المشهد السوري بعد الفتح.. 5 فئات وتحدي الثورة المضادة

المشهد السوري بعد الفتح.. 5 فئات وتحدي الثورة المضادة

من يراقب المشهد السوري اليوم يدرك أننا أمام خريطة اجتماعية جديدة تماماً، تتجاوز كل ما عرفناه خلال سنوات الحرب الطويلة، لم تعد الثنائية القديمة بين المؤيد والمعارض تعبّر عن واقع الناس ولا عن المزاج العام، نحن اليوم أمام تصنيفات أكثر تعقيداً، وأكثر دلالة، تعكس تحولات عميقة في الانتماء والوعي والعلاقات الاجتماعية، بعضها يبشّر بولادة مجتمع متماسك، وبعضها الآخر ينذر بانقسامات خطيرة إن لم تُحسن الإدارة السورية الجديدة التعامل معها بالكثير من العقل والحكمة وكامل المسؤولية.

لقد بات واضحاً أن المجتمع السوري، في نسخته الجديدة، لا يمكن اختزاله في شعارات أو مواقف آنية، هناك اليوم 5 فئات رئيسة، تختلف دوافعها ومواقعها، لكنها تشكّل معاً لوحة الواقع الراهن بكل تناقضاته.

1- الثائر المُحرِّر.. صُنّاع الفتح:

هذه الفئة، التي خاضت ميادين القتال وقدّمت أغلى التضحيات، تمثّل الركيزة الأخلاقية والعسكرية للثورة، هم الذين عرفوا معنى الجوع تحت الحصار، والخذلان في المنافي، والمرارة في انتظار النصر، ومع ذلك، حين جاء «الفتح العظيم»، في ديسمبر 2024م، كانوا أول من رفع راية الحرية، لا طلباً لمجدٍ شخصي، بل وفاءً لحلمٍ بدأ قبل أكثر من عقد.

2- الفلول.. بقايا النظام الساقط:

أما أولئك الذين أصرّوا على التمسك بالنظام حتى سقوطه، فهم اليوم يتوزعون بين المليشيات ومناطق الفوضى، يحاولون إعادة إنتاج أنفسهم عبر بوابات الأمن المضطرب كما حدث في الساحل السوري في مارس 2025م، ربما قد غرَّهم التاريخ القريب، إلَّا أنَّ الشعب السوري الحر قد أثبت عملياً في أكثر من مناسبة أن من خاصم العدالة لا مكان له في مستقبل الحرية بأي حال من الأحوال.

3- المتلوّن أو «المكوع».. من التأييد إلى التبديل:

في كل ثورة، هناك من يبدّل جلده حسب موازين القوى، هؤلاء هم «المكوعون»، الذين انتقدوا الثورة بالأمس وتغنّوا بها اليوم، يتحدثون بلغة المنتصرين وكأنهم لم يكونوا يوماً ضدها! ظاهرياً، قد يبدو تبدّلهم نوعاً من النضج السياسي، لكن الحقيقة أن معظمهم تحركه المصلحة لا المبدأ، والثورة بالنسبة لهم ليست قضية، بل وسيلة عبور.

4- الحيادي أو «الرمادي».. بيضة القبان:

هذه الفئة، التي تمثل غالبية السوريين، لا تنشغل بالسياسة بقدر ما تنشغل بلقمة العيش، شعارها «بدنا نعيش»، وميزتها أنها تميل إلى الجهة التي توفر الأمن والاستقرار، قد يراها البعض فئة سلبية، لكنها في الواقع تحمل وزناً حاسماً؛ فهي الكتلة التي يمكن أن ترجّح كفة الاستقرار أو الفوضى في أي لحظة، ومسؤولية الدولة الجديدة أن تكسبها بالحكمة لا بالتخوين، وبتحسن الواقع المعيشي لا بالخطب والشعارات.

5- الثائر المُحرَّر (بفتح الراء).. صامتون في زمن الضجيج:

هؤلاء ربما أكثر الفئات ظلماً، عاشوا في مناطق النظام، صبروا على القمع والتضييق، وتعرضوا للتنكيل والاتهام، عاشوا الفقر والحرمان، مقهورين في سجنهم الكبير، لكنهم تمسكوا بإيمانهم بالثورة، ثمَّ بعد التحرير وجدوا أنفسهم في الهامش، بلا دور ولا صوت، في زمن يُكافأ فيه المتلوّن على قدرته على التبديل، يظل هؤلاء صامتين، ينتظرون من يسمع صوتهم ويعترف بإخلاصهم.

تحدي إدارة التصنيفات

ما يثير القلق ليس وجود هذه التصنيفات بحد ذاتها، بل طريقة التعامل معها، فحين يُساوى «الثائر المُحرَّر» بـ«الرمادي»، أو يوضع «المكوع» في خانة «الفلول»؛ نكون قد خلطنا بين من آمن بالحق وصمد على المبدأ ومن أصرَّ على الظلم والطغيان، ومن فكَّر وتراجع وانكفأ.

إن طول أمد الثورة كشف الجميع على حقيقتهم، ولم يعد أحد قادراً على التزييف، لكن الخطر اليوم أن نستخدم التصنيفات كأداة إقصاء، لا كوسيلة فَهم، من حق «الثائر المُحرَّر» أن يُكرّم، لا أن يُنسى، ومن واجب الدولة الجديدة أن تستقطب «الرمادي» بالحكمة، لا بالاتهام؛ لأن خسارة هذه الفئة تعني تركها فريسة سهلة للفلول وأصحاب الأجندات التخريبية الذين يعيشون على الفوضى واستغلال الضائقة الاقتصادية.

الطريق إلى الاستقرار

وأمام ذلك، لا يمكن لسورية الجديدة أن تتقدّم وتواجه احتمالات الثورة المضادة ما لم تعتمد ثلاثية واضحة:

1- عدالة انتقالية سريعة تحاسب المجرمين دون انتقام.

2- دمج الثائر المُحرَّر بكل تقدير واحترام في مؤسسات الدولة الجديدة وتمكينه من المساهمة في البناء.

3- استقطاب الرماديين عبر مشاريع تنموية وعدالة اجتماعية تزرع الثقة بالمستقبل.

بهذه المعادلة وحدها يمكن أن نغلق أبواب الفوضى، ونحبط محاولات التقسيم، ونكتب فصلاً جديداً من التاريخ عنوانه الحرية والوحدة.

نعم، تتبدل التصنيفات وتتشابك الانتماءات، لكن تبقى روح الثورة الثابت الأعمق والأصدق الذي يجمع المُحرِّر والمُحرَّر، ويشدُّ إليه الرمادي والمكوع، في ظل الحاجة الملحّة إلى من يعيد وصل النسيج الوطني بخيوط الثقة والأمل، فالمعركة اليوم لم تعد على الأرض، بل في القلوب والعقول، معركة استعادة المعنى، قبل استعادة الوطن.


اقرأ أيضاً:

- سورية بعد انتصار الثورة.. بين الثورات المضادة وخصوصية الحالة 

- د. محمد حكمت وليد: السوريون ليسواناقمين على الثورة بل على النظام الذي ألحق بهم هذه الهزائم

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة