لماذا يقاوم الشعب الفلسطيني؟
في عالم «السوشيال ميديا» تُقاس القضايا بالنتائج
السريعة، لذا قد يتساءل البعض اليوم: لماذا لا يضع الفلسطيني سلاحه؟ لماذا لا يستسلم؟
لماذا يواصل مقاومةً تبدو أحيانًا مستحيلة؟ وقد تجر عليه ويلات صعبة كثيرة.
لكن هذا السؤال –في جوهره– وإن خرج من البعض
دون قصد فإنه يكشف عن جهل في التاريخ، وقصر نظرٍ بالحاضر، وسذاجة في فهم معنى البقاء،
ويكشف بصورة أعمق عن أهمية معركة الوعي لأجيال من الشباب بات تؤثر فيها مواقع التواصل
الاجتماعي التي يتحكم فيها الغرب وتُحارب فيها الرواية الفلسطينية.
لأجل ذلك نعيد تفكيك السؤال مجدداً.
يُخبرنا التاريخ أن الشعوب التي لا تقاوم..
تفنى.
حين توقفت المقاومة في الأندلس، لم يتوقف
معها القتل فقط، بل توقفت معها الحياة ذاتها.
ذابت الهوية، احترقت الكتب، وهُجّر الناس،
وسُلبت الأسماء من الشوارع والبيوت والجبال.
تحولت الأندلس من حضارة إلى ذكرى، ومن وطن
إلى فصل منسي في كتب التاريخ.
لم يبق من أهلها أحد ليقول: كنا هنا.
فالاحتلال لا يكتفي بالأرض، بل يسعى لمحو
الإنسان.
يُخبرنا التاريخ أيضاً أن من قاوم، وإن طال
الطريق.. انتصر.
انظر إلى الجزائر؛ 132 عامًا من الاستعمار
الفرنسي، مجازر، محارق، تهجير..
لكن الجزائري قاوم، وتشبث بأرضه كأنها آخر
ما تبقى له من كرامته.
وحين انتصر، لم يعد فقط بالحرية، بل استعاد
وطنًا كاملًا لم يُمحَ من خريطة الذاكرة.
وكذلك الفيتنامي، الذي حوّل الغابات إلى ساحات
اشتباك، ورفض أن تُخضعه أمريكا رغم النووي والقدرات العسكرية الهائلة.
في النهاية خرج الأمريكي، خائبًا منكسرًا.
أما الفيتنامي، فبقي حرًا.
ويُحدثنا الحاضر أن المقاومة ليست رفاهية،
بل فريضة نجاة.
الفلسطيني لم يختر المقاومة ترفًا، ولم يحمل
البندقية شهوةً للموت؛ بل لأنها الخيار الوحيد الذي يمنع أن يُمحى اسمه من الوجود.
لم تحمه اتفاقيات السلام، ولا وعود الغرب،
ولا أوسلو، ولا التنسيق الأمني.
لكن البنادق وحدها هي التي أبقت اسمه في الذاكرة،
وصوته في الأمم المتحدة، وقضيته في عناوين النشرات.
تخيل فلسطين بلا مقاومة.. تخيل لو لم تكن
هناك مقاومة في غزة؛ لكانت اليوم مستوطنة منسية.
لكان أطفالها يدرسون التوراة بدل القرآن،
ويغنون للاحتلال بدل الشهداء، ويتكلمون العبرية بدل العربية.
لكانت القدس حكاية قديمة مثل بابل، يُخبرها
الغرب للسياح، دون أن تجد من يبكيها.
المقاومة، وإن كانت مكلفة، لكنها منعت الفناء.
منعتنا من أن نصير عبيدًا نغني للجلاد، أو
عبيدًا نعتذر عن وجودنا!
لأن التاريخ يسأل.. والله يسأل..
سيأتي يوم يسأل فيه أبناؤنا: أين كنتم؟
ماذا فعلتم حين كان العدو يهدم بيوتكم، ويقتل
أطفالكم، ويحاصر غزة؟
هل قاومتم؟
هل رفعتم الصوت؟
هل رفضتم أن تكونوا شهود زور على زمن الانكسار؟
وما أدهى من سؤال التاريخ، هو سؤال الله يوم
القيامة؛ ألم أأمركم بالجهاد ولو كنت وحدك؟! (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ
نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) (النساء: 84).
تذكروا.. المقاومة لا تضمن النصر الفوري..
لكنها تضمن البقاء.
ربما لا ننتصر غدًا، وربما يطول الطريق.
لكن طالما نحن نقاوم، فإن مشروع العدو لن
ينجح، ولن يرتاح، ولن يُطبّع.
المقاومة ترفع كلفة الاحتلال، وتُبقيه مشروعًا
غير مكتمل، ومرفوضًا.
وهي وحدها التي تزرع الأمل في مستقبل حر،
عادل، كريم، وموازين القوى حتماً ستتغير والتاريخ والحاضر أكبر دليل على ذلك.
نقاوم لأننا أحياء..
نحن لا نقاوم لأننا نحب الموت.
نحن نقاوم لأننا نحب الحياة، ولكن بكرامة.
لأننا نريد أن نعيش كما يليق بالبشر، لا كما
يُراد لنا أن نكون سكانًا على أرضنا بلا سيادة، ولا صوت، ولا قضية.
في النهاية.. السؤال الصحيح اليوم، والمفروض
على كل واحد منا: كيف نقاوم؟ كيف نكون جزءاً من هذه المعركة؟!
فلسطين تقاوم لأن البقاء بدون مقاومة.. انقراض.
والهوية بلا مقاومة.. تزوير.
والحق بلا مقاومة.. أكذوبة.
فلا تسألني لماذا أقاوم، بل اسأل نفسك: كيف
تُقاوم؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً