وصية لقمان.. أثر الرفقة الصالحة في بناء الشخصية

وصية لقمان.. أثر الرفقة الصالحة في بناء الشخصية

روى الإمام أحمد في كتاب «الزهد» عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ، جَالِسِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ؛ فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْ مَحَاسِنِهِمْ خَيْرًا، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ، فَتُصِيبَكَ مَعَهُمْ، يَا بُنَيَّ، ‌لَا ‌تُجَالِسِ ‌الْأَشْرَارَ؛ فَإِنَّكَ لَا تُصِيبُ مِنْ مُجَالِسَتِهِمْ خَيْرًا، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِ ذَلِكَ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ، فَتُصِيبَكَ مَعَهُمْ».

أثر الرفقة في بناء الشخصية

الإنسان كائن اجتماعيّ، يتأثر بمن حوله؛ سلوكًا وفكرًا ووجدانًا، ولذلك جاءت وصية لقمان لابنه دعوة للتربية بالقدوة، وغرسًا لمبدأ الانتقاء في العلاقات، في هذه الوصية يرشد لقمان الحكيم ولده إلى منهجية المصاحبة والمجالسة في حياة المؤمن، فهي مؤثرة فيه؛ حيث روى أحمد في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌الْمَرْءُ ‌عَلَى ‌دِينِ ‌خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ».

والرفقة مدرسة صامتة، تُربّي دون كلام، وتغرس في القلب حبّ الخير أو الشر؛ ففي صحيحي البخاري، ومسلم، عَنْ ‌أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ ‌الْجَلِيسِ ‌الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً».

الوصية بمجالسة الصالحين ودوافعها

قال لقمان لابنه: «يا بُنَيَّ، جالسِ الصالحين من عباد الله؛ فإنك تصيب من مجالستهم خيراً، ولعله أن يكون آخر ذلك أن تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم»، في هذه الوصية يدعو لقمان ولده إلى مجالسة الصالحين، ثم يبين الدوافع إلى ذلك، حيث إن مصاحبة الصالحين تكون سبباً في تحصيل الخير، وكلمة الخير كلمة جامعة تستوعب كل خير في الدنيا والآخرة.

ثم ساق لقمان مجالاً واحداً من مجالات هذا الخير؛ وهو المجال الذي يسعى إليه كل مسلم، وهو الحصول على رحمة الله سبحانه، حيث أكد لقمان أن رحمة الله تحيط بالصالحين، فعسى إن نزلت لهم الرحمة تصيب من يجالسهم أيضاً.

فقد روى مسلم عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ ‌فِي ‌بَيْتٍ ‌مِنْ ‌بُيُوتِ ‌اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».

كما أن مجالسة الصالحين سبيل إلى الرحمة والفوز في الآخرة، حيث قال تعالى: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ {67} يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ {68} الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ {69} ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ) (الزخرف)؛ فمصاحبة الصالحين تزكّي القلب وتنعش الإيمان؛ ويذكّرونك بالله إن نسيت، ويقوّون عزيمتك إن ضعفت، ويواسونك في البلاء، ويشاركونك في الخير.

الوصية بعدم مجالسة الأشرار ودوافعها

قال لقمان لابنه: «يا بُنَيَّ، ‌لا ‌تجالس ‌الأشرار؛ فإنك لا تصيب من مجالستهم خيراً، ولعله في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبةٌ فتصيبك معهم».

يلفت لقمان الحكيم نظر ابنه ويوجهه إلى خطورة مجالسة الأشرار، فهي باب من أبواب الفساد؛ تُميت القلب، وتطمس الفطرة، وتُضعف مراقبة الله، ويأتي صاحبها نادماً يوم القيامة، حيث قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً {27} يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً {28} لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً) (الفرقان)، فالخليل الفاسد يجرّ خليله إلى المعصية بخطوات صغيرة، ثم لا يزال يهوّنها حتى يسلبه نور الإيمان.

ومن أخطار مجالسة الأشرار أن الطباع يسرق بعضها من بعض، حتى يتشبه بالأشرار فيكون مثلهم، وقد حذر الله تعالى من ذلك، حيث قال عز وجل: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ ‌إِذًا ‌مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء: 140).

وفي الوصية يؤكد لقمان الحكيم أن صحبة الأشرار لا خير فيها، بل هي باب للعقوبة والخسران في الدنيا والآخرة.

دعوة الوصية إلى التربية على الانتقاء الاجتماعي

وصية لقمان ليست مجرد توجيهٍ سلوكي، بل هي منهج تربوي متكامل، تهدف إلى:

1- التربية على البصيرة، حيث يحرص على معرفة من يصاحب ومن يتجنّب.

2- التربية على المسؤولية، حيث يعي أن اختياره لرفقته هو اختياره لطريق حياته.

3- التربية على الثبات، حيث إن من جالس الصالحين ثبت قلبه، ومن جالس الأشرار اضطربت فطرته.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة