العمل الجماعي المؤثر
العمل الجماعي
في واقعنا المعاصر ضرورة حتمية لتحقيق الأهداف التي تحقق النفع للمجتمع والأمة
جمعاء، والمتأمل في واقع المنظمات والمؤسسات الدعوية سيجد أن الشخصية الاعتبارية
قد حلت بأساليبها في التشاور والتفكير الجمعي، وبأدواتها الحديثة في استخدام
تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، محل الدهاء والذكاء الذي يملكه الفرد أو مجموعة
من الأفراد.
وهذا التغير
السريع يدعونا إلى أهمية التذكير المستمر ببعض مفاهيم وآداب العمل الجماعي، وكذلك
الاهتمام بتطوير أدواتنا وأساليبنا في العمل.
إذا العبء
الثقيل توزعته رقاب القوم خف على الرقاب
والعمل الجماعي
الدعوي المؤثر لا بد له من ضوابط وآداب تمده بأسباب البقاء وتزيد من فاعليته، وهذه
الضوابط ترسم الحدود التي تحمي العمل الجماعي من الخروج عن أهدافه وغاياته.
ركيزتان أساسيتان
العمل الجماعي
الدعوي المؤثر يقوم على ركيزتين أساسيتين متلازمتين، نستقيهما من قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 10).
إن تلك
الركيزتين المتلازمتين هما:
1- الإيمان والتقوى:
الإيمان بالله
ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة، وهي الركيزة التي تجعل العمل الجماعي بنية
حية قوية قادرة على أداء دورها، وهو أساس الاعتصام بحبل الله ودينه، وبدون هذه
الركيزة ترتفع البركة، وتحل نزغات الشيطان في كيانات العمل الجماعي، وينشغل الدعاة
بخلافاتهم فيما بينهم.
إن العمل الدعوي
الجماعي لا يتحقق له النجاح، ولا يؤتى ثماره إلا إذا تأسس على تقوى من الله،
وبصيرة وعلم وفهم صحيح.
2- الأخوة في الله:
الأخوة المنبثقة
من منهج الله وابتغاء مرضاته من العمل الذي نجتمع عليه، وليست تلك العلاقات التي
تلاقت على موافقة الطبع أو تحقيق المصالح الشخصية الدنيوية.
لعمرك ما مال
الفتى بذخيرة ولكن إخوان الثقات الذخائر
ولعل من مشاهد
الخلل في بعض نماذج العمل الدعوي الجماعي التنازل عن تصحيح المسار الخاطئ الذي قد
يترتب عليه إثم لأجل الحفاظ على الأخوة وتماسك الصف، أو -من ناحية أخرى- نرى البعض
يتمسك بحكم فقهي (يسع الخلاف فيه) على حساب الألفة والعصمة بين المؤمنين، فتحدث
الشحناء والفرقة.
وبلوت أسباب
الحياة وقستها فإذا التعاون قوة
ونجاح
أربعة أركان
العمل الجماعي
المؤثر لا بد أن يشمل 4 أركان، وهي على النحو التالي:
1- القيادة:
إن مشاريع
الدعوة إلى الله لا بد أن يكون لها قيادة تتحلى بالقوة والأمانة، وهما ركنا
الولاية، كما قال تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)، وينبغي أن يرعى الأصلح في كل منصب، ومن إضاعة الأمانة
أن يسند الأمر إلى غير أهله.
وإن من سمات
القيادة التي تقود التغيير وتحقق النجاح الحرص على المشاورة، والتحلي بالحلم
والرفق والتواضع من ناحية، ومن ناحية أخرى التحلي بالشجاعة والحزم والحكمة.
2- الفريق العامل:
أما الفريق
العامل فيجب عليهم التفكير والسعي وإدارة مهام العمل بطريقة «نحن» بدلاً من «أنا»،
وأن يتكاتفوا فيما بينهم في قبول تكاليف العمل الدعوي، وإحياء معاني الوفاء
والتواد والتراحم والنصح فيما بينهم، وأن يسطروا نماذج حية في الإخاء، وأن يتواصوا
بالدعاء فيما بينهم بظهر الغيب، ويتجنبوا سوء الظن وأجواء الغيبة والنجوى.
3- وحدة الهدف والرؤية والمنهج:
إن وحدة الهدف
والرؤية والمنهج من الأركان التي قد يغفل عنها الدعاة إلى الله وهم في زخم العمل
الجماعي الدعوي، فتراهم قد بدؤوا بشكل صحيح، وإذا بهم في منتصف الطريق قد غيّروا
وجهتهم لأسباب قد لا تكون معروفة لدى شريحة كبيرة من الفريق العامل.
4- الالتزام والتعاهد:
والعمل الجماعي
الدعوي يقتضي وجود تعاهد والتزام، وهذا التعاهد لا بد أن يتوج بميثاق واضح وملزم
لمن أراد أن يكون من الفريق العامل، وهنا أحب التنبيه إلى أن معاني الالتزام
والتعاهد قد تأثرت في السنوات الأخيرة بمعاني التطوع والمتطوعين، وما فيها من صفة
الاختيار وعدم الإلزام.
ختاماً، إن
العمل الجماعي المؤثر للدعاة إلى الله هو جسر العبور للأمة لاستعادة دورها؛ (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110)، وهذا العمل لا ينجز إلا باجتماع القلوب والجهود على
أسس راسخة، تبدأ بصدق الإخلاص لله، وتتجسد في الالتزام ووضوح الهدف والمنهج،
وتتحصن بآداب الرفق والحلم والنصح والتعاون على البر والتقوى.