فلسفة الصيام (1)
الصوم.. تهذيب لا تعذيب
ليس الصوم في
التشريع الإسلامي مجرّد امتناعٍ عن الطعام والشراب وسائر الشهوات المباحة، كما
يتصوّر بعض الناس، ولا هو تدريبٌ موسميٌّ على الجوع والعطش، ولا طقسٌ تعبّديٌّ
ينقضي بظهور هلال شوال؛ بل هو مشروع ربّانيٌّ متكامل لإعادة صياغة الإنسان باطنًا
وظاهرًا.
الصوم.. بين المفهوم الشكلي والحقيقة المقاصدية
فنحن معشر المسلمين نؤمن أن الله تعالى قادر، وهو الحكيم جلّ في علاه، أن يجعل التقوى ثمرةً لكثرة الأقوال، أو لطول الركوع والسجود، لكنه سبحانه اختار الصوم عبادةً خفيّة، لا يطّلع على حقيقتها إلا هو، ليوقظ في الإنسان جوهر العبودية، ويقرّر أن الطاعة إنما تكون لله وحده، وأن العبد يطيع ربّه في الخلوة كما يطيعه في الجلوة، وأن يكون قصده
في عبادته خالصًا لله لا لمرأى الناس، وأن ينقاد لأمر الله في كل حال، وأن يترك وهو قادر، وأن يُمسك لا عن عجز، بل عن وعيٍ ومراقبةٍ داخلية.
ومن هنا لم يأتِ الخطاب القرآني في آية الصيام بصيغة التكليف الجافّ الخالي من المعنى، بل جاء في ثوب التربية العميقة؛
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) (البقرة: 183)، ثم لم يُذكر الجوع ولا العطش ولا المشقّة، وإنما ذُكرت الغاية الكبرى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)؛ فكأن الصوم ليس مقصودًا لذاته، بل وسيلة إلى منزلة قلبية أسمى، يصبح فيها الإنسان واعيًا من داخله، منضبطًا بلا رقيب، مستقيمًا بلا إكراه، متصلًا بالله لا بالمواسم ولا بالعوائد.
الصوم تهذيب لا تضييق
ويتبيّن لنا من
ذلك أن الشرائع في الإسلام إنما شرعها الله لمصالح العباد، لا ليضيّق بها صدورهم،
ولا ليحمّلهم ما لا يطيقون، ولا ليعذّب أجسادهم، وإنما ليقيم بها ميزان الحياة،
ويهذّب بها النفوس، ويحفظ بها الفطرة من الانحراف والاختلال، فما من أمرٍ شرعه
الله إلا وله حكمة وغاية ومنفعة، وإن خفيت بعض هذه المعاني عن عقول قاصرة أو نفوس
مقصّرة.
ومن هذا المنطلق
جاء الصوم؛ لا بوصفه حرمانًا عابرًا، بل عبادة عميقة الدلالة، بعيدة الأثر، تُنمّي
في الإنسان قدرة الامتناع مع توافر القدرة، وتُوقظ في القلب معنى المراقبة عند
غياب الرقيب، فيجوع الجسد ليصحو القلب، وتسكن الشهوة ليعلو الضمير، ويضعف سلطان
العادة ليقوى سلطان التقوى.
فلم يكن الصوم
يومًا قهرًا للفطرة، وإنما تهذيب لها، ولا إلغاء للشهوة، وإنما توجيه لمسارها؛ إذ
لم يُطلب من الصائم أن يميت غرائزه، وإنما أن يضعها في ميزان الشرع، ويعيدها إلى
موضعها الصحيح في سلّم القيم، فبالجوع المؤقّت تنكسر حدّة الطغيان، وبالمنع العارض
يتحرّر الإنسان من أسر الاعتياد.
فلسفة الصوم عند ابن القيم
وقد عبّر الإمام ابن القيم عن حقيقة الصوم أصدق تعبير، فقال: «فهو لجام المتقين، وجنّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرّبين، وهو لربّ العالمين من سائر الأعمال، وهو سرٌّ بين العبد وربه لا يطّلع عليه سواه، وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحمايتها من التخليط الجالب للمواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة من
صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح عافيتها، ويعيد إليها ما سلبته الشهوات، فهو من أعظم ما يُعين على التقوى».
ولهذا، اقترن الصوم بالتقوى؛ لأن التقوى ليست مظهرًا يُرى، ولا لفظًا يُقال، بل حالة باطنية، تنشأ حين يختار الإنسان طاعة الله في السرّ كما يختارها في العلن، وحين يترك الحرام لا عجزًا عنه، وإنما تعظيم لمن حرمه، فالصوم في حقيقته ليس إمساك المعدة، بل يقظة القلب، وليس جوع الجسد، بل حياة الضمير، وليس موسمًا يُؤدّى، بل مدرسةٌ تُخرّج إنسانًا أنقى، وأقرب، وأصدق مع الله.
وفي الحديث
القدسي تتجلّى فلسفة الصوم بأوضح بيان، إذ يقول الله تعالى فيما رواه عنه نبيّه صلى
الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به»؛ لا لأنه
أشقّ الأعمال، بل لأنه أخلصها، إذ ميدانه القلب، وساحته الخلوة، وثمرته الإخلاص، ومن
هنا كان الصوم تهذيبًا لا تعذيبًا، وكبحًا للشهوة لا قتلًا لها، وتحريرًا للإنسان
من عبودية ما ألفه، لا حرمانًا عبثيًّا مما أُبيح له.
الصوم في ضوء علم النفس
وفي هذا السياق،
يحضرنا كلام عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل، الذي يلتقي بعمق مع فلسفة الصوم
في شريعتنا، وإن لم يتناوله من منظور ديني، ومن أبلغ ما يُنقل عنه -بالمعنى لا
باللفظ- قوله: إن الإنسان لا يكتمل بتحقيق رغباته، بل بقدرته على الامتناع عنها
حين يكون الامتناع هو المعنى الأسمى.
ويقول في سياقٍ
أعمق عن ضبط الدوافع: «بين المثير والاستجابة مساحة، وفي هذه المساحة تكمن حرية
الإنسان ونموّه»، وهذا المعنى ينسجم تمامًا مع روح الصوم؛ فالصوم يوسّع هذه
المساحة النفسية بين الرغبة والفعل، ويُدرّب الإنسان على أن يكون مالكًا لشهواته
لا مملوكًا لها.
ومن هنا ندرك أن
الصوم إعادة ترتيب للنفس وليس تحطيماً لها، وإعادة توجيهٍ للقلب وليس إنهاكًا له،
ومن أجل ذلك جاءت هذه السلسلة؛ لنحاول قراءة الصوم قراءةً مقاصدية، إنسانية،
قلبية؛ نقرأه بوصفه عبادةً تعيد للإنسان إنسانيته، وتردّه من ضجيج الشهوة إلى
سكينة التقوى، ومن عبودية العادة إلى حرية الاختيار، ومن تراكم الغفلة إلى حضور
القلب مع الله.
فإن كان رمضان
شهر الصيام، فإن الصوم الحق هو تربية النفس وتزكيتها، والانقياد لأوامر الله،
والابتعاد الصادق عن نواهيه.
اقرأ أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً