«بيلس».. مشروع تصفية القضية الفلسطينية
في خضم اللحظة
السياسية الراهنة، لا تكتفي «إسرائيل» بمحاصرة الأرض وخنق السيادة فحسب، بل تسعى
اليوم لتقديم صيغة جديدة تمامًا لـ«حل الصراع»؛ صيغة تُبقي الاحتلال حيًا، لكنها
تمنحه غطاءً إداريًا يُوهم العالم بأن للفلسطينيين كيانًا ودولة حقيقية.
في ورقة بحثية
صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي «الإسرائيلي»، ظهر مصطلح جديد: «بيلس»؛ الكيان
الفلسطيني ذو السيادة المحدودة، هذه الوثيقة تقول الكثير عما يدور في العقل الإستراتيجي
«الإسرائيلي»: كيف تُبقي السيطرة، وتُطفئ الحلم، وتُقنع الجميع بأن هذا هو أقصى
الممكن.
«بيلس»
المصطلح الذي يعيد تعريف الدولة
«بيلس» ليس اسم
خطة سياسية، وإنما اختصار يختزل الحقيقة كلها: «Palestinian Entity with Limited Sovereignty»؛ أي كيان فلسطيني إداري، بلا جيش، بلا
معابر، بلا حدود سيادية، بلا سماء ولا بحر، وبالطبع بلا قدرة على تقرير المصير.
وفق الوثيقة،
يُنشأ هذا الكيان في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه لا يُمنح أي صلاحية حقيقية
خارج إدارة شؤونه المحلية، أما الأمن، والحدود، والموارد، والاتصالات، وحتى الهواء
الذي يتنفسه، فهي ضمن اختصاص «إسرائيل».
سيادة
تُدار من الخارج.. بالقوة لا بالشرعية
تتحدث الخطة عن سيادة
فلسطينية محدودة، لكنها لا تشرح المعنى، بل تنسفه في التفاصيل:
- «الجيش
الإسرائيلي» يحتفظ بحرية الحركة داخل الأراضي الفلسطينية.
- المعابر مع
الأردن ومصر، والمجال الجوي والبحري، تُدار بالكامل من قِبل «إسرائيل».
- لا يُسمح
للفلسطينيين بامتلاك قوات عسكرية، ولا باتفاقيات مع أي دولة دون موافقة «إسرائيل».
- الرقابة تشمل حتى الترددات الكهرومغناطيسية وشبكات الإنترنت والهواتف.
بمعنى آخر، هذا
كيان إداري، لا يملك إلا أن ينفّذ، ويُدار من فوقه.
غزة..
إدارة بلا سلطة وسلطة بلا قرار
قطاع غزة، في
هذا النموذج، ليس جزءًا مستقلًا، بل يُلحق بالكيان الجديد عبر «إدارة تكنوقراطية»
تشرف على شؤونه، وتبقى خاضعة للسلطة الفلسطينية شكلاً، ولـ«إسرائيل» فعليًا.
الأمن هناك
يُراقَب عن كثب، مع هدف مركزي: منع «حماس» أو أي قوى مقاومة من التمدد أو الحكم،
وهكذا، حتى غزة التي حاولت أن تتحرر بدمها، تُستعاد ضمن منظومة لا تسمح لها
بالتنفس.
قضاء
بلا عدالة.. ومحاكم بلا سلطان
تمنح الوثيقة
الكيان الفلسطيني حرية إدارة نظام قضائي ذاتي، لكن الحقيقة أن هذه الإدارة لا تخرج
عن الإطار الذي ترسمه «إسرائيل».
لا تُمنح سلطة
محاكمة المستوطنين أو «الإسرائيليين»، ولا تُقبل قراراتها إن تعارضت مع ما يُسمى «مكافحة
الإرهاب»، وتحتفظ «إسرائيل» بحق محاكمة أي فلسطيني تعتبره تهديدًا، ولو كان تحت
سلطة القضاء المحلي.
الهدف
الحقيقي من هذا النموذج
يرى الباحث
عبدالله العقرباوي أن النموذج يُعيد إنتاج خطة الوزير «الإسرائيلي» سموتريتش عام
2017، التي اعتبرت الفلسطينيين مجرد سكان بلا حقوق.
يُدارون عبر
بلديات، ويُخيّرون بين الولاء للاحتلال أو الهجرة أو العيش تحت القبضة الأمنية،
حتى مصطلح «الحكم الذاتي» غاب عن الورقة؛ كي لا يوحي بأي التزام سياسي أو قانوني،
الخطة تهدف لتفريغ فلسطين من معناها، لا من سكانها فقط.
«إسرائيل»
تُشرعن الاحتلال وتغلفه بـ«التقنية»
ما تقترحه «إسرائيل»
ليس جديدًا، لكنه اليوم يُقدَّم بلغة أكثر نعومة، وبمظهر إداري خادع، فمنذ احتلال
الضفة وغزة، عمدت «إسرائيل» إلى مصادرة الأراضي، وتجريد السكان من حقهم في البناء،
والسيطرة على كل مفصل قانوني عبر أوامر عسكرية مثل رقم (418)، والآن، تُعيد إنتاج
تلك السيطرة تحت غطاء «الإدارة الكفؤة» و«التعاون الأمني».
رفض
واسع.. لكن الخطر قائم
الوثيقة تقر
مسبقًا أن الفلسطينيين سيرفضون هذا النموذج، وأن العالم قد ينتقده، لأنه يُناقض حل
الدولتين، ويُكرّس واقعًا احتلاليًا مغلفًا بالإدارة، ورغم هذا الرفض المتوقع، فإن
وجود مثل هذه الخطط يمثل خطرًا قائمًا على مستقبل القضية الفلسطينية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً