شركة تدريب، يُعرف بأبي محمد، وقد تحدث معي عن أهمية
التدريب في الكويت، موضحاً أن القطاع النفطي يهتم بالتدريب بشكل كبير، وكذلك
القطاع الحكومي، والقطاع المصرفي، والقطاع الخاص، وطلب مني التعاون معه في تقديم
برامج تدريبية تخدم هذه القطاعات.
التدريب يعد وسيلة أساسية لتطوير القدرات
وبناء المهارات وتحقيق التقدم المهني
كما أشار إلى أن
دول الخليج، مثل قطر والإمارات والمملكة العربية السعودية، تشهد اهتماماً متزايداً
بالتدريب، وأن هناك طلباً على المدربين الكويتيين.
وبيّن أن
التدريب في الكويت بدأ منذ عام 1983م؛ ما يجعلها من الدول الخليجية الرائدة في هذا
المجال.
وافقت على هذا
التعاون، لأن التدريب يعد وسيلة أساسية لتطوير القدرات، وبناء المهارات، وتحقيق
التقدم المهني.
هذه المواقف،
على بساطتها، تحمل في داخلها معاني كبيرة، فهي تعلمنا أهمية الاعتذار، وقيمة
العلاقات الاجتماعية، وأهمية التواصل مع الآخرين، وخدمة المجتمع، كما تؤكد أهمية
الانفتاح على الجاليات، والتعرف على المؤسسات، والاستثمار في التدريب؛ فالحياة
مليئة بالمواقف، ولكن العبرة ليست في وقوعها، بل في كيفية تعاملنا معها، وما
نستفيده منها من دروس.
فلنحرص على أن
تكون مواقفنا مصدر إلهام لنا ولغيرنا، وأن نسعى دائماً إلى بناء علاقات قائمة على
الاحترام، والتعاون، والمحبة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً