السيرة النبوية في كتابات المسيحيين المنصفين.. نظمي لوقا نموذجاً (2)
تناول علماء المسلمين في مؤلفاتهم جانبًا
من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وجاءت تلك المؤلفات تحت عنوان «دلائل
النبوة»، ومنها: لأبي نُعيم الأصفهاني (ت 430هـ)، وللبيهقي (ت 456هـ)، ولقوام
السنة (ت 535هــ).. وغيرهم.
ويقدم لنا نظمي لوقا أدلة عقلية على صدق
نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه «محمد الرسالة والرسول» بأسلوب جديد يربط
بين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء السابقين، ويتساءل: بأي حجة وبأي
مقياس يمكن الطعن في صدق رسالة محمد؟ وما من نبي حمل إلينا توكيلاً موثقاً بأنه
ينطق بلسان الوحي؛ فمن اعترف بوحي من السماء إلى رسول من البشر لزمته الحجة ألا
ينكر نزول الوحي على محمد من حيث المبدأ.
ومن هنا وجب النظر النزيه في رسالة محمد
صلى الله عليه وسلم، والبحث في مضمونها، لنلتمس آيات الصدق التي صدق الناس بمثلها
من سبقه من المرسلين، ولنرى هل فيها ما يدعو للريب ويبرر دمغها بالزيف أو الدجل أو
البطلان(1)؟!
دلائل نبوة محمد ﷺ عند لوقا
إن أي دعيّ كذاب يظهر في أقواله وسلوكه
كذبه مهما تجمّل وتكتّم، وما من دعيّ إلا وهو مطية الشعور بالنقص، فيدفعه ذلك إلى
المغالاة في شأن نفسه، والتزيد في مدى قدرته، من لم يكن صادقًا في دعواه، فهو
دَعِيّ، لا يسلم من أعراض الادعاء، مهما تصنّع الصدق، وتجتمع أعراض الادعاء في
انتحال صفة أو قدرة أو حق ليس للمرء حقيقته، ويقدم نظمي لوقا دلائل نبوة محمد صلى
الله عليه وسلم من خلال استقرائه للسلوك النبوي على النحو التالي:
1- محمد نبي ليس له شأن الملوك:
إن أي زعيم أو أي ملك هو صاحب اليد
العليا فيما يملك، كلمته نافذة في شؤون رعيته، تتمتع أسرته وأهله بمنزلة تعلو
الناس، ويكون لهم الملك بعده؛ لكن الأمر مختلف مع محمد صلى الله عليه وسلم، ليس له
من الأمر شيء، ولم يزعم لنفسه صفة أو قدرة أو حقًا يستعلي به على أحد، أو يرتب
لنفسه بها سلطانًاً أو تقديمًا، ويأتي القرآن ليؤكده له أنه ليس عليه إلا البلاغ،
ليس عليهم بمسيطر، هو متبع لما يوحى إليه، وتلك صفات مبلغ الرسالة بشجاعة الإيمان،
ولا مزية له ولا لقبيلته، ولا وراثة لملكه(2).
إن أي ملك أو زعيم يعمل على بلوغ أقصى ما
تتمناه نفسه من الملك والسلطة، وقد يعقد مفاوضات مع خصومه يتوصل بها إلى مكاسب
مقابل التنازل عن بعض مبادئه، لكن محمدًا لا يُساوم بالمال والجاه والملك، فهو دين
لا يقبل المساومة عليه(3).
2- التأكيد على بشرية النبي:
درجت شعوب الأرض على تأليه الملوك
والأبطال والأجداد، فكان الرسل أيضاً معرضين لمثل ذلك الربط بينهم وبين الألوهية
بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تُرِكوا لأنفسهم أن يعتقدوا في الرسول أو
النبيّ أنه ليس بشراً كسائر البشر، وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من
الأنحاء، ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواتراً مكرراً في آيات القرآن، وليس أدل
على بشريته من موت أبنائه، فهو مثل البشر يموت أبناؤه، ولا حيلة له في ذلك مثل
سائر البشر(4).
3- القرآن كلام الله وليس كلام محمد:
يدرس المستشرقون القرآن على أنه كلام
محمد، وليس كلام الله! ويرفض لوقا ذلك الطرح بقوله: لو كان القرآن من صنعه ما حرص
أن يكون فيه كآحاد الناس لا يزيد، ليس عليه إلا البلاغ، عليه البلاغ، ولكن أي شيء
له؟ لا شيء ثم لا شيء ثم لا شيء؛ (لَيْسَ
لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ) (آل عمران، 128)، (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ
مُذَكِّرٌ {21} لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية)، امرؤ عليه، وليس له،
أين ذلك من دعوى الادعاء(5)؟!
ليس أدل على ذلك من انقطاع الوحي عنه
مرات، منها عقب سؤال قريش له، فرد عليهم: أخبركم بما سألتم عنه غدًا؛ فينقطع عنه
الوحي أكثر من أسبوعين، ولو كان القرآن من كلامه؛ لأغناه عن هذا الكرب وهذا
البلاء، وتعرضه لسخرية قريش، وقد وعدهم الجواب غداً! لو كان يملك القول من نفسه،
ولم يكن الأمر لربه لأجابهم، وما أغناه عن ذلك، ولكنه يرد الأمر إلى من بيده
الأمر، وما هذا بقول دَعِيّ.
4- الصدق الأخلاقي:
من تستقيم حياته على الصدق دومًا لا يمكن
أن يكذب على ربه؛ فإن من يكذب مرة، ربما يكذب أخري! أما من يستعظم الكذب على الناس،
ولم يكذب عليهم مرة واحدة؛ فكيف يكذب على ربه؟!
يشير على أصحابه برأيه في تأبين النخل؛
فتأتي الأمور بخلافه، فلم يكابر، ولم يسؤه أنه أخطأ؛ بل اعترف أنهم أعلم بشؤون
دنياهم، وما هكذا يكون موقف دَعِيّ عليه شعور النقص، وهو أبين الأمراض التي تنتاب
الأدعياء! بل قال بلا حرج: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب»، تلك مقالة من لا يخطر له
الادعاء ببال! وإنما هو يذكِّر ويذكِّر دوماً أنه كسائر الناس، وهكذا الصادق الذي
لا يشغله تمويه حقيقة ليبدو أفضل مما هو!
5- السمو الخُلقي والإنساني:
أشاد لوقا بالجوانب الإنسانية والأخلاقية
للنبي صلى الله عليه وسلم في زهده وتواضعه مما لا يوجد في الملوك والسلاطين، فهم
يحيطون أنفسهم بالحراس، ويعيشون في أبهة الملك والعظمة في منزلة أعلى من الناس.
أما محمد صلى الله عليه وسلم فليس كذلك،
يعيش بين الناس بلا حرس، يأكل مما يأكلون، يجوع مثلهم مع ما توافر له من الجاه
والسلطان ما لم يتوفر لغيره من ذوي السلطان؛ فيقول: إن لُباب المسألة كلّها أن
الرسول صلى الله عليه وسلم كان أكبر من سلطانه الكبير، فعندما يدهش رجل بين يديه
ويرتعش، يقول له: «هَوّن عليك، لستُ بملِك! إنما أنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد
بمكة».
إنَّ مجد هذه الكلمة وحدها يرجح بفتوح
الغزاة كافة وأبّهة القياصرة أجمعين، أنت بأجمعك يا رسول الله في هذه الكلمة وما
أضخمها أيها الصادق الأمين! وما عرفت شيئًا يُغيّر الرجال ويمتحن معادنهم غير فتنة
السلطان، وما سلطان هؤلاء الأغرار، وما أتيت أنت من السلطان يا أبا القاسم، يا
لسان السماء، ويا حاكم الدنيا! ويا من لا يعلو سلطانك على أحد من أتباعك من بني
آدم سلطان، فليس فوقك إلا المهيمن الأحد(6)!
أثر كتاب «محمد الرسالة والرسول» في الحياة الثقافية
آثار كتاب لوقا «محمد الرسالة والرسول»
إشادة كبيرة بين المسلمين لإنصاف وعدل رجل مسيحي يقدم الأدلة على صدق رسالة
الإسلام، وصدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ الأمر الذي دفع وزارة التربية
والتعليم في مصر عام 1959م أن تجعله من المقررات الدراسية على طلاب الثانوية
العامة، وصدرت طبعاته التالية بتقديم كبار الكتَّاب المسلمين، فقدم له كمال الدين
حسين، وزير التعليم آنذاك، وأمين الخولي، وفتحي رضوان.
أما أثر الكتاب في الأوساط المسيحية؛ فقد
اتخذت الكنيسة موقف الرفض لما جاء فيه من آراء تتعارض مع العقائد المسيحية
كاعترافه بالإسلام أنه دين الله، واعترافه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن ناحية أخرى، أن لوقا لا يؤمن -في
الكتاب- بألوهية المسيح والأقانيم الثلاثة: الأب والابن والروح القدس، فالمسيح -عنده-
بشر يُوحى إليه؛ لذا قام القمص سرجيوس بالرد على آرائه تلك بكتاب «الدكتور نظمي
لوقا في الميزان» ردًا على كتاب «محمد الرسالة والرسول»، ونفى عن لوقا أن يكون
مسيحيًا، بل هو مسلم أكثر من المسلمين، وبيّن أن تعرضه لكتابه؛ لأن بقي مسيحيًا
بعد أن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وديانته، واعترف بأنها الديانة التي جاءت
لتصحيح أخطاء أهل الكتاب، ولا بعدها دين، وحلّت محل اليهودية والمسيحية، وقال
كلامه وظل في مقعده من المسيحية؛ ليقال: وشهد شاهد من أهلها!
وقد أصدرت الكنيسة بحقه حرمانًا، ولما
توفي عام 1987م منعت الصلاة عليه بأي كنيسة، وحارت زوجته بين الكنائس للصلاة عليه
دون جدوى.
وهكذا اعتمد لوقا في إثبات صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على معايير عقلية وأخلاقية وتاريخية، قادته إلى نتائج تتقاطع في جوهرها مع دلائل النبوة في الفكر الإسلامي، وإن اختلف منطلقها العقدي.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً