7 أكتوبر.. كيف هزّت «طوفان الأقصى» العقيدة العسكرية «الإسرائيلية»؟

د. خالد سعيد

07 أكتوبر 2026

95

جندي من جيش الاحتلال الإسرائيلي يتكئ برأسه على آلية عسكرية يبدو عليه اليأس والإنهاك

رغم مرور 3 أعوام كاملة على عملية «طوفان الأقصى» التي جرت وقائعها في 7 أكتوبر 2023م، فإن الكيان الصهيوني بجميع فئاته، لا يزال يتذكر الساعات الأولى من صباح هذا اليوم، ويضعها نُصب أعينه حتى لا ينسى التاريخ الذي غيَّر من تاريخه ومن خريطة القوى الإقليمية والعالمية، بل غيَّر من عقيدة «إسرائيل» العسكرية التي لطالما اعتمدتها طوال عقودها السابقة ومنذ نشأتها في العام 1948م.

ومن بين التقارير والتحقيقات المهمة التي نشرتها وسائل الإعلام العبرية بشأن تداعيات عملية «طوفان الأقصى» على الكيان، ما ذكرته «القناة 12»، من أن التجمع الصهيوني لم يكن موجودًا صبيحة 7 أكتوبر 2023م، إذ لم يكن للصهاينة جيش يحميهم، أو تحذيرات استخباراتية تنذر بوقوع مثل هذا الحدث الجلل أو سيناريوهات تستند إليها القوات في حال وقوع هجوم استباقي من قبل حركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

7 أكتوبر.. 3 ساعات كشفت ثغرات الجيش «الإسرائيلي»

القناة العبرية رأت أن الطيارين استقوا معلوماتهم من المستوطنين أنفسهم في الساعات الأولى من 7 أكتوبر، إذ لم يكن لديهم أي معلومة أو دراية عما جرى خلال تلك الساعات، فاعتمدوا على هؤلاء المستوطنين من خلال نداءات الاستغاثة أو طلبات المساعدة أو الحديث المباشر معهم، هاتفيًا، ما كشف بدوره عن عورات للقيادة السياسية والمؤسسة العسكرية في الكيان، تمثلت في غياب كامل لصورة ما جرى في الساعات الأولى من هذا اليوم وحتى ساعات الظهيرة، وعدم معرفة حكومة نتنياهو بما وقع إلا من خلال شهادات وإفادات واستغاثات المستوطنين في غلاف غزة عبر تطبيق «واتساب»!

وبدا واضحًا أن تأثير تلك الساعات ما يزال مستمرًا، حتى الآن، فهناك 56% من «الإسرائيليين» لا ينامون بشكل جيد، ويعتقدون أن بإمكان الشعب الفلسطيني القيام من جديد بأحداث مماثلة للسابع من أكتوبر، فقد نشرت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية استطلاعاً للرأي كشفت من خلاله أن 25% من المستطلع آراؤهم ينعمون بنوم هادئ لإيمانهم بأن مثل هذه الأحداث لن تقع مرة ثانية، فيما أجاب 19% أنهم لا يعرفون، ويبدو أن تلك النسبة ستستمر لفترة طويلة من الزمن.

تداعيات 7 أكتوبر النفسية.. «الإسرائيليون» إلى العلاج

الأجيال الصهيونية الجديدة تتوجه بدورها نحو العلاج النفسي، أكثر من ذي قبل، مقارنة بالفترة التي سبقت «طوفان الأقصى»، حيث تفيد البيانات والإحصاءات الصهيونية أن آثار الحرب الصحية لم تتراجع مع مرور الوقت، بل استمرت في الظهور على المستويين النفسي والجسدي؛ فقد أظهرت معطيات نشرها صندوق المرضى «الإسرائيلي» (كلاليت)، استمرار التداعيات النفسية والصحية للحرب، حتى اللحظة، في ظل ارتفاع توجه الأطفال والمراهقين الصهاينة إلى أقسام الطوارئ النفسية بنسبة 121% منذ 7 أكتوبر مقارنة بالعامين اللذين سبقا الحرب، وسجلت تشخيصات اضطرابات القلق ارتفاعا بنسبة 45.5%، كما تضاعفت حالات تشخيص «اضطراب ما بعد الصدمة»، مع استمرار الزيادة على مدار سنوات الحرب الثلاث.

ونقلت «هاآرتس» العبرية هذه الأرقام، مشيرة إلى أن الارتفاع كان أكثر حدة بين المستوطنين الذين تم إجلاؤهم من مستعمرات غزة، إذ زادت حالات «اضطراب ما بعد الصدمة» 18 ضعفاً خلال السنة الأولى للحرب، ثم بقيت أعلى بـ11 ضعفًا في السنة الثانية، وبـ6 أضعاف خلال السنة الثالثة مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب.

تحذيرات قبل 7 أكتوبر.. ماذا حدث داخل المؤسسة العسكرية؟

فكان بديهيًا أن تؤكد «القناة 12» في تحقيقها أن الكيان الصهيوني لم يكن مستعدًا بأي حال من الأحوال لأحداث 7 أكتوبر، رغم ما نشر من تحذيرات وصلت إلى نتنياهو قبل هذا التاريخ، سواء خارجية أو داخلية، حيث نقلت عن مجندات كانت مهمتهن حراسة السور الفاصل بين قطاع غزة ومستوطنات الغلاف، أنهن رأين بأم أعينهن عناصر المقاومة لـ«حماس» يتدربون على أحداث ووقائع ما جرى في عملية «طوفان الأقصى»، وبعثوا برسالة إلى قياداتهن العسكرية، دون جدوى، وكن ينقلن شعورهم باليأس والتشاؤم والاكتئاب لذويهن، عسى أن يصل صوتهن إلى نتنياهو!

وألمحت القناة إلى شبه اعتراف صهيوني داخلي بتغيير العقيدة العسكرية التي تدرب عليها الكيان طيلة حياته وهي العقيدة التي اعتاد على كونها «هجومية بحتة»، دون التدريب على سيناريوهات دفاعية أو اختراق وتسلل من حركات المقاومة هنا أو هناك، وهو ما مكَّن حركات المقاومة من اختراق الداخل الصهيوني بسهولة ويسر.

«طوفان الأقصى» يفرض مراجعة العقيدة العسكرية «الإسرائيلية»

ذاك التمكن الذي نجحت فيه عناصر المقاومة الفلسطينية نتيجة عدم إدراك الصهيوني وفهم ما جرى صبيحة هذا اليوم إلا في الساعة 9:30 صباحًا؛ أي بعد حوالي 3 ساعات من بدء الهجوم، كانت «إسرائيل» في حالة تيه، ولم تكن القوات الصهيونية تعرف أين تطلق النار؟ وأين تهبط بطائراتها، وكيف تُميِّز بين المدنيين وعناصر المقاومة، ولم تكن سوى 25 طائرة في حالة «تأهب قصير»، بما في ذلك المروحيات والطائرات غير الهجومية، نتيجة لتخفيض الجيش، بشكل ملحوظ، انتشار قواته أيام السبت والعطلات الرسمية -تزامن السابع من أكتوبر أن يكون يوم سبت- وكذلك فعلت القوات الجوية.

ولم يفت تحقيق القناة العبرية إيلاء الاهتمام الحديث بما دار في رئاسة أركان القوات الجوية الصهيونية خلال هذه الساعات من وجوب تأمين الأماكن الحساسة في أنحاء البلاد بدلاً من توجيه المقاتلات والطائرات «الإسرائيلية» نحو مستوطنات غلاف غزة والقطاع، إذ رجَّح مقر القيادة الجوية في وزارة الدفاع المعروفة باسم «الكرياه» أن الكيان يتعرض لهجوم متعدد الجبهات فضلاً عن وجود ضباط كبار وضباط صف وجنود في إجازة صبيحة 7 أكتوبر.

هل تتمكن «إسرائيل» من مواجهة سيناريو مماثل لـ«طوفان الأقصى»؟

القناة كشفت عورات الجيش «الإسرائيلي» خلال الساعات الأولى من 7 أكتوبر، وقدمت حلولاً واستعرضت سيناريوهات مختلفة لوقف أي أحداث مماثلة لعملية «طوفان الأقصى»، بل أكدت أن الكيان الصهيوني تدرب على هذه السيناريوهات جميعها، لكنها تركت الباب مفتوحًا أمام سؤال جوهري يتعلق بمدى مواجهة هذا الكيان لهجوم مفاجئ آخر، في عدة جبهات وعلى نطاق يقارب ما حدث في 7 أكتوبر، وهل يمكن لـ«تل أبيب» الصمود أمام مثل هذا الهجوم المباغت؟

الغريب أن رئيس أركان الجيش الجنرال إيال زامير اعترف بأن كيانه الصهيوني تعرض لـ«هزيمة ساحقة في السابع من أكتوبر»، وذلك في معرض حديثه عن استخلاص العبر من إخفاقات عملية «طوفان الأقصى» مُقرًا بأنه مني فيها بـ«هزيمة مدوية»، وذلك خلال اجتماع موَّسع مع كبار قادة الجيش -عميد فما فوق، بحسب صحيفة «معاريف» العبرية- لبحث نتائج التحقيقات المتعلقة بالسابع من أكتوبر، واستعراض الدروس المستخلصة وآليات تطبيقها.

بعد 7 أكتوبر.. الجيش «الإسرائيلي» أمام تغيير إستراتيجي

وأثناء الاعتراف الجديد بالهزيمة النكراء للكيان الصهيوني أمام حركات المقاومة في «طوفان الأقصى»، أقرَّ الجنرال إيال زامير بضرورة الاستعداد لأي هجوم مفاجئ ومتعدد الجبهات حتى في حال غياب الإنذار أو التحذيرات المسبقة، وبناء التجهيزات العسكرية على أساس قدرات الخصوم وليس نواياهم، إلى جانب اتخاذ إجراءات استباقية لمنع تطور التهديدات، وهو ما يؤكد إجراء تغييرات عميقة وجوهرية في العقيدة العسكرية الصهيونية، وتحويلها من هجومية بشكل كبير إلى دفاعية إلى حد ما؛ وذلك في اعتراف صريح لصحيفة «ماقور هاريشون» العبرية.

وتأكيدًا لذلك، شدد الجنرال زامير على إعادة بناء القدرات الإستراتيجية للجيش الصهيوني بزعم مواجهة جميع التحديات والتهديدات، قائلاً: إن حجم الجيش «الإسرائيلي» هو عمقنا الإستراتيجي، وبالتالي، يجب علينا زيادة حجمه وتكييفه مع مهامه المتنامية، وهو اعتراف ضمني بتغيير تلك العقيدة العسكرية «الإسرائيلية» مع زيادة حجم الجيش وقواته وعتاده العسكري.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة