...
الإنسان والجسد.. نظرات دينية وفلسفية (6)

ملامح اختلال معالجة الغريزة في المسيحية

قد كان بين الإسلام واليهودية كثير توافق في تناول الغريزة وما يستلزمها من زواج، لتأتي بعدهما المسيحية لتأنى عنهما بعض النأي في طرائقها لمعالجة الغريزة وتشريع الزواج، فقد شحت فيها النصوص المتطرقة للقضية، والذي ورد منها لم يكن صريحاً في الحث على التزوج، بل تحسين له وتجميل مما يفهم منه أن المسيحية بها ميل إلى التعفف عنه والتسامي على الغريزة؛ وهو ما جعلها في خصام مع فطرة الإنسان، كما سنرى.

والمراجع لنصوص الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى الكنيسة، يكاد لا يعثر فيها على نص يحث صراحة على الزواج، إنما وردت به النصوص المحسنة له والمجملة، ومن تلك النصوص ما ورد في «إنجيل متى» (19:11): «ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطي لهم»، وقد عنى المسيح عليه السلام بكلامه هذا العزوبية والتعفف عن الزواج، ويفهم من النص أنه أمرهم وحثهم على العزوبية، لكنه علم أن الجميع لن يقبل بها ومن ثم رخص لغير المتقبلين بالزواج وهو ما يشي بأن العزوبية هي الأصل، والاستثناء هو الزواج، وكذا سائر النصوص الشحيحة في الأناجيل الأربعة لا تصرح في الحث على الزواج وإنما تحسين وتجميل.

إلا أن بولس في رسائله قد قال صراحة بالزواج وحض عليه، كما ورد في رسالته الأولى لأهل كورثوا (7:2): «ولكن لسبب الزنى ليكن لكل واحد امرأته ولكل واحدة رجلها»، وفي نفس الرسالة يقول: «ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا لأن التزوج أصلح من التحرق» (7:9)، وفي رسالته إلى العبرانيين يقول: «ليكن الزواج مكرماً عند كل واحد والمضجع غير نجس» (13:4).

وبولس يفهم من تعاليمه أنه يحض على الزواج لا لشيء إلا لاتقاء الوقوع في الخطيئة؛ ما يشي بأن تعاليمه لا تخالف نصوص الأناجيل الأربعة في نظرتها للزواج بأنه ليس الأفضل، وما هو إلا أهون الشرين، وكما أن المسيحية في عهدها الجديد لم تول الزواج ما يليق به من أهمية، فقد أهملت كذلك ما يستلزمه من الإتيان على ذكر المهور أو الحث على التخفف منها تيسيراً للارتباط لمبتغييه، فلم تذكر إلا تحفيزاً معمماً على الزهد والتغافل عن مباهج الدنيا.

كما هي الحال في «إنجيل متى» (6:19-21): «لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض»، وكما هو مذكور في رسالة تيموثاوس (9:6-8): «أما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة»، كما أنه لا عقوبة دنيوية على المتجاوز الفاحش، فقد جيء بزانية إلى المسيح عليه السلام ليقيم عليها الحد فقال لمن جاؤوا بها من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر أولاً كما جاء في «إنجيل يوحنا» (8:3-11).

وجعل العقاب له قصراً على الآخرة كما ورد في رسالة بولس الأولى لأهل كرونثوس (9:9-10): «لا زناة يرثون ملكوت الرب»، وتلك هي العقوبة المقررة في المسيحية، فلا جلد فيها ولا رجم، كما هي الحال في الإسلام واليهودية.

وزد على ما قد مضى، لم يرد في العهد الجديد ما يقطع بحرمة التبرج والسفور، وإنما نصائح وتحبيب في الحشمة والوقار، مثال ذلك ما ورد في رسالة بطرس الأولى (3:3-4): «ولا تكن زينتكن الزينة الخارجية من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب، بل إنسان القلب الخفي»، وهي نصائح قال رجال المسيحية العالمون بها: إنها لا ترقى إلى التحريم ولا تعدو أن تكون توجهاً أخلاقياً؛ وهو ما ترك الأثر واضحاً على إباحة التبرج في دور عباداتهم، فنساؤهم يرتادونها وهم على أكمل زينة، يبرزون المفاتن من أجسادهم صارخة بلا حياء.

وزاد الطين بلة أن الاختلاط كما التبرج، فلم تقطع النصوص بحرمته، إنما حثت على اتقائه، كما ورد في «إنجيل متى» (5:28): «كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه»، وهو نص يحض على سبيل الخلق الكريم لتجنب الخلطة دون التصريح القاطع بحرمتها.

إن الذي كان من المسيحية في معالجتها لمسألة الغريزة أغرى كل منتقد أن يعمل فيها النقد بلا مشقة، فالخلل في منهجها أبين من أن يخفى على ناقد، ولو كان واهي البصيرة، وسوف نضع أيدينا متحسسين مواطن الخلل هذه في مكتوب تالٍ، والله المستعان على بلوغ القصد.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة