30 حزباً في مواجهة البعثة النبوية.. و20 عاماً من عبقرية النبي ﷺ

30 حزباً في مواجهة البعثة النبوية.. و20 عاماً من عبقرية النبي ﷺ

عندما جاءت البعثة النبوية، وجد النبي صلى الله عليه وسلم رسالته أمام أكثر من 30 حزباً سياسياً تم تشكيلها قبل البعثة وتزامناً معها، لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال.

فعندما ظهر قصي بن كلاب جد النبي صلى الله عليه وسلم كأول مؤسس سياسي لقريش بعد غلبته لخزاعة، وصار المسؤول عن الكعبة - شرف العرب وقريش- بدأ في توطين قبائل قريش ورسم خريطتها السياسية، وتوزيعها على كل البطون والقبائل القرشية.

تجلى صعود قريش السياسي في بطنين رئيسين بني عبد مناف، وبني مخزوم، ولكي نعلم قوة قريش السياسية حينها فإن أبناء عبد مناف (هاشم، المطلب، عبد شمس، نوفل) كل منهم كان يفد على أحد ملوك الأرض ممثلاً قريش، منهم من يفد على كسرى، وآخر على ملك الروم، وثالث على ملك اليمن، والرابع والأخير على ملك الحبشة.

كانت أشهر العمليات الحزبية والسياسية في قريش خاصة والعرب عامة، متمثلة في شقين؛ «الحلف»، و«الجوار»، وكان مردّ قبائل قريش جميعاً إلى حزبين سياسيين؛ كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، لكنّ كعب بن لؤي صار هو الحزب السياسي الأقوى المتحكم في العملية السياسية دون عامر بن لؤي، الذي لم ينجح في تكوين أي حزب سياسي قبل البعثة إلا حزباً واحد باء بالفشل ولم يكتمل.

البعثة النبوية والأحزاب السياسية

جاءت البعثة النبوية، وقريش قد صار لها من الرصيد السياسي مواجهة أي دعوة تؤرق سمعتها وجاهها السياسي، وصار من أدبيات العملية السياسية والحزبية أن الحليف الفرع لا يعقد حلفاً سياسياً في وجود من حالفه الأصل.

وصارت الكتلة الحزبية الصلبة كلها في حزب كعب بن لؤي، هو من يجير وهو من يعقد الحلف -الحزب السياسي- الذي تصدرت فيه بنو هاشم، والمطلب، لدرجة أن الصحابي حمزة عقد حزباً سياسياً خاصاً به باللغة العصرية قبل البعثة، إضافة إلى بني مخزوم، وبني زهرة، وبني نوفل.. وغيرهم.

وقد عدّ صاحب المنمق في أخبار قريش أكثر من 30 حلفاً تم عقدها في قريش قبل البعثة وتزامناً معها، وكانت يقف خلف هذه الكتلة الحزبية الصلبة كعب بن لؤي، دون عامر بن لؤي.

وقد كشفت الرواية حجم وقوة هذه الكتلة الحزبية، التي منعت النبي صلى الله عليه وسلم أن يمارس حقه السياسي في توظيفها، فبعد عودته صلى الله عليه وسلم من رحلة الطائف ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته أقام بنخلة أياماً، وأراد الرجوع إلى مكة.

فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل على قريش وهم قد أخرجوك؟ فقال: يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله مظهر دينه وناصر نبيه، ثم انتهى إلى حراء وبعث عبدالله بن أريقط إلى الأخنس بن شريق ليجيره فقال: أنا حليف والحليف لا يجير على الصريح، وكان الأخنس قد عقد حلفاً (حزباً سياسياً) مع بني زهرة؛ الذين كان لهم أكثر من 5 أحزاب سياسية.

فبعث إلى سهيل بن عمرو العامري -أسلم بعد ذلك- فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب بن لؤي.

فبعث إلى المطعم بن عدي من بني نوفل بن عبد مناف؛ الذين كان لهم قرابة 4 أحزاب سياسية قبل البعثة، فأجابه إلى ذلك وقال: نعم قل له فليأت.

فرجع إليه فأخبره فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج المطعم بن عدي وقد لبس سلاحه هو وبنوه ستة أو سبعة، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طف بالبيت، وتقلّد أبناؤه سيوفهم بالمطاف فأقبل أبو سفيان إلى المطعم بن عدي فقال: أمجير أم تابع؟ قال: بل مجير، قال: إذن لا تخفر -لا يُحلّ حزبك- قد أجرنا من أجرت.

20 عاماً من التخطيط

لو قارنا بين المشهدين في الحالة السياسية والحزبية في قريش في المرحلة المكية والمدنية، نكتشف مدى عبقرية التخطيط، الذي أفرزته الجهود النبوية، فمنذ البعثة النبوية و«صلح الحديبية»، نجد أنه قد مرّ قرابة 20 عاماً، جرت فيها أحداث جسام، كان أبرزها على الإطلاق وهو ما فهمه وعرفه صلى الله عليه وسلم، ذهاب جاه قريش السياسي خاصة في كتلتها الحزبية الصلبة، التي لم يعد لها الوهج والبريق السياسي الذي كانت عليه في مرحلتها المكية.

وعند قراءة مشهد التفاوض قراءة متأنية، نجد أن كبير المفاوضين وعدد ممن شارك في مفاوضات «صلح الحديبية» هم من الحزب الأقل حضوراً في قريش منذ تأسيسها السياسي وحتى «صلح الحديبية».

فكبير المفاوضين هو سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي، الذي لم يستطع سياسياً أن يُدخل النبي صلى الله عليه وسلم في جواره قبل سنوات، وشاركه مكرز بن حفص من ذات الحزب، إضافة إلى حويطب بن عبد العزى، الذي دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في مفاوضات أثناء الانتهاء من عمرة القضاء.

أيضاً، ظهرت أسماء كان من المستحيل أن تظهر في حضور الكتلة الحزبية الصلبة التي انتهت مع «صلح الحديبية»؛ إذ استعانت قريش بمفاوضين من خارج عصب وصلب قريش كعروة بن مسعود الثقفي -سيد ثقيف وأحد عظيم القريتين- إضافة إلى سيد الأحابيش.

ففي «صلح الحديبية»، لم يظهر أحد ممن ملأ الدنيا حضوراً وجاهاً من كتلة قريش الصلبة -كعب بن لؤي- بل كل المفاوضين من حزبها الضعيف الهش، الذي لم يجرؤ أن يستخدم حقه السياسي في المرحلة المكية ويجير النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في مرحلة استضعافه ويربح سبقاً سياسياً في تاريخه.

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى جوهر قريش ويقدّره حق قدره، وهو ما لم يفهمه غيره فهو الرسول القائد والقدوة، يرى أن ما حدث انتفاضة الطائر الذبيح لقريش، فهو أمام وجوه جديدة من المفاوضين تكشف أن قريشاً قد أفلست سياسياً، ولم يعد لها من السلطة والزهو السياسي إلا الاسم والرَسْم القديم.

وبعد عامين فقط، تجلّى تخطيطه وما كان يستشرفه مستقبلاً كقائد حكيم، فقد دخل مكة مظفراً فاتحاً وصارت دولته هي أقوى دولة في جزيرة العرب بعد أن أخضع أعتى قبائلها ودخلها فاتحاً.

إن عملية نجاح النبي صلى الله عليه وسلم جاءت بعد صبر ومكابدة وحسن تخطيط أخذ من دعوته قرابة 20 عاماً؛ أي معظم سنوات عصر الرسالة، إذ تمكن صلى الله عليه وسلم من ضم كل قيادات الكتلة الصلبة -كعب بن لؤي- إلى صفه، أو إزاحتها من طريقه عبر حروبه وغزواته المبهرة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة