ماذا تعرف عن وزير الصدق؟
استدعى عمر بن
عبد العزيز يوم تولى الخلافة مولاه مزاحماً، وقال له: يا مزاحم، رأيتك تصلي الضحى
في شعب من الشعاب، حيث لا يراك إلا الله فأحببتك والله، فإذا رأيتني ظلمت فخذني بتلابيب
ثوبي وقل: اتق الله يا عمر بن عبدالعزيز(1).
ليست قوة الحاكم
في بسط نفوذه أو سعة سلطانه؛ بل في الضمير الذي يجاوره، واللسان الذي يصدقه،
والعين التي تريه الحق كما هو، فكم من أميرٍ ضلّ الطريق لا لقصورٍ في عقله، بل لأن
وزيره زيَّن له الباطل، ولبَّس عليه الحق، حتى ظن أن الانحراف سياسة، والظلم
حزمًا.
ولهذا كان من
فضل الله تعالى على الأمير أن يعينه بوزير الصدق، ففي سنن أبي داود بسند صححه
الألباني عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ،
إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ
غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ
ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ»
إذا أراد الله
تعالى بالأمير الذي له ولاية على قوم من خليفة أو قاضٍ ونحوهما «خيرًا» يراد به
عموم خير الدنيا والآخرة، «جعل له وزيراً» هو مشتق من الوزر وهو الثقل والإثم؛
لأنه يتحمل عن الملك ثقل التدبير ومؤنة ما يحتاج إلى فعله، وقيل: مشتق من الوزر
وهو اللجأ، قال الله تعالى: (كَلَّا لَا وَزَرَ) (القيامة: 11)؛ أي: لا ملجأ منه إلا إليه، ويسمى الوزير بذلك لأن
الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره.
وقيل: الوزير
مشتق من المؤازرة وهي المعاونة.
«صدق»؛ أي:
صادقًا في النصح له، والأظهر أن المراد به وزيرًا صالحًا؛ لرواية النسائي ولفظه:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي منكم عملًا فأراد الله به خيرًا جعل له
وزيرًا صالحًا».
صفات وزير الصدق
ثم بيَّن صفات
وزير الصدق إن نسي شيئًا من أحكام الشريعة وآدابها أو نسي قضية منه في مظلوم رفعت
إليه، أو نسي مصلحة من مصالح الرعية ونحو ذلك ذكّره ما نسيه ونبهه عليه، وإن لم
ينس شيئًا، ولكن ذكر ذلك واحتاج إلى مساعدة بالرأي أو اللسان أو البدن أعانه على
ذلك وساعده.
ومن أهم ما
ينبغي أن يكون في الوزير أن يكون حريصًا على أفعال الخير راغبًا فيه وفي تحصيله
للملك ولرعيته وجنوده، كارهًا للشر وأهله، وينبغي له أن يحرص على أن تكون مملكة
الملك جميعها عامرة آمنة، والرعية داعية وجنوده ورعاياه راضية.
وإذا أراد الله
به غير ذلك جعل الله له وزير سوء، إن نسي شيئًا مما يتعلق بمصالحه ومصالح الرعية لم
يذكره ذلك وإن ذكر واحتاج إلى إعانة لم يعنه ولا يألوه إلا خبالًا؛ أي فسادًا(2).
استحباب طلب الوزير الصالح
أوضح القرآن
الكريم أن الله عز وجل حين أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون؛ استشعر موسى ثقل
المهمة، والحاجة إلى من يعينه عليها، فسأل ربه عز وجل أن يعينه بوزير، فقال: (وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي {29}
هَارُونَ أَخِي {30} اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي {31} وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي {32}
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً {33} وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً {34} إِنَّكَ كُنتَ بِنَا
بَصِيراً) (طه)، وقد امتن الله عليه وأجاب سؤاله، فقال: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طه: 36)،
وقال عز وجل: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ
وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً {35} فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى
الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً) (الفرقان).
من فضل الله على الأمير أن يجعل له بطانة صالحة
يأتي على رأس
البطانة التي تعين الحاكم في شؤون الناس وزيره، الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن
المنكر، لذا كان من فضل الله تعالى على الحاكم أن يرزقه البطانة الصالحة.
ففي صحيح
البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ،
إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ،
فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى».
أول من سمي وزيراً في تاريخ المسلمين
لم تكن الوزارة
في صدر الإسلام إلا للخلفاء دون أمراء البلاد، فكان وزير أبي بكر الصديق؛ عمر بن
الخطاب، ووزير عمر، ووزير عثمان؛ مروان بن الحكم؛ ذكره ابن كثير في «تاريخه»، ووزير
عبدالملك؛ روح بن زنباع، ووزير سليمان بن عبدالملك؛ عمر بن عبدالعزيز.
وكان رجاء بن
حيوة وزير صدق لأمراء بني أمية، ووزير هشام بن عبدالملك، فمن بعده عبدالحميد بن
يحيى؛ غير أنه لم يكن أحد في عهده يلقب بالوزير، ولا يخاطب بوصف الوزارة، وأول من
لقب الوزير في الإسلام أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال؛ وزير الخليفة السفاح، أول
خلفاء بني العباس(3).
صفات الوزير الصادق
الوزارة ليست
تشريفًا، ولا غنيمة يُتنافس عليها، وإنما هي أمانة ومسؤولية شرعية، والوزير ليس
مجرد إداري يرتب الأمور، بل هو صاحب رسالة، وحارس على قيم، وشريك في إقامة العدل
ورعاية مصالح الأمة.
ولهذا كان
اختيار الوزير في الإسلام مبنياً على أسس مهمة، وصفات أهم، وقد حُكِيَ أَنَّ
الْمَأْمُونَ كَتَبَ فِي اخْتِيَارِ وَزِيرٍ: إنِّي الْتَمَسْتُ لِأُمُورِي
رَجُلًا جَامِعًا لِخِصَالِ الْخَيْر، ذَا عِفَّةٍ فِي خَلَائِقِهِ وَاسْتِقَامَةٍ
فِي طَرَائِقِهِ، قَدْ هَذَّبَتْهُ الْآدَابُ وَأَحْكَمَتْهُ التَّجَارِبُ، إنِ
اؤتمن عَلَى الْأَسْرَارِ قَامَ بِهَا، وَإِنْ قُلِّدَ مُهِمَّاتِ الْأُمُورِ
نَهَضَ فِيهَا، يُسْكِتُهُ الْحِلْمُ وَيُنْطِقُهُ الْعِلْمُ، وَتَكْفِيهِ
اللَّحْظَةُ وَتُغْنِيهِ اللَّمْحَةُ، لَهُ صَوْلَةُ الْأُمَرَاءِ وَأَنَاةُ
الْحُكَمَاءِ وَتَوَاضُعُ الْعُلَمَاءِ وَفَهْمُ الْفُقَهَاءِ، إنْ أُحْسِنَ
إلَيْهِ شَكَرَ، وَإِنْ اُبْتُلِيَ بِالْإِسَاءَةِ صَبَرَ، لَا يَبِيعُ نَصِيبَ
يَوْمِهِ بِحِرْمَانِ غَدِهِ، يَسْتَرِقُّ قُلُوبَ الرِّجَالِ بِخِلَابَةِ
لِسَانِهِ وَحُسْنِ بَيَانِهِ(4).
واجب الأمة تجاه الوزير الصادق
يجب على الأمة
أن تعين الوزير كما تعين الحاكم، وذلك من خلال بذل النصيحة له، وحسن إرشاده إلى ما
يجلب النفع له وللناس، كما يجب الدعاء له، ودعمه في مواقف العدل، ومحاسبته إذا حاد
عن الصواب، وذلك بالضوابط الشرعية.
اقرأ أيضا:
مفاهيم أساسية في السياسة الشرعية
___________________
الهوامش
(1) دروس الشيخ
عائض القرني (45/ 6).
(2) شرح سنن أبي
داود لابن رسلان (12/ 528).
(3) حسن
المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (2/ 193).
(4) الأحكام
السلطانية للماوردي، ص 51.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً